الباحث القرآني
ولَمّا فَرَغَ مِن مَثَلِ العارِي عَنِ الشَّرْطِ ضَرَبَ لِلْمُقْتَرِنِ بِالشَّرْطِ مِنَ (p-٨٢)الإنْفاقِ مَثَلًا مُنَبِّهًا فِيهِ عَلى أنَّ غَيْرَهُ لَيْسَ مُبْتَغىً بِهِ وجْهُ اللَّهِ فَقالَ: ﴿ومَثَلُ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: عَطْفًا عَلى ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] ﴿ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] عَطْفَ مُقابَلَةٍ وعَلى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٦١] عَطْفَ مُناسَبَةٍ. انْتَهى.
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ﴾ أيْ مَثَلُ نَفَقاتِهِمْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ دُنْياوِيَّةٍ ولا شائِبَةٍ نَفْسانِيَّةٍ بَلْ ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ فَلِذَلِكَ صَلُحَ كُلَّ الصَّلاحِ فَعَرِيَ عَنِ المَنِّ والأذى وغَيْرِهِما مِنَ الشَّوائِبِ المُوجِبَةِ لِلْخَلَلِ قالَ الحَرالِّيُّ: والمَرْضاةُ مَفْعَلَةٌ لِتَكَرُّرِ الرِّضى ودَوامِهِ. انْتَهى.
﴿وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ بِالنَّظَرِ في إصْلاحِ العَمَلِ وإخْلاصِهِ بِالحَمْلِ عَلى الحِلْمِ والصَّفْحِ والصَّبْرِ عَلى جَمِيعِ مَشاقِّ التَّكالِيفِ فَإنَّ مَن راضَ نَفْسَهُ بِحَمْلِها عَلى بَذْلِ المالِ الَّذِي [هُوَ] شَقِيقُ (p-٨٣)الرُّوحِ وذَلَّتْ لَهُ خاضِعَةً وقَلَّ طَمَعُها في اتِّباعِهِ لِشَهَواتِها فَسَهُلَ عَلَيْهِ حَمْلُها عَلى سائِرِ العِباداتِ، ومَتى تَرَكَها وهي مَطْبُوعَةٌ عَلى النَّقائِصِ زادَ طَمَعًا في اتِّباعِ الشَّهَواتِ ولُزُومِ الدَّناءاتِ، فَمِن لِلتَّبْعِيضِ مَفْعُولٌ بِهِ مِثْلُها في قَوْلِهِمْ: لَيَّنَ مِن عَطْفِهِ وحَرَّكَ مِن نَشاطِهِ ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ﴾ أيْ بُسْتانٍ ومَثَلِ صاحِبِها. قالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ حَرْثُ الدُّنْيا حَبًّا وثَمَرًا جَعَلَ نَفَقاتِ الأُخْرى كَذَلِكَ حَبًّا وتَمْرًا. فَمَن أنْفَقَ في السَّبِيلِ جَعَلَ مَثَلَهُ كالحَبِّ، ومَن أنْفَقَ ابْتِغاءً لِمَرْضاةِ اللَّهِ جَعَلَ مَثَلَهُ كالجَنَّةِ الَّتِي لَها أصْلٌ ثابِتٌ تَدُورُ عَلَيْها الثَّمَراتُ وهي ثابِتَةٌ وتَسْتَغْنِي مِنَ الماءِ بِما لا يَسْتَغْنِي بِهِ الحَرْثُ لِأنَّ الحَرْثَ مُسْتَجِدٌّ في كُلِّ وقْتٍ، كَما أنَّ الجِهادَ واقِعٌ عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ والمُنْفِقُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ يُنْفِقُ في كُلِّ وجْهٍ دائِمُ الإنْفاقِ، فَكانَ مَثَلُهُ مَثَلَ الجَنَّةِ الدّائِمَةِ لِيَتَطابَقَ المَثَلانِ بِالمَمْثُولَيْنِ، فَعَمَّتْ هَذِهِ النَّفَقَةُ جِهاتِ الإنْفاقِ كُلَّها في جَمِيعِ (p-٨٤)سُبُلِ الخَيْرِ. انْتَهى.
﴿بِرَبْوَةٍ﴾ أيْ مَكانٍ عالٍ لَيْسَ بِجَبَلٍ. قالَ الحَرالِّيُّ: في إعْلامِهِ أنَّ خَيْرَ الجَنّاتِ ما كانَ في الرَّبْوَةِ لِتَنالَها الشَّمْسُ وتَخْتَرِقَها الرِّياحُ اللَّواقِحُ، فَأمّا ما كانَ مِنَ الجِنانِ في الوِهادِ تَجاوَزَتْها الرِّياحُ اللَّواقِحُ مِن فَوْقِها فَضَعُفَتْ حَياتُها، لِأنَّ الرِّياحَ هي حَياةُ النَّباتِ ”الرِّيحُ مِن نَفَسِ الرَّحْمَنِ“ انْتَهى. ثُمَّ وصَفَها بِقَوْلِهِ: ﴿أصابَها وابِلٌ﴾ أيْ مَطَرٌ كَثِيرٌ ﴿فَآتَتْ أُكُلَها﴾ أيْ أخْرَجَتْهُ بِإذْنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى حَتّى صارَ في قُوَّةِ المُعْطِي ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ أيْ مِثْلَ ما كانَتْ تُخْرِجُهُ لَوْ أصابَها دُونَ الوابِلِ، كَذا قالُوا: مِثْلَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ أرْبَعَةُ أمْثالِهِ، لِأنَّ المُرادَ بِالضِّعْفِ قَدْرُ الشَّيْءِ ومِثْلُهُ مَعَهُ فَيَكُونُ الضِّعْفانِ أرْبَعَةً. واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ؛ والآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ، ذِكْرُ المُنْفِقِ أوَّلًا دالٌّ عَلى حَذْفِ صاحِبِ الجَنَّةِ ثانِيًا، وذِكْرُ الجَنَّةِ ثانِيًا دالٌّ عَلى حَذْفِ النَّفَقَةِ أوَّلًا.
ولَمّا كانَ الوابِلُ قَدْ لا يُوجَدُ قالَ: ﴿فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ أيْ فَيُصِيبُها لِعُلُوِّها طَلٌّ، وهو النَّدى الَّذِي يَنْزِلُ في الضَّبابِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: الطَّلُّ [سِنٌّ] مِن أسْنانِ المَطَرِ خَفِيٌّ لا يُدْرِكُهُ الحِسُّ حَتّى يَجْتَمِعَ، فَإنَّ المَطَرَ يَنْزِلُ خَفِيًّا عَنِ الحِسِّ وهو الطَّلُّ، ثُمَّ يَبْدُو بِلَطافَةٍ وهو الطَّشُّ، ثُمَّ يَقْوى وهو الرَّشُّ، ثُمَّ يَتَزايَدُ ويَتَّصِلُ وهو الهَطْلُ، ثُمَّ يَكْثُرُ ويَتَقارَبُ وهو الوابِلُ، ثُمَّ يَعْظُمُ سَكْبُهُ وهو الجُودُ؛ فَلَهُ (p-٨٥)أسْنانٌ مِمّا لا يَنالُهُ الحِسُّ لِلَطافَتِهِ إلى ما لا يَحْمِلُهُ الحِسُّ كَثْرَةً. انْتَهى. والمَعْنى أنَّ أهْلَ هَذا الصِّنْفِ لا يَتَطَرَّقُ إلى أعْمالِهِمْ فَسادٌ، غايَتُها أنْ يَطْرُقَها النَّقْصُ بِاعْتِبارِ ضَعْفِ النِّيّاتِ، ولِذَلِكَ كانَ التَّقْدِيرُ تَسْبِيبًا عَنْ ذَلِكَ: فاللَّهُ بِما تَسْتَحِقُّونَ عَلى نِيّاتِكم عَلِيمٌ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ بِما ظَهَرَ مِنهُ ﴿بَصِيرٌ﴾ كَما هو كَذَلِكَ بِما بَطَنَ، فاجْتَهِدُوا في إحْسانِ الظّاهِرِ والباطِنِ. وقَدَّمَ مَثَلَ العارِي عَنِ الشَّرْطِ عَلَيْهِ لِأنَّ دَرْءَ المَفاسِدِ أوْلى مِن جَلْبِ المَصالِحِ.
{"ayah":"وَمَثَلُ ٱلَّذِینَ یُنفِقُونَ أَمۡوَ ٰلَهُمُ ٱبۡتِغَاۤءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثۡبِیتࣰا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ كَمَثَلِ جَنَّةِۭ بِرَبۡوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلࣱ فَـَٔاتَتۡ أُكُلَهَا ضِعۡفَیۡنِ فَإِن لَّمۡ یُصِبۡهَا وَابِلࣱ فَطَلࣱّۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِیرٌ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











