الباحث القرآني
ولَمّا ذَكَرَ البَعْثَ وخَتَمَهُ بِإحْسانِهِ بِالعَدْلِ المُثْمِرِ لِإعْطاءِ كُلِّ أحَدٍ ما يَسْتَحِقُّهُ، أتْبَعَهُ - بِما لَهُ مِنَ الفَضْلِ - بِابْتِداءِ الخَلْقِ الَّذِي هو دَلِيلُهُ، في سِياقٍ مُذَكِّرٍ بِوِلايَتِهِ المُوجِبَةِ لِلْإقْبالِ عَلَيْهِ، وعَداوَةِ الشَّيْطانِ المُوجِبَةِ لِلْإدْبارِ عَنْهُ، مُبَيِّنٍ لِما قابَلُوا بِهِ عَدْلَهُ فِيهِمْ وفي عَدُوِّهِمْ مِنَ الظُّلْمِ بِفِعْلِهِمْ كَما فَعَلَ مِنَ التَّكَبُّرِ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأصْلِهِ، فَتَكَبَّرُوا عَلى فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ بِأصْلِهِمْ وأمْوالِهِمْ وعَشائِرِهِمْ، فَكانَ فِعْلُهم فِعْلَهُ سَواءً، فَكانَ (p-٧٥)قُدْوَتَهم وهو عَدُوُّهُمْ، ولَمْ يَقْتَدُوا بِخَيْرِ خَلْقِهِ وهو ولِيُّهم وهو أعْرَفُ النّاسِ بِهِ، فَقالَ تَعالى عاطِفًا عَلى ﴿واضْرِبْ﴾ [الكهف: ٤٥] ﴿وإذْ﴾ أيْ واذْكُرْ لَهم إذْ ﴿قُلْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾ الَّذِينَ هم أطْوَعُ شَيْءٍ لِأوامِرِنا وإبْلِيسُ فِيهِمْ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وذَلِكَ أنَّهُ كانَ قَدْ تَرَسَّمَ بِأفْعالِ المَلائِكَةِ وتَشَبَّهَ بِهِمْ وتَعَبَّدَ وتَنَسَّكَ، ولِهَذا دَخَلَ في خِطابِهِمْ وعَصى بِالمُخالَفَةِ ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ أبِيهِمْ نِعْمَةً مِنّا عَلَيْهِ يَجِبُ عَلَيْهِمْ شُكْرُنا فِيها ﴿فَسَجَدُوا﴾ كُلُّهم ﴿إلا إبْلِيسَ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهُ لَمْ يَسْجُدْ؟ فَقِيلَ: ﴿كانَ﴾ أيْ لِأنَّهُ كانَ ﴿مِنَ الجِنِّ﴾ المَخْلُوقِينَ مِن نارٍ، ولَعَلَّ النّارَ لَمّا كانَتْ نَيِّرَةً وإنْ كانَتْ نُورانِيَّتُها مَشُوبَةً بِكُدُورَةٍ وإحْراقٍ، عُدَّ مِنَ المَلائِكَةِ لِاجْتِماعِ العُنْصُرَيْنِ في مُطْلَقِ النُّورِ، مَعَ ما كانَ غَلَبَ عَلَيْهِ مِنَ العِبادَةِ، فَقَدْ رَوى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ: «خُلِقَتِ المَلائِكَةُ مِن نُورٍ، وخُلِقَ الجانُّ - وفي رِوايَةٍ: إبْلِيسُ - مِن مارِجٍ مِن نارٍ، وخُلِقَ آدَمُ مِمّا وُصِفَ لَكُمْ» وفي مَكائِدِ الشَّيْطانِ لِابْنِ أبِي الدُّنْيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ الجِنَّ كانَتْ قَبِيلَةً مِنَ المَلائِكَةِ.
ولَمّا كانَ أكْثَرُ الجِنِّ مُفْسِدًا، رُجُوعًا إلى الأصْلِ الَّذِي هو (p-٧٦)النّارُ المُحْرِقَةُ لِما لاصَقَها، المُفْسِدَةُ لَهُ، سَبَّبَ فِسْقَهُ عَنْ كَوْنِهِ مِنهم فَقالَ تَعالى: ﴿فَفَسَقَ﴾ أيْ خَرَجَ، يُقالُ: فَسَقَتِ الفَأْرَةُ مِن جُحْرِها - إذا خَرَجَتْ لِلْعَيْثِ والفَسادِ.
﴿عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ أيْ سَيِّدِهِ ومالِكِهِ المُحْسِنِ إلَيْهِ بِإبْداعِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اصْطِناعِهِ، في شَأْنِ أبِيكُمْ، إذْ تَكَبَّرَ عَلَيْهِ فَطَرَدَهُ رَبُّهُ مِن أجْلِكُمْ، فَلا تَسْتَنُّوا بِهِ في الِافْتِخارِ والتَّكَبُّرِ عَلى الضُّعَفاءِ، فَإنَّ مَن كانَتْ خَطِيئَتُهُ في كِبْرٍ لَمْ يَكُنْ صَلاحُهُ مَرْجُوًّا، ومَن كانَتْ خَطِيئَتُهُ في مَعْصِيَةٍ كانَ صَلاحُهُ مَرْجُوًّا، ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ هَذا ما هو جَدِيرٌ بِالإنْكارِ فَقالَ تَعالى في أُسْلُوبِ الخِطابِ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى تَناهِي الغَضَبِ وأوْجَعُ في التَّبْكِيتِ، والتَّكَلُّمِ لِأنَّهُ أنَصُّ عَلى المَقْصُودِ مِنَ التَّوْحِيدِ: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ﴾ أيْ أيَفْسُقُ بِاسْتِحْقارِكم فَيَطْرُدُهُ لِأجْلِكم فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِأنْ تَتَّخِذُوهُ ﴿وذُرِّيَّتَهُ﴾ شُرَكاءَ لِي ﴿أوْلِياءَ﴾ لَكم ﴿مِن دُونِي﴾ أيِ اتِّخاذًا مُبْتَدِئًا مِن غَيْرِي أوْ مِن أدْنى رُتْبَةٍ مِن رُتْبَتِي، لِيَعُمَّ الِاتِّخاذُ اسْتِقْلالًا وشِرْكَةً، ولَوْ كانَ المَعْنى: مِن دُونِ - أيْ غَيْرِ - اتِّخاذِي، لَأفادَ الِاسْتِقْلالَ فَقَطْ، ولَوْ كانَ الِاتِّخاذُ مُبْتَدِئًا مِنهُ بِأنْ كانَ هو الآمِرَ بِهِ لَمْ يَكُنْ مَمْنُوعًا، وأنا ولِيُّكُمُ المُفْضِلُ عَلَيْكم (p-٧٧)﴿وهم لَكُمْ﴾ ولَمّا كانَ بِناءُ فَعُولٍ لِلْمُبالَغَةِ ولا سِيَّما وهو شَبِيهٌ بِالمُغالاةِ في نَحْوِ القَوْلِ، أغْنى عَنْ صِيغَةِ الجَمْعِ فَقالَ: ﴿عَدُوٌّ﴾ إشارَةً إلى أنَّهم في شِدَّةِ العَداوَةِ عَلى قَلْبٍ واحِدٍ. ولَمّا كانَ هَذا الفِعْلُ أجْدَرَ شَيْءٍ بِالذَّمِّ، وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿بِئْسَ﴾ وكانَ الأصْلُ: لَكُمْ، ولَكِنَّهُ أبْرَزَ هَذا الضَّمِيرَ لِتَعْلِيقِ الفِعْلِ بِالوَصْفِ والتَّعْمِيمِ فَقالَ تَعالى: ﴿لِلظّالِمِينَ بَدَلا﴾ إذا اسْتَبْدَلُوا مَن لَيْسَ لَهم شَيْءٌ مِنَ الأمْرِ وهم لَهم عَدُوٌّ بِمَن لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ وهو لَهم ولِيٌّ.
{"ayah":"وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ ٱسۡجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِبۡلِیسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦۤۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّیَّتَهُۥۤ أَوۡلِیَاۤءَ مِن دُونِی وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّـٰلِمِینَ بَدَلࣰا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











