الباحث القرآني
[و] لَمّا اتَّضَحَتِ الدَّلائِلُ لِكُلِّ عالِمٍ وجاهِلٍ صارَ الدِّينُ إلى حَدٍّ لا يَحْتاجُ فِيهِ مُنْصِفٌ لِنَفْسِهِ إلى إكْراهٍ فِيهِ فَقالَ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا نَقَلَ سُبْحانَهُ وتَعالى رُتْبَةَ الخِطابِ مِن حَدِّ خِطابِ الأمْرِ والنَّهْيِ والحُدُودِ وما يَنْبَنِي عَلَيْهِ المُقامُ بِهِ دِينُ القَيِّمَةِ الَّذِي أخْفى لَهم أمْرَ العَظَمَةِ والجَبَرُوتِ الجابِرَ لِأهْلِ المَلَكُوتِ والمِلْكِ فِيما هم فِيهِ مُصَرَّفُونَ إلى عُلُوِّ رُتْبَةِ دِينِ اللَّهِ المَرْضِيِّ الَّذِي لا لَبْسَ فِيهِ ولا حِجابَ عَلَيْهِ ولا عِوَجَ لَهُ، وهو إطْلاعُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَبْدَهُ عَلى قَيُّومِيَّتِهِ الظّاهِرَةِ بِكُلِّ بادٍ وفي كُلِّ بادٍ وعَلى كُلِّ بادٍ وأظْهَرَ مِن كُلِّ بادٍ وعَظَمَتِهِ الخَفِيَّةِ الَّتِي لا يُشِيرُ إلَيْها اسْمٌ ولا يُجَوِّزُها رَسْمٌ وهي مِدادُ كُلِّ مِدادٍ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى وأعْلَنَ بِوَضْعِ الإكْراهِ الخَفِيِّ مَوْقِعَهُ في دِينِ القَيِّمَةِ مِن حَيْثُ ما فِيهِ مِن حَمْلِ الأنْفُسِ عَلى كُرْهِها فِيما كَتَبَ عَلَيْها مِمّا هو عِلْمُ عِقابِها وآيَةُ عَذابِها، فَذَهَبَ بِالِاطِّلاعِ عَلى أمْرِ اللَّهِ في قَيُّومِيَّتِهِ وعَظَمَتِهِ كَرْهُ النَّفْسِ بِشُهُودِها جَمِيعَ ما تَجْرِي فِيهِ لَها ما عَلَيْها.
(p-٤١)فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ بِما اسْتَشْعَرَتْهُ قُلُوبُهم مِن ماءِ التَّوْحِيدِ الجارِي تَحْتَ مُخْتَلِفاتِ أثْمارِ أعْمالِهِمْ فَعادَ حُلْوُهُ ومُرُّهُ بِذَلِكَ التَّوْحِيدِ حُلْوًا، كَما يُقالُ في الكِبْرِيتِ الأحْمَرِ الَّذِي يَقْلِبُ أعْيانَ الأشْياءِ الدَّنِيَّةِ إلى حالِ أرْفَعِها. انْتَهى.
ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ وتَعالى انْتِفاءَ الإكْراهِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: وهو حُسْنُ التَّصَرُّفِ في الأمْرِ والإقامَةِ عَلَيْهِ بِحَسَبِ ما يَثْبُتُ ويَدُومُ ﴿مِنَ الغَيِّ﴾ وهو سُوءُ التَّصَرُّفِ في الشَّيْءِ وإجْراؤُهُ عَلى ما تَسُوءُ عاقِبَتُهُ. انْتَهى. أيْ فَصارَ كُلُّ ذِي لُبٍّ يَعْرِفُ أنَّ الإسْلامَ خَيْرٌ كُلُّهُ وغَيْرَهُ شَرٌّ كُلُّهُ، لِما تَبَيَّنَ مِنَ الدَّلائِلِ وصارَ بِحَيْثُ يُبادِرُ كُلُّ مَن أرادَ نَفْعَ نَفْسِهِ إلَيْهِ ويَخْضَعُ أجْبَرُ الجَبابِرَةِ لَدَيْهِ فَكَأنَّهُ لِقُوَّةِ ظُهُورِهِ وغَلَبَةِ نُورِهِ قَدِ انْتَفى عَنْهُ الإكْراهُ بِحَذافِيرِهِ، (p-٤٢)لِأنَّ الإكْراهَ الحَمْلُ عَلى ما لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ وجْهُ المَصْلَحَةِ فَلَمْ يَبْقَ مِنهُ مانِعٌ إلّا حَظَّ النَّفْسِ الخَبِيثَ في شَهَواتِها البَهِيمِيَّةِ والشَّيْطانِيَّةِ ﴿فَمَن﴾ أيْ فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِأنَّهُ مَن ﴿يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ﴾ وهو نَفْسُهُ وما دَعَتْ إلَيْهِ ومالَتْ بِطَبْعِها الرَّدِيءِ إلَيْهِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: وهو ما أفْحَشَ في الإخْراجِ عَنِ الحَدِّ المُوقِفِ عَنِ الهَلَكَةِ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ وزِيادَةُ انْتِهاءٍ مِمّا مِنهُ الطُّغْيانُ. انْتَهى.
﴿ويُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى مَيْلًا مَعَ العَقْلِ الَّذِي هو خَيْرٌ كُلُّهُ لِما رَأى بِنُورِهِ مِنَ الأدِلَّةِ القاطِعَةِ والبَراهِينِ السّاطِعَةِ وداوَمَ عَلى ذَلِكَ بِما أفادَتْهُ صِيغَةُ المُضارِعِ مِن يَكْفُرْ ويُؤْمِن ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ﴾ عَلى بَصِيرَةٍ مِنهُ ﴿بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ أيِ الَّتِي لا يَقَعُ شَكٌّ في أنَّها أوْثَقُ الأسْبابِ في نَجاتِهِ بِما ألْقى بِيَدِهِ واسْتَسْلَمَ لِرَبِّهِ
﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٢] والعُرْوَةُ ما تُشَدُّ بِهِ العِيابُ ونَحْوُها (p-٤٣)بِتَداخُلِها بَعْضِها في بَعْضٍ دُخُولًا لا يَنْفَصِمُ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ إلّا بِفَصْمِ طَرَفِهِ فَإذا انْفَصَمَتْ مِنهُ عُرْوَةٌ انْفَصَمَ جَمِيعُهُ، والوُثْقى صِيغَةُ فُعْلى لِلْمُبالَغَةِ مِنَ الثِّقَةِ بِشِدَّةِ ما شَأْنُهُ أنْ يُخافَ وهْنُهُ، ثُمَّ بَيَّنَ وثاقَتَها بِقَوْلِهِ: ﴿لا انْفِصامَ لَها﴾ أيْ لا مُطاوَعَةَ في حَلٍّ ولا صَدْعٍ ولا ذَهابٍ. قالَ ابْنُ القَطّاعِ: فَصَمْتَ الشَّيْءَ صَدَعْتَهُ، والعُقْدَةَ حَلَلْتَها، والشَّيْءَ عَنْهُ ذَهَبَ. وقالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الفَصْمِ وهو خُرُوجُ العُرى بَعْضِها مِن بَعْضٍ، أيْ فَهَذِهِ العُرْوَةُ لا انْحِلالَ لَها أصْلًا، وهو تَمْثِيلٌ لِلْمَعْلُومِ بِالنَّظَرِ والِاحْتِجاجُ بِالمُشاهَدِ المَحْسُوسِ لِيَتَصَوَّرَهُ السّامِعُ كَأنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ فَيُحْكَمَ اعْتِقادُهُ فِيهِ ويَجِلَّ اغْتِباطُهُ بِهِ، فَعُلِمَ مِن هَذا أنَّهُ لَمْ يَبْقَ عائِقٌ عَنِ الدُّخُولِ في هَذا الدِّينِ إلّا القَضاءَ والقَدَرَ، فَمَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ قَيَّضَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَهُ مِنَ الأسْبابِ ما يُخْرِجُهُ بِهِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، ومَن غَلَبَتْ عَلَيْهِ الشَّقاوَةُ سَلَّطَ عَلَيْهِ الشَّياطِينَ فَأخْرَجَتْهُ مِن نُورِ الفِطْرَةِ إلى ظُلُماتِ الكُفْرِ والحَيْرَةِ.
ولَمّا كانَ كُلٌّ مِنَ الإيمانِ والكُفْرِ المُتَقَدِّمَيْنِ قَوْلًا وفِعْلًا واعْتِقادًا قالَ مُرَغِّبًا فِيهِما ومُرَهِّبًا مِن تَرْكِهِما: ﴿واللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ صِفاتُ (p-٤٤)الكَمالِ ﴿سَمِيعٌ﴾ أيْ لِما يُقالُ مِمّا يَدُلُّ عَلى الإيمانِ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ بِما يُفْعَلُ أوْ يُضْمَرُ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ ومُجازٍ عَلَيْهِ، ولَعَلَّ في الآيَةِ التِفاتًا إلى ما ذَكَرَ أوَّلَ السُّورَةِ في الكُفّارِ مِن أنَّهُ سَواءٌ عَلَيْهِمُ الإنْذارُ وتَرْكُهُ وإلى المُنافِقِينَ وتَقْبِيحِ ما هم عَلَيْهِ مِمّا هو في غايَةِ المُخالَفَةِ لِما صارَتْ أدِلَّتُهُ أوْضَحَ مِنَ الشَّمْسِ وهي مُشْعِرَةٌ بِالإذْنِ في الإعْراضِ عَنِ المُنافِقِينَ،
{"ayah":"لَاۤ إِكۡرَاهَ فِی ٱلدِّینِۖ قَد تَّبَیَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَیِّۚ فَمَن یَكۡفُرۡ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَیُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِیعٌ عَلِیمٌ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











