الباحث القرآني

ولَمّا اسْتَدَلَّ عَلى السّاعَةِ بِما وُهِبَ لِهَؤُلاءِ القَوْمِ مِن أهْلِ الطّاعَةِ مِنَ التَّصَرُّفِ في العَناصِرِ وغَيْرِها إلى أنْ ذَكَرَ أنَّهُ خَرَقَ العادَةَ في إيداعِ يَحْيى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيْنَ والِدَيْنِ لا يُولَدُ لِمِثْلِهِما لِأنَّ أباهُ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ صارَ إلى حالَةِ الكِبَرِ ويُبْسٍ مِنَ الأعْضاءِ عَظِيمَةٍ، وأُمَّهُ كانَتْ - مَعَ وُصُولِها إلى مِثْلِ تِلْكَ الحالِ - عاقِرًا في حالِ شَبابِها، تَلاهُ بِإبْداعِ ابْنِ خالَتِهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي هو عِلْمٌ لِلسّاعَةِ عَلى حالٍ أغْرَبَ مِن حالِهِ، فَأخْرَجَهُ مِن أُنْثى بِلا ذَكَرٍ، إشارَةً إلى قُرْبِ الوَقْتِ لِضَعْفِ الأمْرِ، كَضَعْفِ الأُنْثى بِالنِّسْبَةِ إلى الذَّكَرِ، فَقالَ: ﴿والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ أيْ حَفِظَتْهُ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ (p-٤٧١)حِفْظًا يَحِقُّ لَهُ أنْ يُذْكَرَ ويُتَحَدَّثَ بِهِ، لِأنَّهُ غايَةٌ في العِفَّةِ والصِّيانَةِ، والتَّخَلِّي عَنِ المَلاذِّ إلى الِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ تَعالى بِالعِبادَةِ، مَعَ ما جَمَعَتْ إلى ذَلِكَ مِنَ الأمانَةِ والِاجْتِهادِ في مَتانَةِ الدِّيانَةِ ﴿فَنَفَخْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا يُدانِي أوْجَها نَقْصٌ، ولا يَقْرُبُ مِن ساحَتِها حاجَةٌ ولا وهْنٌ ﴿فِيها﴾ أيْ في فَرْجِها - كَما التَّحْرِيمُ، [نَفْخًا هو مِن جَنابِ عَظَمَتِنا؛ ودَلَّ عَلى عِظَمِ خُلُوصِهِ وصَفائِهِ بِقَوْلِهِ -]: ﴿مِن رُوحِنا﴾ أيْ مِن رُوحٍ يَحِقُّ لَهُ أنْ يُضافَ إلَيْنا لِجَلالَتِهِ وطَهارَتِهِ، فَكانَ مِن ذَلِكَ النَّفْخِ حَبَلٌ ووَلَدٌ. ولَعَلَّهُ أضافَ [هُنا -] النَّفْخَ إلَيْها، لا إلى فَرْجِها وحْدَهُ، لِيُفِيدَ أنَّهُ - مَعَ خَلْقِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ وإفاضَةِ الحَياةِ عَلَيْهِ حِسًّا ومَعْنىً - أحْياها هي بِهِ مَعْنىً بِأنْ قَوّى بِهِ مَعانِيَها القَلْبِيَّةَ حَتّى كانَتْ صِدِّيقَةً مُتَأهِّلَةً لِزَواجِها بِخَيْرِ البَشَرِ في الجَنَّةِ، وخُصَّتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِهَذا لِأنَّ مَقْصُودَها الدَّلالَةُ عَلى البَعْثِ الَّذِي هو إفاضَةُ الأرْواحِ عَلى الأمْواتِ، قالَ الرّازِيُّ: وعَلى الجُمْلَةِ هَذِهِ عِبارَةٌ عَنْ إبْداعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في (p-٤٧٢)رَحِمِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ مِن غَيْرِ نُطْفَةٍ. [ولِما قَدَّمْتُهُ مِنَ السِّرِّ في إفاضَةِ النَّفْخِ إلى حَمْلَتِها، أتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ -]: ﴿وجَعَلْناها وابْنَها﴾ أيْ بِتِلْكَ العَظَمَةِ العُظْمى ﴿آيَةً﴾ جَعَلَهُما نَفْسَ الآيَةِ لِكَثْرَةِ ما كانَ فِيهِما مِنَ الأعاجِيبِ. ولَمّا كانَ ما فِيهِما مِن ذَلِكَ لَيْسَ مَقْصُودًا لِذاتِهِ، بَلْ لِتَقْرِيرِ أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمْ يَقُلْ: آيَتَيْنِ، أوْ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ نَفْسَ العَدَدِ مَقْصُودٌ فَيَنْقُصَ المَعْنى ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ في أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ لا سِيَّما البَعْثُ الَّذِي هو آيَتُهُ، يَتَحَدَّثُ بِذَلِكَ بَعْدَهُما جِيلٌ بَعْدَ جِيلٍ، وعالَمٌ بَعْدَ عالَمٍ، وأُمَّةٌ بَعْدَ أُمَّةٍ، إلى قِيامِ السّاعَةِ الَّتِي هو عَلَمُها، وحَفِظْنا ابْنَها بِعِلْمِنا وحِكْمَتِنا وقُدْرَتِنا وعَظَمَتِنا مِمَّنْ كادَهُ، ورَفَعْناهُ إلى مَحَلِّ قُدْسِنا، وخَتَمَ بِهِ الأنْبِياءَ المَذْكُورِينَ هُنا لِأنَّهُ خاتَمُ المُجَدِّدِينَ لِهَذا الدِّينِ المُحَمَّدِيِّ، وهو دَلِيلُ السّاعَةِ، وكِتابُهُ أعْظَمُ كِتابٍ بَعْدَ التَّوْراةِ الَّتِي ابْتَدَأ بِصاحِبِها ذِكْرُ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، حاشى القُرْآنِ الَّذِي عَجَزَتْ لِبَلاغَتِهِ الإنْسُ والجانُّ. (p-٤٧٣)ذِكْرُ شَيْءٍ مِن دَلائِلِ كَوْنِهِ آيَةً مِنَ الإنْجِيلِ: قالَ مَتّى أحَدُ المُتَرْجِمِينَ الأرْبَعَةِ لِلْإنْجِيلِ وأغْلَبُ السِّياقِ لَهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ مَقْتَلَ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَّلامُ كَما مَضى في [آلِ عِمْرانَ ]: فَلَمّا سَمِعَ يَسُوعُ مَضى مِن هُناكَ في سَفِينَةٍ إلى البَرِّيَّةِ مُفْرَدًا، وسَمِعَ الجَمْعُ فَتَبِعُوهُ ماشِينَ مِنَ المَدِينَةِ، فَلَمّا خَرَجَ أبْصَرَ جَمْعًا كَثِيرًا فَتَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ وأبْرَأ أعِلّاءَهم ومَرْضاهم وقالَ مُرْقُسُ: فَلَمّا خَرَجَ يَسُوعُ أبْصَرَ جَمْعًا كَثِيرًا فَتَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم كانُوا كَخِرافٍ لا راعِيَ لَها فَبَدَأ يُعَلِّمُهُمْ، وبَعْدَ ساعاتٍ كَثِيرَةٍ جاءَ تَلامِيذُهُ إلَيْهِ، وقالَ مَتّى: ولَمّا كانَ المَساءُ أتى تَلامِيذُهُ وقالُوا: إنَّ المَكانَ قَفْرٌ، والسّاعَةَ قَدْ جازَتْ، [أطْلِقِ -] الجَمْعَ يَذْهَبُوا إلى القُرى المُحِيطَةِ فَيَبْتاعُوا لَهم طَعامًا، فَقالَ لَهُمْ: أعْطُوهم أنْتُمْ لِيَأْكُلُوا، فَقالُوا: لَيْسَ هَهُنا إلّا خَمْسُ خُبْزاتٍ وحُوتانِ، فَقالَ [لَهم -] قَدِّمُوهم إلى هَهُنا وأمَرَ بِإجْلاسِ الجَمِيعِ عَلى العُشْبِ، وقالَ مُرْقُسُ: الأخْضَرِ أحْزابًا أحْزابًا، فَجَلَسُوا رِفاقًا رِفاقًا مِائَةً مِائَةً وخَمْسِينَ خَمْسِينَ، وقالَ يُوحَنّا: فَقالَ لِفِيلَبَّسَ: مِن أيْنَ نَبْتاعُ لِهَؤُلاءِ خُبْزًا؟ قالَهُ لِيُجَرِّبَهُ، فَقالَ فِيلَبَّسُ: ما يَكْفِيهِمْ خُبْزٌ بِمِائَتَيْ دِينارٍ، وقالَ (p-٤٧٤)إنْدِراوِسْ أخُو شَمْعُونَ الصَّفاءِ: إنَّ هاهُنا حَدَثًا مَعَهُ خَمْسَةُ أرْغِفَةِ شَعِيرٍ وسَمَكَتانِ، فَقالَ يَسُوعُ: مُرُوا النّاسَ بِالجُلُوسِ، وقالَ مَتّى: وأخَذَ الخَمْسَ خُبْزاتٍ والحُوتَيْنِ، ونَظَرَ إلى السَّماءِ وبارَكَ وقَسَّمَ وأعْطى الخُبْزَ لِتَلامِيذِهِ، وقالَ مُرْقُسُ: وقَسَّمَ الحُوتَيْنِ وناوَلَ التَّلامِيذُ الجَمِيعَ فَأكَلَ جَمِيعُهم وشَبِعُوا ورَفَعُوا مِن فَضَلاتِ الكِسَرِ اثْنَيْ عَشَرَ سَلًّا مَمْلُوءَةً، ومِنَ السَّمَكِ، وكانَ عَدَدُ الآكِلِينَ خَمْسَةَ آلافِ رَجُلٍ، [وقالَ مَتّى -]: سِوى النِّساءِ والصِّبْيانِ، وقالَ يُوحَنّا: فَقالُوا: حَقًّا إنَّ هَذا هو النَّبِيُّ الجائِي إلى العالَمِ، فَعَلِمَ يَسُوعُ أنَّهُمُ اجْتَمَعُوا لِيَحْتَفِظُوا بِهِ ويُصَيِّرُوهُ مَلِكًا، فَتَحَوَّلَ إلى الجَبَلِ، وقالَ مَتّى: ولِلْوَقْتِ أمَرَ تَلامِيذَهُ أنْ يَصْعَدُوا إلى السَّفِينَةِ ويَسْبِقُوهُ إلى العَبْرِ لِيُطْلِقَ الجُمُوعَ، وقالَ يُوحَنّا: لِيَعْبُرُوا إلى كَفْرِ ناحُومَ وكانَ ظَلامًا، وقالَ مَتّى: فَأطْلَقَ الجَمْعَ وصَعِدَ إلى الجَبَلِ مُنْفَرِدًا يُصَلِّي، وقالَ مُرْقُسُ: ولِلْوَقْتِ تَقَدَّمَ إلى تَلامِيذِهِ بِرُكُوبِهِمُ السَّفِينَةَ و”أنْ“ يَسْبِقُوهُ إلى العَبْرِ عِنْدَ بَيْتِ صَيْدا لِيُطْلِقَ [هُوَ الجَماعَةَ -]، فَلَمّا ودَّعَهم وذَهَبَ إلى الجَبَلِ لِيُصَلِّي، قالَ مَتّى: فَلَمّا كانَ المَساءُ وكانَ وحْدَهُ هُناكَ (p-٤٧٥)والسَّفِينَةُ في وسَطِ البَحْرِ، فَضَرَبَتْها الأمْواجُ لِمُعانَدَةِ الرِّيحِ لَها، قالَ يُوحَنّا: فَمَضَوْا نَحْوَ خَمْسٍ وعِشْرِينَ غَلْوَةً أوْ ثَلاثِينَ، وقالَ مَتّى: وفي الهَجْعَةِ الرّابِعَةِ مِنَ اللَّيْلِ جاءَهم ماشِيًا عَلى البَحْرِ فاضْطَرَبُوا وقالُوا: إنَّهُ خَيالٌ، ومِن خَوْفِهِمْ صَرَخُوا، فَكَلَّمَهم قائِلًا: أنا هُوَ، لا تَخافُوا، أجابَهُ بُطْرُسُ وقالُوا: إنْ كُنْتَ أنْتَ هو فَمُرْنِي أنْ آتِيَ إلَيْكَ عَلى الماءِ، فَقالَ لَهُ: تَعالَ! فَنَزَلَ بُطْرُسُ مِنَ السَّفِينَةِ ومَشى عَلى الماءِ، فَرَأى قُوَّةَ الرِّيحِ فَخافَ، وكادَ أنْ يَغْرَقَ فَصاحَ قائِلًا: يا رَبُّ نَجِّنِي! فَلِلْوَقْتِ مَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ وأخَذَهُ وقالَ لَهُ: يا قَلِيلَ الأمانَةِ! لِمَ شَكَكْتَ؟ فَلَمّا صَعِدَ السَّفِينَةَ سَكَنَتِ الرِّيحُ، قالَ يُوحَنّا: ولِلْوَقْتِ صارَتْ إلى الأرْضِ الَّتِي أرادُوها، وفي الغَدِ نَظَرَتِ الجُمُوعُ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ في عَبْرِ البَحْرِ أنْ لَيْسَ هُناكَ سِوى سَفِينَةٍ واحِدَةٍ، وأنَّ يَسُوعَ لَمْ يَرْكَبْها مَعَ تَلامِيذِهِ لَكِنَّ تَلامِيذَهُ مَضَوْا وحْدَهُمْ، وكانَتْ سُفُنٌ أُخَرُ وافَتْ مِن طَبَرِيَّةَ حَتّى انْتَهَتْ إلى المَوْضِعِ الَّذِي أكَلُوا الخُبْزَ الَّذِي بارَكَ عَلَيْهِ، فَحِينَ لَمْ يَرَ الجَماعَةُ يَسُوعَ هُناكَ ولا تَلامِيذَهُ، رَكِبُوا تِلْكَ السُّفُنَ، وأتَوْا إلى كَفْرِ ناحُومَ يَطْلُبُونَ يَسُوعَ، فَلَمّا قَصَدُوهُ في عَبْرِ البَحْرِ قالُوا لَهُ: يا مُعَلِّمُ! مَتى صِرْتَ هاهُنا؟ أجابَ يَسُوعُ وقالَ: الحَقَّ الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ! إنَّكم لَمْ تَطْلُبُونِي لِنَظَرِكُمُ الآياتِ بَلْ لِأكْلِكُمُ الخُبْزَ فَشَبِعْتُمُ، اعْمَلُوا لا لِلطَّعامِ الزّائِلِ بَلْ لِلطَّعامِ الباقِي في الحَياةِ المُؤَبَّدَةِ (p-٤٧٦)الَّذِي يُعْطِيكُمُوهُ ابْنُ البَشَرِ، ثُمَّ قالَ: لَسْتُ أعْمَلُ بِمَشِيئَتِي، لَكِنْ بِمَشِيئَةِ الَّذِي أرْسَلَنِي، ثُمَّ قالَ: قَدْ كُتِبَ في الأنْبِياءِ أنَّهم يَكُونُونَ بِأجْمَعِهِمْ مُعَلِّمِينَ، الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ! مَن يُؤْمِن بِي فَلَهُ الحَياةُ الدّائِمَةُ، قالُوا: ما نَصْنَعُ حَتّى نَعْمَلَ أعْمالَ اللَّهِ؟ قالَ: عَمَلُ اللَّهِ هو أنْ تُؤْمِنُوا بِمَن أرْسَلَهُ، قالَ مَتّى: ولَمّا عَبَرُوا جاؤُوا إلى أرْضِ جاناشَرَ، قالَ مُرْقُسُ: فَأرْسَوْا وخَرَجُوا مِنَ السَّفِينَةِ - انْتَهى. فَعَرَفَهُ أهْلُ ذَلِكَ المَكانِ وأرْسَلُوا إلى جَمِيعِ تِلْكَ الكُوَرِ فَقَدَّمُوا إلَيْهِ[ كُلَّ المَسْقُومِينَ وطَلَبُوا إلَيْهِ -] أنْ يَلْمِسُوا طَرَفَ ثَوْبِهِ فَقَطْ، وكُلُّ مَن لَمَسَهُ خَلَصَ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب