الباحث القرآني
﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ أيْ فَألْقاهم ما رَأوْا مِن أمْرِ اللَّهِ بِغايَةِ السُّرْعَةِ وبِأيْسَرِ أمْرٍ ﴿سُجَّدًا﴾ عَلى وُجُوهِهِمْ؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: سُبْحانَ اللَّهِ! ما أعْظَمَ شَأْنَهُمْ! ألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم لِلْكُفْرِ والجُحُودِ، ثُمَّ ألْقَوْا رُؤُوسَهم بَعْدَ ساعَةٍ لِلشُّكْرِ والسُّجُودِ، فَما أعْظَمَ الفَرْقَ بَيْنَ الإلْقائَيْنِ. فَكَأنَّ قائِلًا قالَ: هَذا فِعْلُهم فَما قالُوا؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا آمَنّا﴾ أيْ صَدَّقْنا.
ولَمّا كانَ سِياقُ هَذِهِ السُّورَةِ مُقْتَضِيًا لِتَقْدِيمِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ بِشارَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُشْقِيهِ بِهَذا القُرْآنِ بَلْ يَهْدِي النّاسَ [بِهِ -] ويُذِلُّهم لَهُ، فَيَجْعَلُ العَرَبَ عَلى شَماخَتِها أذَلَّ شَيْءٍ لِوُزَرائِهِ وأنْصارِهِ وخُلَفائِهِ وإنْ كانُوا أضْعَفَ النّاسِ، وقَبائِلُهم أقَلَّ القَبائِلِ، مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ الدَّلِيلِ عَلى صِدْقِ إيمانِهِمْ وخُلُوصِ ادِّعائِهِمْ بِتَقْدِيمِ الوَزِيرِ المُتَرْجِمِ تَرَقِّيًا في دَرَجِ المَعْرِفَةِ مِمَّنْ أوْصَلَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ إلى مَن أمَرَهُ بِذَلِكَ ثُمَّ إلى مَن أرْسَلَهُ شُكْرًا لِلْمُنْعِمِينَ بِالتَّدْرِيجِ «لا يَشْكُرُ اللَّهَ مَن لَمْ يَشْكُرِ النّاسَ» وهَذا لِما أوْجَبَ تَقْدِيمَهُ هُنا لا لِهَذا فَقَطْ، وذَكَرُوا اسْمَ الرَّبِّ إشارَةً إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أحْسَنَ إلَيْهِما بِإعْلاءِ شَأْنِهِما عَلى السَّحَرَةِ، وعَلى مَن كانُوا يُقِرُّونَ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وهو فِرْعَوْنُ الَّذِي لَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْئًا، فَكانُوا أوَّلَ النَّهارِ سَحَرَةً، وآخِرَهُ شُهَداءَ بَرَرَةً، وهَذِهِ الآيَةُ في أمْثالِها مِن آيِ هَذِهِ السُّورَةِ (p-٣١٠)وغَيْرِها مِمّا قَدَّمَ فِيهِ ما يَتَبادَرُ أنَّ حَقَّهُ التَّأْخِيرُ وبِالعَكْسِ لِأنْحاءٍ مِنَ المَعانِي دَقِيقَةٍ، هي الَّتِي حَمَلَتْ بَعْضَ مَن لَمْ يَرْسَخْ إلى أنْ يَقُولَ: إنَّ القُرْآنَ يُراعِي الفَواصِلَ كَما يَتَكَلَّفُ بُلَغاءُ العَرَبِ السَّجْعَ، وتَبِعَهُ جَمْعٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ تَقْلِيدًا، وقَدْ عابَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ حِينَ قالَ: «سَجْعٌ كَسَجْعِ الجاهِلِيَّةِ أوْ قالَ: الكُهّانِ» وقَدْ عُلِمَ مِمّا ذَكَرْتُهُ أنَّ المَعْنى الَّذِي بُنِيَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ ما كانَ يَنْتَظِمُ إلّا بِتَقْدِيمِ هارُونَ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ قالَ هُنا ﴿إنّا رَسُولا﴾ [طه: ٤٧] وفي الشُّعَراءِ ”رَسُولُ“، وقَدْ قالَ الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ الرّازِيُّ كَما حَكاهُ عَنْهُ الشَّيْخُ أبُو حَيّانَ في [سُورَةِ فاطِرٍ] مِنَ النَّهْرِ: لا يُقالُ في شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ: أنَّهُ قُدِّمَ أوْ أُخِّرَ لِأجْلِ السَّجْعِ، لِأنَّ مُعْجِزَةَ القُرْآنِ لَيْسَتْ في مُجَرَّدِ اللَّفْظِ، بَلْ فِيهِ وفي المَعْنى، [و -] قالَ القاضِي أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ في كِتابِ إعْجازِ القُرْآنِ: ذَهَبَ أصْحابُنا كُلُّهم إلى نَفْيِ السَّجْعِ مِنَ القُرْآنِ وذَكَرَهُ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كُتُبِهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلى المُخالِفِ بِأنْ قالَ: والَّذِي يُقَدِّرُونَهُ أنَّهُ سَجْعٌ فَهو وهْمٌ، لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ الكَلامُ عَلى مِثالِ السَّجْعِ وإنْ لَمْ يَكُنْ سَجْعًا لِأنَّ (p-٣١١)السَّجْعَ يَتْبَعُ المَعْنى فِيهِ اللَّفْظَ الَّذِي يُؤَدِّي السَّجْعَ. ولَيْسَ كَذَلِكَ ما اتَّفَقَ مِمّا هو في تَقْدِيرِ السَّجْعِ مِنَ القُرْآنِ، لِأنَّ اللَّفْظَ يَقَعُ فِيهِ تابِعًا لِلْمَعْنى، وفَصْلٌ بَيْنَ أنْ يَنْتَظِمَ الكَلامُ في نَفْسِهِ بِألْفاظِهِ الَّتِي تُؤَدِّي المَعْنى المَقْصُودَ فِيهِ وبَيْنَ أنْ يَكُونَ المَعْنى مُنْتَظِمًا دُونَ اللَّفْظِ. ومَتى ارْتَبَطَ المَعْنى بِالسَّجْعِ كانَ إفادَةُ السَّجْعِ كَإفادَةِ غَيْرِهِ. ومَتى انْتَظَمَ المَعْنى بِنَفْسِهِ دُونَ السَّجْعِ كانَ مُسْتَجْلَبًا لِتَحْسِينِ الكَلامِ دُونَ تَصْحِيحِ المَعْنى، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِأشْياءَ نَفِيسَةٍ أطالَ فِيها وأجادَ - رَحِمَهُ اللَّهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في آخِرِ [سُورَةِ التَّوْبَةِ] ما يَنْفَعُ جِدًّا في هَذا المَرامِ.
{"ayah":"فَأُلۡقِیَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدࣰا قَالُوۤا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَـٰرُونَ وَمُوسَىٰ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











