الباحث القرآني

ولَمّا عَلِمَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن هَذِهِ الرُّؤْيا ما سَيَصِيرُ إلَيْهِ ولَدُهُ مِنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ قالَ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ قَدِ اجْتَباكَ رَبُّكَ لِلِاطِّلاعِ عَلى هَذِهِ الرُّؤْيا العَظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى شَرَفٍ وعِزٍّ، ومَثَّلَ ما اجْتَباكَ لَها ﴿يَجْتَبِيكَ﴾ أيْ يَخْتارُكَ ويَجْمَعُ لَكَ مَعالِي الأُمُورِ ﴿رَبُّكَ﴾ المُرَبِّي لَكَ بِالإحْسانِ لِلْمُلْكِ والنُّبُوَّةِ ﴿ويُعَلِّمُكَ مِن﴾ أيْ بَعْضٍ ﴿تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ [مِنَ] الرُّؤْيا وغَيْرِها مَن كُتِبِ اللَّهِ وسُنَنِ الأنْبِياءِ وغَوامِضِ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ المَخْلُوقاتُ الرُّوحانِيَّةُ والجُسْمانِيَّةُ، (p-١٩)لِأنَّ المُلْكَ والنُّبُوَّةَ لا يَقُومانِ إلّا بِالعِلْمِ والتَّأْوِيلِ المُنْتَهِي الَّذِي يَصِيرُ إلَيْهِ المَعْنى، وذَلِكَ فِقْهُ الحَدِيثِ الَّذِي هو حِكْمَةٌ لِأنَّهُ إظْهارُ ما يُؤَوَّلُ إلَيْهِ أمْرُهُ مِمّا عَلَيْهِ مُعْتَمَدُ فائِدَتِهِ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في الرُّؤْيا ﴿ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ﴾ بِالنُّبُوَّةِ ﴿عَلَيْكَ﴾ بِالعَدْلِ ولُزُومِ المَنهَجِ السَّوِيِّ ﴿وعَلى آلِ يَعْقُوبَ﴾ أيْ جَمِيعِ إخْوَتِكَ ومَن أرادَ اللَّهُ مِن ذُرِّيَّتِهِمْ، فَيَجْعَلُ نِعْمَتَهم في الدُّنْيا مَوْصُولَةً بِنِعْمَةِ الآخِرَةِ، لِأنَّهُ عَبَّرَ عَنْهم في هَذِهِ الرُّؤْيا بِالنُّجُومِ المُهْتَدِي بِها، ولا يُسْتَعْمَلُ الآلُ إلّا فِيمَن لَهُ خَطَرٌ وشَرَفٌ، وإضافَتُهُ مَقْصُورَةٌ عَلى إعْلامِ النّاطِقِينَ، قالَ الرّاغِبُ: وأمّا آلُ الصَّلِيبِ إنْ صَحَّ نَقْلُهُ فَشاذٌّ، ويُسْتَعْمَلُ فِيمَن لا خَطَرَ لَهُ الأهْلُ ﴿كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ﴾ ولَمّا كانَ وُجُودُهُما لَمْ يَسْتَغْرِقِ الماضِي، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: [مِن] قَبْلَ هَذا الزَّمانِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ الأبَوَيْنِ بِجَدِّهِ وجِدِّ أبِيهِ فَقالَ: ﴿إبْراهِيمَ﴾ أيْ: بِالخَلَّةِ وغَيْرِها مِنَ الكَرامَةِ ”و“ ولَدُهُ ”إسْحاق“ بِالنُّبُوَّةِ وجَعَلَ الأنْبِياءَ والمُلُوكَ مِن ولَدِهِ، وإتْمامُ النِّعْمَةِ: الحُكْمُ بِدَوامِها عَلى خُلُوصِها مِن شائِبٍ فِيها بِنَقْصِها. ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا بِالعِلْمِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ الأسْبابِ لِيُقامَ مِنها ما يَصْلُحُ، والحِكْمَةُ الَّتِي بِها يَحْكُمُ ذَلِكَ السَّبَبَ عَنْ أنْ (p-٢٠)يُقاوِمْهُ سَبَبٌ غَيْرُهُ، وكانَ السِّياقُ بِالعِلْمِ أوْلى لِما ذَكَرَ مِن عِلْمِ التَّأْوِيلِ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ آخِرَ تِلْكَ ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [هود: ١٢٣] الآيَةُ وما شاكَلَ ذَلِكَ أوَّلَ هَذِهِ، قالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ العِلْمِ ﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ الحِكْمَةِ، وهي وضْعُ الأشْياءِ في أتْقَنَ مَواضِعِها.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب