الباحث القرآني

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا خَلَقَ في الأرْضِ مِنَ المَنافِعِ الدّالَّةِ (p-٢٩٩)عَلى تَمامِ عِلْمِهِ [وباهِرِ قُدْرَتِهِ، عَلى وجْهٍ دالٍّ عَلى خُصُوصِ القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ -]، [وكانَ مِنَ الفَلاسِفَةِ تَناسُخِيَّتِهِمْ وغَيْرِهِمْ مَن يُقِرُّ لِلَّهِ بِالوَحْدانِيَّةِ ولا يُقِرُّ بِقَوْلِ أهْلِ الإسْلامِ: إنَّ الرُّوحَ جِسْمٌ لَطِيفٌ سارَ في الجِسْمِ سَرَيانَ النّارِ في الفَحْمِ، بَلْ يَقُولُ: إنَّها لَيْسَتْ بِجِسْمٍ ولا قُوَّةٍ في جِسْمٍ ولا صُورَةٍ لِجِسْمٍ ولَيْسَتْ مُتَّصِلَةً بِهِ اتِّصالَ انْطِباعٍ ولا حُلُولٍ فِيهِ، بَلِ اتِّصالُ تَدْبِيرٍ وتَصَرُّفٍ، وأنَّها إذا فارَقَتِ البَدَنَ اتَّصَلَتْ بِالرُّوحانِيِّينَ مِنَ العالَمِ العَقْلِيِّ الَّذِي هو عالَمُ المُجَرَّداتِ وانْخَرَطَتْ في سِلْكِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، أوِ اتَّصَلَتْ بِبَعْضِ الأجْرامِ السَّماوِيَّةِ مِن كَوْكَبٍ أوْ غَيْرِهِ كاتِّصالِها بِالبَدَنِ الأوَّلِ وانْقَطَعَ تَعَلُّقُها بِهِ فَلَمْ تَعُدْ إلَيْهِ حَتّى ولا يَوْمَ البَعْثِ عِنْدَ مَن يَقُولُ مِنهم بِالحَشْرِ -]، وصَلَ بِذَلِكَ قَوْلَهُ [تَعالى، يَرُدُّ عَلَيْهِمْ، مُعَبِّرًا بِالضَّمِيرِ الَّذِي يُعَبِّرُ بِهِ الهَيْكَلُ المُجْتَمِعُ مِنَ البَدَنِ والنَّفْسِ -]: ﴿مِنها﴾ [أيِ الأرْضِ لا مِن غَيْرِها -] ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ إذْ أخْرَجْناكم مِنها بِالعَظَمَةِ الباهِرَةِ في النَّشْأةِ الأُولى بِخَلْقِ أبِيكم آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وفِيها﴾ [لا في غَيْرِها كَما أنْتُمْ كَذَلِكَ تُشاهِدُونَ -] ﴿نُعِيدُكُمْ﴾ بِالمَوْتِ [كَذَلِكَ أجْسامًا وأرْواحًا -]، فَتَصِيرُونَ تُرابًا كَما كُنْتُمْ، [ولِلرُّوحِ مَعَ ذَلِكَ وإنْ كانَتْ في عِلِّيِّينَ تَعَلُّقٌ بِبَدَنِها بِوَجْهٍ ما، يُدْرِكُ البَدَنُ بِهِ اللَّذَّةَ بِالتِذاذِها والألَمَ بِتَألُّمِها، وقَدْ صَحَّ أنَّ المَيِّتَ يُقْعَدُ في قَبْرِهِ ويُجِيبُ سُؤالَ المَلَكَيْنِ عَلَيْهِما السَّلامُ -]، لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنكم أنْ يَخْلُصَ مِن تِلْكَ العَظَمَةِ (p-٣٠٠)المُحِيطَةِ بِجَلِيلِ عَظَمَتِهِ ولا بِدَقِيقِ حِكْمَتِهِ ﴿ومِنها﴾ [لا مِن غَيْرِها -] ﴿نُخْرِجُكُمْ﴾ يَوْمَ البَعْثِ بِتِلْكَ العَظَمَةِ بِعَيْنِها ﴿تارَةً أُخْرى﴾ كَما بَدَأْناكم [أوَّلَ مَرَّةٍ -] مِثْلَ ما فَعَلْنا في النَّباتِ سَواءٌ، فَقَدْ عُلِمَ أنَّ هَذا فِعْلُ الواحِدِ المُخْتارِ، لا فِعْلُ الطَّبائِعِ، فَمَرَّةً جَعَلَكم أحْياءً مِن شَيْءٍ لَيْسَ لَهُ أصْلٌ في الحَيَوانِيَّةِ أصْلًا، وكَرَّةً رَدَّكم إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ قَبْلَ الحَياةِ تُرابًا لا رُوحَ فِيهِ ولا ما يُشْبِهُها، فَلا رَيْبَ أنَّ فاعِلَ ذَلِكَ قادِرٌ عَلى أنْ يُخْرِجَكم مِنها أحْياءً كَما ابْتَدَأ ذَلِكَ، بَلِ الإعادَةُ أهْوَنُ في مَجارِي العادَةِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب