الباحث القرآني
﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ فَعَلْنا بِهِمْ ذَلِكَ الأمْرَ العَظِيمَ مِنَ الرَّبْطِ عَلى قُلُوبِهِمْ، والسَّتْرِ لِأخْبارِهِمْ والحِمايَةِ مِنَ الظّالِمِينَ والحِفْظِ لِأجْسامِهِمْ عَلى مَرِّ الزَّمانِ، وتَعاقُبِ الحَدَثانِ، ومِثْلُ ما فَعَلْنا بِهِمْ ذَلِكَ ﴿أعْثَرْنا﴾ أيْ أظْهَرْنا إظْهارًا اضْطِرارِيًّا، أهْلَ البَلَدِ وأطْلَعْناهُمْ، وأصْلُهُ أنَّ الغافِلَ عَنِ الشَّيْءِ يَنْظُرُ إلَيْهِ إذا عَثَرَ بِهِ نَظَرَ إلَيْهِ فَيَعْرِفُهُ، فَكانَ العِثارُ سَبَبًا لِعِلْمِهِ بِهِ فَأُطْلِقَ اسْمُ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ ﴿عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا﴾ أيْ أهْلُ البَلَدِ بَعْدَ أنْ كانَ حَصَلَ لِبَعْضِهِمْ شَكٌّ في حَشْرِ [الأجْسادِ -] لِأنَّ اعْتِقادَ اليَهُودِ والنَّصارى أنَّ البَعْثَ إنَّما هو لِلرُّوحِ فَقَطْ ﴿أنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ بِالبَعْثِ لِلرُّوحِ والجَسَدِ مَعًا (p-٤٠)﴿حَقٌّ﴾ لِأنَّ قِيامَهم بَعْدَ نَوْمِهِمْ نَيِّفًا وثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ مَعَ خَرْقِ العادَةِ بِحِفْظِ أبْدانِهِمْ عَنِ الفَناءِ مِن غَيْرِ أكْلٍ ولا شُرْبٍ مِثْلُ قِيامِ مَن ماتَ بِجِسْمِهِ الَّذِي كانَ سَواءً عَلى أنَّ مُطْلَقَ النَّوْمِ دالٌّ عَلى ذَلِكَ كَما قالَ بَعْضُ العارِفِينَ ”عِلْمُكَ بِاليَقَظَةِ بَعْدَ النَّوْمِ عِلْمٌ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، والبَرْزَخُ واحِدٌ غَيْرَ أنَّ لِلرُّوحِ بِالجِسْمِ في النَّوْمِ تَعَلُّقًا لا يَكُونُ بِالمَوْتِ، وتَسْتَيْقِظُ عَلى ما نِمْتَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ تُبْعَثُ عَلى ما مِتَّ عَلَيْهِ“ .
ولَمّا كانَ مِنَ الحَقِّ ما قَدْ يُداخِلُهُ شَكٌّ قالَ تَعالى: ﴿وأنَّ﴾ أيْ ولِيَعْلَمُوا أنَّ ﴿السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها﴾ مُبَيِّنًا أنَّها لَيْسَتْ مَوْضِعَ شَكٍّ أصْلًا لِما قامَ عَلَيْها مِن أدِلَّةِ العَقْلِ، المُؤَيَّدِ في كُلِّ عَصْرٍ بِقَواطِعِ النَّقْلِ، ومَن طالَعَ تَفْسِيرَ ”الزَّيْتُونِ“ مِن كِتابِي هَذا حَصَلَ لَهُ هَذا ذَوْقًا؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذا الإعْثارَ أتاهم بِعِلْمٍ نافِعٍ حالَ تَجاذُبٍ وتَنازُعٍ فَقالَ: ﴿إذْ﴾ أيْ لِيَعْلَمُوا ذَلِكَ، وأعْثَرْنا حِينَ ﴿يَتَنازَعُونَ﴾ أيْ أهْلُ المَدِينَةِ.
ولَمّا كانَ التَّنازُعُ في الغالِبِ إنَّما يَكُونُ ما بَيْنَ الأجانِبِ، وكانَ تَنازُعُ هَؤُلاءِ مَقْصُورًا عَلَيْهِمْ كانَ الأهَمُّ بَيانَ مَحَلِّهِ فَقَدَّمَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿بَيْنَهم أمْرَهُمْ﴾ أيْ أمْرَ أنْفُسِهِمْ في الحَشْرِ فَقائِلٌ يَقُولُ: تُحْشَرُ الأرْواحُ مُجَرَّدَةً، وقائِلٌ يَقُولُ: بِأجْسادِها، أوْ أمْرَ الفِتْيَةِ فَقائِلٌ يَقُولُ: ناسٌ صالِحُونَ، وناسٌ يَقُولُونَ: لا نَدْرِي مِن أمْرِهِمْ غَيْرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى (p-٤١)أرادَ هِدايَتَنا بِهِمْ ﴿فَقالُوا﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا الإعْثارِ أوِ التَّنازُعِ أنْ قالَ أكْثَرُهُمْ: ﴿ابْنُوا عَلَيْهِمْ﴾ عَلى كُلِّ حالٍ ﴿بُنْيانًا﴾ يَحْفَظُهُمْ، واتْرُكُوا التَّنازُعَ فِيهِمْ، ثُمَّ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿رَبُّهُمْ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْهِمْ بِهِدايَتِهِمْ وحِفْظِهِمْ وهِدايَةِ النّاسِ بِهِمْ ﴿أعْلَمُ بِهِمْ﴾ إنْ كانُوا صالِحِينَ أوْ لا، وأمّا أنْتُمْ فَلا طَرِيقَ لَكم إلى عِلْمِ ذَلِكَ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ عَلى طَرِيقِ الجَوابِ لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ماذا فَعَلُوا؟ فَقالَ: ﴿قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى﴾ أيْ وقَعَ أنْ كانُوا غالِبِينَ عَلى ﴿أمْرَهُمْ﴾ أيْ ظَهَرُوا [عَلَيْهِ -] وعَلِمُوا أنَّهم ناسٌ صالِحُونَ فَرُّوا بِدِينِهِمْ مِنَ الكُفّارِ وضَعْفِ مَن يُنازِعُهُمْ؛ ويَجُوزُ - وهو أحْسَنُ - أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِأهْلِ البَلَدِ أوْ لِلْغالِبِينَ أنْفُسِهِمْ، إشارَةً إلى أنَّ الرُّؤَساءَ مِنهم وأهْلَ القُوَّةِ كانُوا أصْلَحَهم [إيماءً -] إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أصْلَحَ بِهِمْ [أهْلَ -] ذَلِكَ الزَّمانِ ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ ذَلِكَ البُنْيانَ الَّذِي اتَّفَقْنا عَلَيْهِ ﴿مَسْجِدًا﴾ وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهم حِينَ ظَهَرُوا عَلَيْهِمْ وكَلَّمُوهم أماتَهُمُ اللَّهُ بَعْدَ أنْ عَلِمُوا أنَّ لَهم مُدَّةً طَوِيلَةً لا يَعِيشُ مِثْلَها أحَدٌ في ذَلِكَ الزَّمانِ، وقَبْلَ أنْ يَسْتَقْصُوا جَمِيعَ أمْرِهِمْ، وفي قِصَّتِهِمْ تَرْغِيبٌ في الهِجْرَةِ.
{"ayah":"وَكَذَ ٰلِكَ أَعۡثَرۡنَا عَلَیۡهِمۡ لِیَعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقࣱّ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَیۡبَ فِیهَاۤ إِذۡ یَتَنَـٰزَعُونَ بَیۡنَهُمۡ أَمۡرَهُمۡۖ فَقَالُوا۟ ٱبۡنُوا۟ عَلَیۡهِم بُنۡیَـٰنࣰاۖ رَّبُّهُمۡ أَعۡلَمُ بِهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِینَ غَلَبُوا۟ عَلَىٰۤ أَمۡرِهِمۡ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَیۡهِم مَّسۡجِدࣰا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











