الباحث القرآني

(p-٢٤٠)ولَمّا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الجُمَلُ؛ الَّتِي جَمَعَتْ - بِجَمْعِها لِلْمَأْمُوراتِ؛ والمَنهِيّاتِ -؛ ما تَضِيقُ عَنْهُ الدَّفاتِرُ والصُّدُورُ؛ وشَهِدَ لَها المُعانِدُونَ مِن بُلَغاءِ العَرَبِ أنَّها بَلَغَتْ قامُوسَ البَحْرِ؛ وتَعالَتْ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ؛ عَطَفَ عَلى ما أفْهَمَهُ السِّياقُ - مِن نَحْوِ: ”فَتَذَكَّرُوا“؛ أوْ ”فالزَمُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ؛ ونابِذُوا ما نُهِيتُمْ عَنْهُ“ - بَعْضَ ما أجْمَلَتْهُ؛ وبَدَأ بِما هو مَعَ جَمْعِهِ أهَمُّ؛ وهو الوَفاءُ بِالعَهْدِ؛ الَّذِي يَفْهَمُ مِنهُ العُلَماءُ بِاللَّهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ العَقْلُ مِنَ الحُجَجِ القاطِعَةِ بِالتَّوْحِيدِ؛ وصِدْقِ الرُّسُلِ؛ ووُجُوبِ اتِّباعِهِمْ؛ فَكانَتْ أعْظَمَ العُهُودِ؛ ويَفْهَمُ مِنهُ غَيْرُهم ما يَتَعارَفُونَهُ مِمّا يَجْرِي بَيْنَهم مِنَ المَواثِيقِ؛ فَإذا سارُوا فِيها بِما أمَرَ - سُبْحانَهُ - وتَحَرَّوْا رِضاهُ؛ عِلْمًا مِنهم بِأنَّهُ العَدْلُ؛ قادَهم ذَلِكَ إلى رُتْبَةِ الأوَّلِينَ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وأوْفُوا﴾؛ أيْ: أوْقِعُوا الوَفاءَ؛ الَّذِي لا وفاءَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ؛ ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ الَّذِي عاهَدَكم عَلَيْهِ بِأدِلَّةِ العَقْلِ؛ والنَّقْلِ؛ مِنَ التَّوْحِيدِ؛ وغَيْرِهِ مِن أُصُولِ الدِّينِ؛ وفُرُوعِهِ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ [الرعد: ٢٠] ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلا الفاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] ﴿إذا عاهَدْتُمْ﴾؛ بِتَقَبُّلِكم لَهُ؛ بِإذْعانِكم لِأمْثالِهِ مِنَ الأدِلَّةِ؛ فِيما عُرِفَ مِن عَوائِدِكُمْ؛ وصَرَّحْتُمْ بِهِ (p-٢٤١)عِنْدَ شَدائِدِكُمْ؛ ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ما هو مِن جِنْسِهِ؛ وأخَصُّ مِنهُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ﴾؛ واحْتَرَزَ عَنْ لَغْوِ اليَمِينِ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾؛ وحَذَفَ الجارَّ لِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ إنَّما هو اسْتِغْراقُ زَمانِ البُعْدِ بِالنَّقْضِ؛ وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِالكَذِبِ الشّامِلِ لَهُ كُلِّهِ؛ بَعْضُهُ بِالقُوَّةِ؛ وبَعْضُهُ بِالفِعْلِ؛ ولَعَلَّهُ جَمَعَ إشارَةً إلى أنَّ المَذْمُومَ اسْتِهانَتُها مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى كَفّارَةٍ؛ لِأنَّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ؛ ولَوْ في واحِدَةٍ؛ كانَ فاعِلًا ذَلِكَ في الجَمِيعِ؛ بِخِلافِ مَن يَنْقُضُ ما نَقَضَهُ - خَيْرٌ - بِالكَفّارَةِ؛ فَإنَّهُ ناقِضٌ لِلْبَعْضِ لا لِلْكُلِّ؛ لِأنَّهُ دائِرٌ مَعَ الخَيْرِ؛ والأوَّلُ دائِرٌ مَعَ الهَوى؛ ثُمَّ حَذَّرَهم مِنَ النَّقْضِ بِأنَّهُ مُطَّلِعٌ قادِرٌ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُقَبِّحًا حالَهم إذْ ذاكَ -: ﴿وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها؛ ﴿عَلَيْكم كَفِيلا﴾؛ أيْ: شاهِدًا ورَقِيبًا. ولَمّا كانَ مِن شَأْنِ الرَّقِيبِ حِفْظُ أحْوالِ مَن يُراقِبُهُ؛ قالَ (تَعالى) - مُرَغِّبًا؛ مُرَهِّبًا -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ؛ ﴿يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾؛ فَلَمْ تَفْعَلُوا شَيْئًا إلّا بِمَشِيئَتِهِ؛ وقُدْرَتِهِ؛ فَكانَتْ كَفالَتُهُ مَجْعُولَةً بِهَذا الِاعْتِبارِ؛ وإنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالجَعْلِ؛ فَمَتى نَقَضْتُمْ فَعَلَ بِكم فِعْلَ الكَفِيلِ القادِرِ؛ (p-٢٤٢)بِالمَكْفُولِ المُماطِلِ؛ مِن أخْذِ الحَقِّ؛ والعُقُوبَةِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب