الباحث القرآني

ولَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ بِقِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما أشارَ إلَيْهِ أوَّلَ السُّورَةِ بِما هو عَلَيْهِ مِنَ الحِلْمِ والتَّأنِّي عَلى عِبادِهِ، والإمْهالِ لَهم فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ النَّقْصِ بِالنِّسْيانِ لِلْعُهُودِ والنَّقْضِ لِلْمَواثِيقِ، وأتْبَعَها [ذِكْرَ -] مَدْحِ (p-٣٥٤)هَذا الذِّكْرِ الَّذِي تَأدَّتْ إلَيْنا بِهِ، وذَمِّ مَن أعْرَضَ عَنْهُ، وخَتَمَهُ بِما عَهِدَ إلَيْهِ ﷺ في أمْرِهِ نَهْيًا وأمْرًا، أتْبَعَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ قِصَّةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحْذِيرًا مِنَ الرُّكُونِ إلى ما يُسَبِّبُ النِّسْيانَ، وحَثًّا عَلى رُجُوعِ مَن نَسِيَ إلى طاعَةِ الرَّحْمَنِ، وبَيانًا لِأنَّ ذَلِكَ الَّذِي قَرَّرَهُ مِن حِلْمِهِ وإمْهالِهِ عادَتُهُ سُبْحانَهُ مِنَ القِدَمِ، وصِفَتُهُ الَّتِي كانَتْ ونَحْنُ في حَيِّزِ العَدَمِ، وأنَّهُ جَبَلَ الإنْسانَ عَلى النَّقْصِ، فَلَوْ أخَذَهم بِذُنُوبِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ، فَقالَ عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ أنْـزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ [الرعد: ٣٧] أوْ ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ [طه: ٩٩] مُؤَكِّدًا لِما تَقَدَّمَ فِيهِ وعَهِدَ بِهِ مِن أمْرِ القُرْآنِ، ومُحَذِّرًا مِنَ الإخْلالِ بِذَلِكَ ولَوْ عَلى وجْهِ النِّسْيانِ، ومُنْجِزًا لِما وعَدَ بِهِ مِن قَصِّ أنْباءِ المُتَقَدِّمِينَ مِمّا يُوافِقُ هَذا السِّياقَ: ﴿ولَقَدْ عَهِدْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿إلى آدَمَ﴾ أبِي البَشَرِ الَّذِي أطْلَعْناهُ عَلى كَثِيرٍ مِنها في النَّهْيِ عَنِ الأكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ في زَمَنٍ مِنَ الأزْمانِ الماضِيَةِ قَبْلَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ ذِكْرُ نِسْيانِهِمْ وإعْراضِهِمْ ﴿فَنَسِيَ﴾ عَهْدَنا وأكَلَ مِنها مَعَ عِلْمِهِ مِن تِلْكَ العَظَمَةِ بِما لا يَنْبَغِي أنْ يَنْسى مَعَهُ ذَلِكَ العَهْدَ المُؤَكَّدَ بِذَلِكَ الجَلالِ، فَعَدَدْنا عَلَيْهِ وُقُوعَهُ في ذَلِكَ المَنهِيِّ ناسِيًا ذَنْبًا لِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ عِنْدَنا، فَهو (p-٣٥٥)مِن بابِ «حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ» فَكَيْفَ بِما فَوْقَ ذَلِكَ! ﴿ولَمْ نَجِدْ﴾ بِالنَّظَرِ إلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لَهُ عَزْمًا﴾ أيْ [قَصْدًا صُلْبًا ماضِيًا وإرادَةً نافِذَةً لا تَرَدُّدَ فِيها كَإراداتِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والمَعْنى أنَّهُ -] لَمْ يَتَعَلَّقْ عِلْمُنا بِذَلِكَ مَوْجُودًا، ومَعَ ذَلِكَ عَفَوْنا عَنْهُ ولَمْ نُزَحْزِحْهُ عَنْ رُتْبَةِ الِاصْطِفاءِ.ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنَ السُّورَةِ - كَما سَلَفَ - الإعْلامَ بِالحِلْمِ والأناةِ والتَّلَطُّفِ بِالنّائِي والقُدْرَةِ عَلى المُعْرِضِ، ذَكَرَ فَعْلَةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ بِلَفْظِ المَعْصِيَةِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِأنَّها عَلى وجْهِ النِّسْيانِ، وذَكَرَ ذَلِكَ أوَّلًا مُجْمَلًا ثُمَّ أتْبَعَهُ تَفْصِيلَهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ، تَأْكِيدًا لِلْمَعْنى المُشارِ إلَيْهِ، تَقْرِيرًا وتَحْذِيرًا مِنَ الوُقُوعِ في مَنهِيٍّ، وإرْشادًا لِمَن ”غَلَبَ عَلَيْهِ“ طَبْعُ النَّقْصِ إلى المُبادَرَةِ إلى النَّدَمِ وتَعاطِي أسْبابِ التَّوْبَةِ لِيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ كَما فَعَلَ بِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ:
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب