الباحث القرآني
ولَمّا كانَ المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِكْبارِ مَحْوَ الحَقِّ؛ وإخْفاءَ أمْرِهِ؛ مِن غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِالعِنادِ - بَلْ مَعَ إقامَةِ شَبَهٍ رُبَّما راجَتْ - وإنِ اشْتَدَّ ضَعْفُها - عَلى عُقُولٍ هي أضْعَفُ مِنها؛ وكَأنَّ هَذا حَقِيقَةُ المَكْرِ؛ الَّتِي هي التَّغْطِيَةُ والسَّتْرُ؛ كَما بَيَّنَ في ”الرَّعْدِ“؛ عِنْدَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣]؛ شَرَعَ يُهَدِّدُ الماكِرِينَ؛ ويُحَذِّرُهم وُقُوعَ ما وقَعَ بِمَن كانُوا أكْثَرَ مِنهم عَدَدًا؛ وأقْوى يَدًا؛ ويُرَجِّي المُؤْمِنِينَ في نَصْرِهِمْ عَلَيْهِمْ؛ بِما لَهُ مِن عَظِيمِ القُوَّةِ؛ وشَدِيدِ السَّطْوَةِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ﴾؛ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ بِالإخْبارِ ناسًا مَخْصُوصِينَ لَمْ يَسْتَغْرِقُوا زَمانَ القَبْلِ؛ أدْخَلَ الجارَّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾؛ مِمَّنْ رَأوْا آثارَهُمْ؛ ودَخَلُوا دِيارَهُمْ؛ ﴿فَأتى اللَّهُ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِن مَجامِعِ العَظَمَةِ؛ ﴿بُنْيانَهُمْ﴾؛ أيْ: إتْيانَ بَأْسٍ وانْتِقامٍ؛ ﴿مِنَ القَواعِدِ﴾؛ الَّتِي بَنَوْا عَلَيْها مَكْرَهُمْ؛ ﴿فَخَرَّ﴾؛ أيْ: سَقَطَ مَعَ صَوْتٍ عَظِيمٍ لِهَدَّتِهِ؛ ﴿عَلَيْهِمُ السَّقْفُ﴾؛ ولَمّا كانَتِ العَرَبُ تَقُولُ: ”خَرَّ عَلَيْنا سَقْفٌ؛ ووَقَعَ عَلَيْنا حائِطٌ“؛ (p-١٣٩)إذا كانَ يَمْلِكُهُ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ وقَعَ عَلَيْهِ؛ كَما نَقَلَهُ أبُو حَيّانَ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ؛ قالَ (تَعالى) - صَرْفًا عَنْ هَذا إلى حَقِيقَةِ السُّقُوطِ المُقَيَّدِ بِالجارِّ -: ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾؛ وكانُوا تَحْتَهُ؛ فَهَلَكُوا؛ كَما هو شَأْنُ البُنْيانِ إذا زالَتْ قَواعِدُهُ.
ولَمّا كانَ المَكْرُ هو الضُّرُّ في خُفْيَةٍ؛ لِأنَّهُ القَتْلُ بِالحِيلَةِ إلى جِهَةٍ مُنْكَرَةٍ؛ بَيَّنَ أنَّ ما حَصَلَ لَهم مِنَ العَذابِ هو مِن بابِ ما فَعَلُوا؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وأتاهُمُ العَذابُ﴾؛ أيْ: الَّذِي اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ الرُّسُلِ عَلى الوَعِيدِ بِهِ لِمَن أبى؛ ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾؛ لِأنَّ السَّبَبَ الَّذِي أعَدُّوهُ لِنَصْرِهِمْ كانَ بِعَيْنِهِ سَبَبَ قَهْرِهِمْ؛ وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ؛ وقِيلَ: إنَّهُ عَلى الحَقِيقَةِ فِيما بَناهُ نَمْرُودُ مِنَ الصَّرْحِ.
ذِكْرُ قِصَّتِهِ مِنَ التَّوْراةِ:
قالَ في السِّفْرِ الأوَّلِ مِنها؛ في تَعْدادِ أوْلادِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: وكُوشٌ - يَعْنِي ابْنَ حامِ بْنِ نُوحٍ - ولَدَ نَمْرُودَ؛ وكانَ أوَّلَ جَبّارٍ في الأرْضِ؛ وهو كانَ مَخُوفًا؛ ذا صَيْدٍ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ؛ ولِذَلِكَ يُقالُ: (p-١٤٠)”هَذا مِثْلُ نَمْرُودَ الجَبّارِ القَنّاصِ“؛ فَكانَ مَبْدَأُ مُلْكِهِ بابِلَ؛ والكُوشَ؛ والأهْوازَ؛ والكُوفَةَ؛ الَّتِي بِأرْضِ شِنْعارَ؛ ومِن تِلْكَ الأرْضِ خَرَجَ المَوْصِلِيُّ؛ فابْتَنى نِينَوى؛ ورَحُبُوتَ القَرْيَةَ - وفي نُسْخَةٍ: قَرْيَةَ الرَّحُبَةَ - والإيَّلَةَ؛ والمَدائِنَ؛ ثُمَّ قالَ - بَعْدَ أنْ عَدَّ أحْفادَ نُوحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ومَمالِكَهم -: هَؤُلاءِ قَبائِلُ بَنِي نُوحٍ؛ وأوْلادُهُمْ؛ وخُلُوفُهُمْ؛ وشُعُوبُهُمْ؛ ومِن هَؤُلاءِ تَفَرَّقَتِ الشُّعُوبُ في الأرْضِ بَعْدَ الطُّوفانِ؛ وإنَّ أهْلَ الأرْضِ كُلَّهم كانَتْ لُغَتُهم واحِدَةً؛ ومَنطِقُهم واحِدًا؛ فَلَمّا ظَعَنُوا في المَشْرِقِ انْتَهَوْا إلى قاعٍ في أرْضِ شِنْعارَ - وفي نُسْخَةٍ: العِراقِ - فَسَكَنُوهُ؛ فَقالَ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم لِصاحِبِهِ: هَلُمَّ بِنا نُلَبِّنِ اللَّبِنَ ونَحْرِقْهُ بِالنّارِ؛ فَيَصِيرَ اللَّبِنُ مِثْلَ الحِجارَةِ؛ ويَصِيرَ الجَصُّ بَدَلَ الطِّينِ لِلْمِلاطِ؛ ثُمَّ قالَ: هَلُمُّوا نَبْنِ لَنا قَرْيَةً نَتَّخِذْها؛ وصَرْحًا مَشِيدًا لاحِقًا بِالسَّماءِ؛ ونَخْلُفْ لَنا شَيْئًا نُذْكَرُ بِهِ؛ لَعَلَّنا ألّا نَتَفَرَّقَ عَلى الأرْضِ كُلِّها؛ فَنَظَرَ الرَّبُّ القَرْيَةَ والصَّرْحَ الَّذِي يَبْنِيهِ النّاسُ؛ فَقالَ الرَّبُّ: إنِّي أرى هَذا الشَّعْبَ رَأْيُهم واحِدٌ؛ ولُغَتُهم واحِدَةٌ؛ (p-١٤١)وقَدْ هَمُّوا أنْ يَصْنَعُوا هَذا الصَّنِيعَ؛ فَهُمُ الآنَ غَيْرُ مُقَصِّرِينَ فِيما هَمُّوا أنْ يَفْعَلُوهُ؛ فَلْأُورِدْ أمْرًا أُشَتِّتُ بِهِ لُغَتَهُمْ؛ حَتّى لا يَفْهَمَ المَرْءُ مِنهم لُغَةَ صاحِبِهِ؛ ثُمَّ فَرَّقَهُمُ الرَّبُّ مِن هُنالِكَ عَلى وجْهِ الأرْضِ كُلِّها؛ ولَمْ يَبْنُوا القَرْيَةَ الَّتِي هَمُّوا بِبِنائِها؛ ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ بابِلَ؛ لِأنَّ هُنالِكَ فَرَّقَ الرَّبُّ لُغَةَ أهْلِ الأرْضِ كُلِّها؛ انْتَهى.
قالَ لِي بَعْضُ عُلَماءِ اليَهُودِ: إنَّ ”بابِلَ“ مُعَرَّبُ ”بُوبالَ“؛ ومَعْنى ”بُوبالَ“؛ بِالعِبْرانِيِّ: الشَّتاتُ؛ هَذا ما في التَّوْراةِ؛ وأمّا المُفَسِّرُونَ فَإنَّهم ذَكَرُوا أنَّ الصَّرْحَ بُنِيَ عَلى هَيْئَةٍ طَوِيلَةٍ؛ في الطُّولِ والإحْكامِ؛ وأنَّ اللَّهَ (تَعالى) هَدَمَهُ؛ فَكانَتْ لَهُ رَجَّةٌ؛ تَفَرَّقَتْ لِعِظَمِ هَوْلِها لُغَةُ أهْلِ الأرْضِ إلى أنْحاءَ كَثِيرَةٍ؛ لا يُحْصِيها إلّا خالِقُها؛ فاللَّهُ أعْلَمُ.
{"ayah":"قَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنۡیَـٰنَهُم مِّنَ ٱلۡقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَیۡهِمُ ٱلسَّقۡفُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَیۡثُ لَا یَشۡعُرُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











