الباحث القرآني

ولَمّا أباحَ سُبْحانَهُ الأكْلَ مِمّا خَلَقَهُ دَلِيلًا عَلى الوَحْدانِيَّةِ والرَّحْمَةِ العامَّةِ والخاصَّةِ وكانَ مِن طَبْعِ الإنْسانِ الِاسْتِئْثارُ وكانَ الِاسْتِئْثارُ جارًّا إلى الفِتَنِ، وأتْبَعَهُ حُكْمُ المُضْطَرِّ وأشارَ إلى زَجْرِهِ عَنِ العُدْوانِ بِتَقْيِيدِهِ عَنْهُ في حالِ التَّلَفِ فَكانَ في ذَلِكَ زَجْرٌ لِغَيْرِهِ بِطَرِيقِ الأُولى، وأوْلاهُ النَّدْبُ إلى التَّخَلِّي عَمّا دَخَلَ في اليَدِ مِن مَتاعِ الدُّنْيا لِلْأصْنافِ السِّتَّةِ ومَن لافَهُمْ، ثُمَّ الإيجابِ بِالزَّكاةِ تَزْهِيدًا في زَهْرَةِ الحَياةِ الدُّنْيا لِيَجْتَثَّ العُدْوانَ مِن أصْلِهِ، وقَفّى ذَلِكَ بِحُكْمِ مَن قَدْ يَعْدُو، ثُمَّ بِما تَبِعَهُ مِنَ التَّخَلِّي عَنِ المالِ في حَضْرَةِ المَوْتِ فَتَدَرَّبَتِ النَّفْسُ في الزُّهْدِ بِما هو مَعْقُولُ المَعْنى بادِئَ بَدْءٍ مِنَ التَّخَلِّي عَنْهُ لِمَن يَنْتَفِعُ بِهِ أتْبَعَهُ الأمْرَ (p-٤٠)بِالتَّخَلِّي عَنْهُ لا لِمُحْتاجٍ إلَيْهِ بَلْ لِلَّهِ الَّذِي أوْجَدَهُ لِمُجَرَّدِ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ وتَطْهِيرِها لِتَهَيُّئِها لِما يَقْتَضِيهِ عَلَيْها صِفَةُ الصَّمَدِيَّةِ مِنَ الحِكْمَةِ، هَذا مَعَ ما لِلْقِصاصِ والوَصِيَّةِ مِنَ المُناسَبَةِ لِلصَّوْمِ مِن حَيْثُ إنَّ في القِصاصِ قَتْلَ النَّفْسِ حِسًّا وفي الصَّوْمِ قَتْلَ الشَّهْوَةِ السَّبَبَ لِلْوَطْءِ السَّبَبَ لِإيجادِ النَّفْسِ حِسًّا وفِيهِ حَياةُ الأجْسادِ مَعْنًى وفي الصَّوْمِ حَياةُ الأرْواحِ بِطَهارَةِ القُلُوبِ وفَراغِها لِلتَّفَكُّرِ وتَهَيُّئِها لِإفاضَةِ الحِكْمَةِ والخَشْيَةِ الدّاعِيَةِ إلى التَّقْوى وإماتَةِ الشَّهْوَةِ وشَهْرُهُ شَهْرُ الصَّبْرِ المُسْتَعانِ بِهِ عَلى الشُّكْرِ، وفِيهِ تَذْكِيرٌ بِالضُّرِّ الحاثِّ عَلى الإحْسانِ إلى المَضْرُورِ وهو مَدْعاةٌ إلى التَّخَلِّي مِنَ الدُّنْيا والتَّحَلِّي بِأوْصافِ المَلائِكَةِ ولِذَلِكَ نَزَلَ فِيهِ القُرْآنُ المُتَلَقّى مِنَ المَلِكِ، فَهو أنْسَبُ شَيْءٍ لِآيَةِ الوَصِيَّةِ المَأْمُورِ بِها المُتَّقُونَ بِالتَّخَلِّي مِنَ الدُّنْيا عِنْدَ مُقارَبَةِ الِاجْتِماعِ بِالمَلائِكَةِ، وخَتْمُها بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ إشارَةٌ إلى الصّائِمِ مِن أقْرَبِ النّاسِ إلَيْهِما فَقالَ (p-٤١)تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَخاطَبَ بِما يَتَوَجَّهُ بادِئَ بَدْءٍ إلى أدْنى الطَّبَقاتِ الَّتِي التَزَمَتْ أمْرَ الدِّينِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم باعِثُ حُبٍّ وشَوْقٍ يَبْعَثُهم عَلى فِعْلِهِ مِن غَيْرِ فَرْضٍ بِخِلافِ ما فَوْقَهم مِن رُتْبَةِ المُؤْمِنِينَ والمُحْسِنِينَ فَإنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ مَعالِمَ الإسْلامِ مِن غَيْرِ إلْزامٍ فَكانُوا يَصُومُونَ عَلى قَدْرِ ما يَجِدُونَ مِنَ الرُّوحِ فِيهِ - قالَهُ الحَرالِيُّ، وقالَ: فَلِذَلِكَ لَمْ يُنادُوا في القُرْآنِ نِداءَ بُعْدٍ ولا ذُكِرُوا إلّا مَمْدُوحِينَ، والَّذِينَ يُنادَوْنَ في القُرْآنِ هُمُ النّاسُ الَّذِينَ انْتَبَهُوا لِما أشارَ بِهِ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ والَّذِينَ آمَنُوا بِما هم في مَحَلِّ الِائْتِمارِ مُتَقاصِرِينَ عَنِ البِدارِ، فَلِذَلِكَ كُلُّ نِداءٍ في القُرْآنِ مُتَوَجِّهٌ إلى هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ إلّا ما تَوَجَّهَ لِلْإنْسانِ بِوَصْفِ (p-٤٢)ذَمٍّ في قَلِيلٍ مِنَ الآيِ - انْتَهى. ﴿كُتِبَ﴾ أيْ فُرِضَ بِما اسْتَفاضَ في لِسانِ الشَّرْعِ وتَأيَّدَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ ﴿عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ وهو الإمْساكُ عَنِ المُفْطِرِ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ بِالنِّيَّةِ وقالَ الحَرالِيُّ: فُرِضَ لِما فِيهِ مِنَ التَّهَيُّؤِ لِعِلْمِ الحِكْمَةِ وعِلْمِ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ وهو الثَّباتُ عَلى تَماسُكٍ عَمّا مِن شَأْنِ الشَّيْءِ أنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ ويَكُونَ شَأْنُهُ كالشَّمْسِ في وسَطِ السَّماءِ، يُقالُ: صامَتْ - إذا لَمْ يَظْهَرُ لَها حَرَكَةٌ لِصُعُودٍ ولا لِنُزُولِ الَّتِي هي مِن شَأْنِها، وصامَتِ الخَيْلُ - إذا لَمْ تَكُنْ مَرْكُوضَةً ولا مَرْكُوبَةً، فَتَماسُكُ المَرْءِ عَمّا شَأْنُهُ فِعْلُهُ مِن (p-٤٣)حِفْظِ بَدَنِهِ بِالتَّغَذِّي وحِفْظِ نَسْلِهِ بِالنِّكاحِ وخَوْضِهِ في زُورِ القَوْلِ وسُوءِ الفِعْلِ هو صَوْمُهُ، وفي الصَّوْمِ خَلاءٌ مِنَ الطَّعامِ وانْصِرافٌ عَنْ حالِ الأنْعامِ وانْقِطاعِ شَهَواتِ الفَرْجِ، وتَمامُهُ الإعْراضُ عَنْ أشْغالِ الدُّنْيا والتَّوَجُّهُ إلى اللَّهِ والعُكُوفُ في بَيْتِهِ لِيَحْصُلَ بِذَلِكَ نُبُوعُ الحِكْمَةِ مِنَ القَلْبِ، وجُعِلَ كَتْبًا حَتّى لا يَتَقاصَرَ عَنْهُ مَن كُتِبَ عَلَيْهِ إلّا انْشَرَمَ دِينُهُ كَما يَنْشَرِمُ خَرْمُ القِرْبَةِ المَكْتُوبِ فِيها - انْتَهى. ﴿كَما كُتِبَ﴾ أيْ فُرِضَ، فالتَّشْبِيهُ في مُطْلَقِ الفَرْضِ ﴿عَلى الَّذِينَ﴾ وكَأنَّهُ أُرِيدَ أهْلُ الكِتابَيْنِ فَقَطْ وأثْبَتَ الحالَ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ فِيهِ إشْعارٌ (p-٤٤)بِأنَّهُ مِمّا نَقَضُوا فِيهِ العَهْدَ فَكَتَمُوهُ حِرْصًا عَلى ضَلالِ العَرَبِ، ولَمّا كانَ في التَّأسِّي إعْلاءٌ لِلْهِمَّةِ القاصِرَةِ وإسْعارٌ وإغْلاءٌ لِلْقُلُوبِ الفاتِرَةِ لِأنَّ الشَّيْءَ الشّاقَّ إذا عَمَّ سَهُلَ تَحَمُّلُهُ قالَ: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ أيْ تَجْعَلُونَ بَيْنَكم وبَيْنَ إسْخاطِ اللَّهِ وِقايَةً بِالمُسارَعَةِ إلَيْهِ والمُواظَبَةِ عَلَيْهِ رَجاءً لِرِضا رَبِّكم وخَوْفًا مِمَّنْ سَبَقَ مِن قَبْلِكُمْ، لِتَكُونَ التَّقْوى لَكم صِفَةً راسِخَةً فَتَكُونُوا مِمَّنْ جَعَلْتُ الكِتابَ هُدًى لَهُمْ، فَإنَّ الصَّوْمَ يَكْسِرُ الشَّهْوَةَ فَيَقْمَعُ الهَوى فَيُرَوِّعُ عَنْ مُوافَقَةِ السُّوءِ. قالَ الحَرالِيُّ: وفي إشْعارِهِ تَصْنِيفُ المَأْخُوذِينَ بِذَلِكَ صِنْفَيْنِ: مَن يُثْمِرُ لَهُ صَوْمُهُ عَلى وجْهِ الشِّدَّةِ تَقْوى، ومَن لا يُثْمِرُ لَهُ ذَلِكَ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب