الباحث القرآني

ولَمّا كَرَّرَ سُبْحانَهُ الوَصْفَ بِالتُّقى في هَذِهِ السُّورَةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وخَتَمَهُ بِأنَّهُ سَبَبٌ لِلْمَقْصُودِ بِالذّاتِ، وهو الرّاحَةُ الدّائِمَةُ بِالوِراثَةِ لِدارِ الخُلْدِ عَلى وجْهِ الإقامَةِ المُسْتَمِرَّةِ، وصِفَةِ المِلْكِ الَّذِي لا كَدَرَ فِيهِ بِوَجْهٍ ولا تَخَلُّفَ عَنْ مُرادٍ، أتْبَعَهُ ما بَعْدَهُ إشارَةً إلى ما تُنالُ بِهِ التَّقْوى، وهو الوُقُوفُ مَعَ الأمْرِ مُراقَبَةً لِلْأمْرِ عَلى ﴿وبِالحَقِّ أنْـزَلْناهُ﴾ [الإسراء: ١٠٥] لِأنَّهُ لَمّا كانَ العِلْمُ واقِعًا بِأنَّ جَمِيعَ سُورَةِ الكَهْفِ شارِحَةٌ لِمَسْألَتَيْنِ مِن مَسائِلِ قُرَيْشٍ، وبَعْضَ سُورَةِ سُبْحانَ شارِحٌ لِلثّالِثَةِ، ولِطُولِ الفَصْلِ صُدِّرَتْ قِصَّةُ ذِي القَرْنَيْنِ بِقَوْلِهِ ﴿ويَسْألُونَكَ﴾ [الكهف: ٨٣] إعْلامًا بِعَطْفِها عَلى مَسْألَةِ الرُّوحِ المُصَدَّرَةِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وجاءَتْ سُورَةُ [مَرْيَمَ] كاشِفَةً - تَبْكِيتًا لِأهْلِ الكِتابِ الكاتِمِينَ لِلْحَقِّ - عَنْ أغْرَبَ مِن تِلْكَ القِصَصِ [وأقْدَمَ زَمانًا -] وأعْظَمَ شَأْنًا مِن أخْبارِ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ ومَن أسْرَعَ التَّبْدِيلَ بَعْدَهم بِإضاعَةِ الصَّلاةِ واتِّباعِ الشَّهَواتِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ هَذا كُلَّهُ مُرَتَّبٌ لِإجابَةِ سُؤالِهِمْ وأنَّهُ كَلامُ اللَّهِ قَطْعًا، إذْ لَوْ كانَ مِن عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ ما وعَدَهُمُ الإجابَةَ في الغَدِ إلّا وهو قادِرٌ عَلَيْها، لِما هو مَعْلُومٌ قَطْعًا مِن رَزانَةِ عَقْلِهِ، وغَزارَةِ فِطْنَتِهِ، ومَتانَةِ رَأْيِهِ، ولَوْ قَدِرَ عَلى ذَلِكَ ما تَرَكَهم يَتَكَلَّمُونَ في عِرْضِهِ بِما المَوْتُ أسْهَلُ مِنهُ، [لِما عُلِمَ مِنهُ -] مِنَ الشَّهامَةِ والأنَفَةِ والبُعْدِ عَمّا يُقارِبُ الشَّيْنَ، وبانَ بِذَلِكَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وعَزَّ شَأْنُهُ ما أجْمَلَ أمْرَ الرُّوحِ (p-٢٢٩)ولا أخَّرَ الإجابَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً أوْ أقَلَّ أوْ أكْثَرَ مِن عَجْزٍ ولا جَهْلٍ، وثَبَتَ بِذَلِكَ كُلِّهِ وبِما بَيَّنَ مِن صُنْعِهِ لِأهْلِ الكَهْفِ ولِذِي القَرْنَيْنِ وفي وِلادَةِ يَحْيى وعِيسى وإسْحاقَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَمامَ قُدْرَتِهِ المُسْتَلْزِمَ لِكَمالِ عِلْمِهِ، وكانَ الإخْبارُ عَنْ ذَلِكَ مُطابِقًا لِلْواقِعِ الَّذِي ثَبَتَ بَعْضُهُ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ وبَعْضُهُ بِأدِلَّةِ العَقْلِ القاطِعَةِ، ثَبَتَ مَضْمُونُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبِالحَقِّ أنْـزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَـزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥] وأنَّ هَذا الكِتابَ قَيِّمٌ لا عِوَجَ فِيهِ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ الجَوابَ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِجِبْرَئِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «لَقَدْ أبْطَأْتَ عَلَيَّ يا جِبْرَئِيلُ حَتّى سُؤْتُ ظَنًّا» ونَحْوِهِ مِمّا ذُكِرَ في أسْبابِ النُّزُولِ، فَقالَ عَلى لِسانِ جِبْرَئِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وما نَتَنَـزَّلُ﴾ أيْ أنا ولا أحَدٌ مِنَ المَلائِكَةِ بِإنْزالِ الكِتابِ ولا غَيْرِهِ ﴿إلا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾ المُحْسِنِ إلَيْكَ في جَمِيعِ الأمْرِ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ لِئَلّا يَقَعَ في بَعْضِ الأوْهامِ أنَّهُ حَقٌّ في نَفْسِهِ، ولَكِنَّهُ نَزَلَ بِغَيْرِ أمْرِهِ سُبْحانَهُ، ووَقَعَ الخِطابُ مُقْتَرِنًا بِالوَصْفِ المُفْهِمِ لِمَزِيدِ الإكْرامِ تَطْيِيبًا لِقَلْبِهِ ﷺ وإشارَةً إلى أنَّهُ مُحْسَنٌ إلَيْهِ، ولَفْظُ التَّنَزُّلِ مُشِيرٌ إلى الإكْرامِ، وهو التَّرَدُّدُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ووَقْتًا غِبَّ وقْتٍ، ولا يَكُونُ إلّا لِذَلِكَ لِأنَّ النُّزُولَ لِلْعَذابِ يُقْضى بِهِ الأمْرُ في مِثْلِ لَمْحِ البَصَرِ، وكانَ هَذا عَقِبَ ذِكْرِ القِيامَةِ بِذِكْرِ الجَنَّةِ كَما كانَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ عَقِبَ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ [الإسراء: ٧] و[كَما -] كانَ خِتامُ مَسائِلِهِمْ بِذِكْرِ الآخِرَةِ في قَوْلِهِ (p-٢٣٠)﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ﴾ [الكهف: ٩٨] - إلى آخِرِ السُّورَةِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أشَدَّ تَثْبِيتًا لِلْبَعْثِ وأعْظَمَ تَأْكِيدًا، وإنِ اسْتَطَلْتَ هَذا العَطْفَ مَعَ بُعْدِ ما بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ واسْتَعْظَمْتَهُ واسْتَنْكَرْتَهُ لِذَلِكَ واسْتَبْعَدْتَهُ فَقُلْ: لَمّا كَشَفَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَنْ هَذِهِ القِصَصِ الغَرِيبَةِ، وكانَ المُتَعَنِّتُونَ رُبَّما قالُوا: نُرِيدُ أنْ يُخْبِرَنا هَذا الَّذِي يَنْزِلُ عَلَيْكَ بِجَمِيعِ أنْباءِ الأقْدَمِينَ وأخْبارِ الماضِينَ، قالَ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ أنْ قِيلَ: ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ بِأخْبارِ هَؤُلاءِ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ، وما نَتَنَزَّلُ فِيما يَأْتِي أيْضًا إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا﴾ أيْ مِنَ المَكانِ والزَّمانِ وما فِيهِما ﴿وما خَلْفَنا﴾ مِن ذَلِكَ ﴿وما بَيْنَ ذَلِكَ﴾ وهو نَحْنُ والمَكانُ والزَّمانُ اللَّذانِ نَحْنُ بِهِما وما فَوْقَهُ وتَحْتَهُ، ونَحْنُ نَعْلَمُ ذَلِكَ ونَعْمَلُ عَلى حَسَبِ ما نَعْلَمُ، فَلا نَتَصَرَّفُ في مُلْكِهِ إلّا بِأمْرِهِ ﴿وما كانَ﴾ عَلى تَقْدِيرٍ مِنَ التَّقادِيرِ ﴿رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ أيْ ذا نِسْيانٍ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ فَيَتْرُكُ تَفْصِيلَ أمْرِ الرُّوحِ، ويُؤَخِّرُ الجَوابَ عَنِ الوَقْتِ الَّذِي وعَدْتَهم فِيهِ لِخَفاءِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ عَلَيْهِ، ولا يَنْسى ما يُصْلِحُكَ فَيَحْتاجُ إلى مُذَكِّرٍ بِهِ، ولا يَنْسى أحَدًا مِنّا فَيَنْزِلُ في وقْتِ نِسْيانِهِ لَهُ بَلْ هو دائِمُ الِاطِّلاعِ عَلى حَرَكَتِنا وسَكَناتِنا، فَنَحْنُ لَهُ في غايَةِ المُراقَبَةِ، وهو سُبْحانَهُ يُصَرِّفُنا بِحَسَبِ الحِكْمَةِ في كُلِّ وقْتٍ تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ، لا يَكُونُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ إلّا في الوَقْتِ الَّذِي حَدَّهُ لَهُ وأرادَهُ فِيهِ، ولا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ وإنْ دَقَّ عَنْ مُرادِهِ. ويَجُوزُ أنْ يُقالَ في التَّعْبِيرِ بِصِيغَةِ فَعِيلٍ [أنَّهُ لا يَتَمَكَّنُ العَبْدُ مِنَ الغَيْبَةِ (p-٢٣١)عَنِ السَّيِّدِ بِغَيْرِ إذْنِهِ إلّا إنْ كانَ بِحَيْثُ يُمْكِنُ أنْ يَغْفُلَ وأنْ تَطُولَ غَفْلَتُهُ وتَعْظُمَ لِكَوْنِهِ مَجْبُولًا عَلَيْها، أوْ أنَّهُ -] لَمّا اسْتَلْبَثَ الوَحْيُ في أمْرِ الأسْئِلَةِ الَّتِي سَألُوا عَنْها مِنَ الرُّوحِ وما مَعَها خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً أوْ أكْثَرَ أوْ أقَلَّ - عَلى اخْتِلافِ الرِّواياتِ، فَكانَ ذَلِكَ مُوهِمًا لِلْأغْبِياءِ أنَّهُ نِسْيانٌ، وكانَ مِثْلُ ذَلِكَ لا يَفْعَلُهُ إلّا كَثِيرُ النِّسْيانِ، نَفى هَذا الوَهْمَ بِما اقْتَضاهُ مِنَ الصِّيغَةِ ونَفى قَلِيلَ ذَلِكَ وكَثِيرَهُ في السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَها ضَمًّا لِدَلِيلِ العَقْلِ بِقَوْلِهِ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] لِما اقْتَضاهُ السِّياقُ، فَأتى في كُلِّ أُسْلُوبٍ بِما يُناسِبُهُ مَعَ الوَفاءِ بِما يَجِبُ مِن حَقِّ الِاعْتِقادِ، وهَذِهِ الآيَةُ مَعَ ﴿وبِالحَقِّ أنْـزَلْناهُ﴾ [الإسراء: ١٠٥] و﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ﴾ [الإسراء: ٨٨] مِثْلُ ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ [هود: ١٣] - الآيَتَيْنِ في [سُورَةِ هُودٍ] عَلَيْهِ السَّلامُ، عَلى ما قَدَّمْتُ في بَيانِهِ غَيْرَ أنَّ ما جُمِعَ هُناكَ فُصِّلَ هُنا في أوَّلِ الجَوابِ عَلى أسْئِلَتِهِمْ بِآيَةِ ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ﴾ [الإسراء: ٨٨] وأثْنائِهِ بِآيَةِ ﴿وبِالحَقِّ أنْـزَلْناهُ﴾ [الإسراء: ١٠٥] وآخِرِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِتَكُونَ الآياتُ رابِطَةً عَلى هَذِهِ الأجْوِبَةِ وتَوابِعِها وضابِطَةً لَها كالشُّهُبِ والحَرَسِ الشَّدِيدِ بِالنِّسْبَةِ إلى السَّماءِ، فَلا يَبْغِيها مُتَعَنِّتٌ مِن جِهَةٍ مِن جِهاتِها كَيْدًا إلّا رُدَّ خاسِئًا، ولا يَرْمِيها بِقادِحٍ إلّا كانَ رَمْيُهُ خاطِئًا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب