الباحث القرآني
ولَمّا كانَ أعْظَمَ حامِلٍ عَلى السِّحْرِ وغَيْرِهِ مِن أذى النّاسِ الحَسَدُ، وهو تَمَنِّي زَوالِ نِعْمَةِ المَحْسُودِ:
؎ودارَيْتُ كُلَّ النّاسِ إلّا لِحاسِدٍ ∗∗∗ مُداراتُهُ عَزَّتْ وشَقَّ نَوالُها
؎وكَيْفَ يُدارِي المَرْءُ حاسِدَ نِعْمَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ إذا كانَ لا يُرْضِيهِ إلّا زَوالُها
قالَ تَعالى: ﴿ومِن شَرِّ حاسِدٍ﴾ أيْ ثابِتِ الِاتِّصافِ بِالحَسَدِ مُعَرَّقِ (p-٤١٣)فِيهِ، ونَكَّرَهُ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ حاسِدِ مَذْمُومًا، وأعْظَمُ الحَسَدَةِ الشَّيْطانُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ دَأْبٌ إلّا السَّعْيُ في إزالَةِ نَعَمِ العِباداتِ عَنِ الإنْسانِ بِالغَفَلاتِ.
ولَمّا كانَ الضّارُّ مِنَ الحَسَدِ إنَّما هو ما أظْهَرَ وعَمِلَ بِمُقْتَضاهُ بِالإصابَةِ بِالعَيْنِ أوْ غَيْرِها قالَ مُقَيِّدًا لَهُ: ﴿إذا حَسَدَ﴾ أيْ حَسَدَ بِالفِعْلِ بِعَيْنِهِ الحاسِدَةِ، و[أمّا -] إذا لَمْ يَظْهَرِ الحَسَدُ فَإنَّهُ لا يَتَأذّى بِهِ إلّا الحاسِدُ لِاغْتِمامِهِ بِنِعْمَةِ غَيْرِهِ، وفي إشْعارِ الآيَةِ الدُّعاءُ بِما يَحْسُدُ عَلَيْهِ مِن نِعَمِ الدّارَيْنِ لِأنَّ خَيْرَ النّاسِ مَن عاشَ مَحْسُودًا وماتَ مَحْسُودًا، ومَن لَمْ يُلْقِ بِالًا لِلدُّعاءِ بِذَلِكَ ويَهْتَمَّ بِتَحْصِيلٍ ما يَحْسُدُ عَلَيْهِ ضَحِكَ مِنهُ إبْلِيسُ إذا تَلا هَذِهِ الآيَةَ لِكَوْنِهِ لَيْسَ لَهُ فَضِيلَةً يُحْسَدُ عَلَيْها، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِأداةِ التَّحْقِيقِ إشْعارًا بِأنَّ مَن كانَ ثابِتَ الحَسَدِ مُتَمَكِّنًا مِنَ الِاتِّصافِ بِهِ بِما أشْعَرَ بِهِ التَّعْبِيرِ بِالوَصْفِ تَحَقَّقَ مِنهُ إظْهارُهُ، ولَمْ يَقْدِرْ عَلى مُدافَعَتِهِ في الأغْلَبِ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ عَلِمَ بِكَوْنِ الحَسَدِ عِلَّةَ السِّحْرِ - المُوقِعُ في القَتْلِ الَّذِي هو أعْظَمُ المَعاصِي بَعْدَ الشِّرْكِ وفي الشِّرْكِ، لِأنَّهُ لا يَصِحُّ غايَةَ الصِّحَّةِ إلّا مَعَ الشِّرْكِ - أنَّ الحَسَدَ شَرُّ ما انْفَلَقَ عَنْهُ ظَلامُ العَدَمِ، والشّاهِدُ لِذَلِكَ غَلَبَتُهُ عَلى الأُمَمِ السّالِفَةِ وتَحْذِيرِ الأُمَّةِ الَّتِي هي خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ (p-٤١٤)مِنهُ بِشَهادَةِ هادِيها ﷺ، أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ:
«دَبَّ إلَيْكم داءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الحَسَدُ والبَغْضاءُ، ألا والبَغْضاءُ هي الحالِقَةُ، لا أقُولُ: إنَّها تَحْلِقُ الشَّعْرَ ولَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ» وفي البابِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وأعْظَمُ أسْبابِ الحالِقَةِ أوْ كُلُّها الحَسَدُ، فَعَلِمَ بِهَذا رُجُوعُ آخَرِ السُّورَةِ عَلى أوَّلِها، وانْعِطافُ مَفْصِلِها عَلى مُوصِلِها، ومَن أُعِيذَ مِن هَذِهِ المَذْكُوراتِ انْفَلَقَ (؟ سَماءُ قَلْبِهِ عَنْ شَمْسِ المَعْرِفَةِ بَعْدَ ظَلامِ لَيْلِ الجَهْلِ، فَأشْرَقَتْ أرْجاؤُهُ بِأنْوارِ الحِكَمِ، إلى أنْ يَضِيقَ الوَصْفُ لَهُ عَنْ بَدائِعِ الكَشْفِ:
؎هُناكَ تَرى ما يَمْلَأُ العَيْنَ قُرَّةٌ ∗∗∗ ويُسَلِّي عَنِ الأوْطانِ كُلَّ غَرِيبٍ
فَيَنْقَطِعُ التَّعَلُّقُ عَمّا سِوى اللَّهِ بِمَحْضِ الِاتِّباعِ والبُعْدِ عَنِ الِابْتِداعِ بِمُقْتَضى ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وقَدْ بَطَلَ بِالأمْرِ بِالِاسْتِعاذَةِ قَوْلُ الجَبْرِيَّةِ: إنّا كالآلَةِ لا فِعْلَ لَنا أصْلًا، وإنَّما نَحْنُ كالحَجَرِ لا يَتَحَرَّكُ إلّا بِمُحَرِّكٍ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ هو المُحَرِّكُ لَنا بِغَيْرِ اخْتِيارٍ لَمْ يَكُنْ لِلْأمْرِ فائِدَةٌ، وقَوْلُ القَدَرِيَّةِ: إنّا نَخْلُقُ أفْعالَنا، وقَوْلُ الفَلاسِفَةِ: [إنَّهُ -] (p-٤١٥)إذا وُجِدَ السَّبَبُ والمُسَبِّبُ حَصَلَ التَّأْثِيرُ مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى رَبْطٍ إلَهِيٍّ كالنّارِ والحَطَبِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ لَكانَتْ هَذِهِ الأفْعالُ المُسَبِّباتُ [إذا وُجِدَتْ مِن فاعِلِيها الَّذِينَ هُمُ الأسْبابُ، أوِ الأفْعالُ الَّتِي هي الأسْبابُ -]، والمُسَبِّباتُ الَّتِي هي الأبْدانُ المُرادُ تَأْثِيرُها أثَّرَتْ ولَمْ تَنْفَعْ الِاسْتِعاذَةُ، والشّاهِدُ خِلافُهُ، وثَبَتَ قَوْلُ الأشاعِرَةِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ أنَّهُ إذا وُجِدَ السَّبَبُ والمُسَبِّبُ تَوَقَّفَ وُجُودُ الأثَرِ عَلى إيجادِ اللَّهِ تَعالى، فَإنْ أنْفَذَ السَّبَبَ وجَدَ الأثَرَ، وإنْ لَمْ يُنَفِّذْهُ لَمْ يُوجَدْ، والسُّورَتانِ مُعْلِمَتانِ بِأنَّ البَلايا كَثِيرَةٌ وهو قادِرٌ عَلى دَفْعِها، فَهُما حامِلَتانِ عَلى الخَوْفِ والرَّجاءِ، وذَلِكَ هو لِبابِ العُبُودِيَّةِ، وسَبَبُ نُزُولِ المُعَوِّذَتَيْنِ عَلى ما نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ والبَغَوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم «أنَّ غُلامًا مِنَ اليَهُودِ كانَ يَخْدِمُ النَّبِيَّ ﷺ فَدَبَّتْ إلَيْهِ اليَهُودُ فَلَمْ يَزالُوا بِهِ حَتّى أخَذَهُ مِشاطَةَ رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ وعِدَّةَ أسْنانٍ مِن مُشْطِهِ فَأعْطاها اليَهُودُ فَسَحَرُوهُ فِيها، وتَوَلّى ذَلِكَ لَبِيدُ بْنُ الأعْصَمِ اليَهُودِيُّ، فَمَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وانْتَشَرَ شَعْرُ رَأْسِهِ، ويَرى أنَّهُ يَأْتِي النِّساءَ ولا يَأْتِيهِنَّ، يَذُوبُ ولا يَدْرِي ما عَرّاهُ، فَبَيْنا هو نائِمٌ ذاتَ يَوْمٍ أتاهُ مَلِكانِ فَقَعَدَ أحَدُهُما عِنْدَ رَأْسِهِ (p-٤١٦)والآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، فَقالَ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيْهِ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِهِ: ما بالُ الرَّجُلِ؟ قالَ: طُبَّ، قالَ: وما طُبَّ؟ قالَ: سُحِرَ، قالَ: ومَن سَحَرَهُ؟ قالَ: لَبِيدُ بْنُ الأعْصَمِ اليَهُودِيُّ، قالَ: وبِما طَبَّهُ؟ قالَ: بِمُشْطٍ ومِشاطَةٍ، قالَ: وأيْنَ هُوَ؟ قالَ: في جَفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ تَحْتَ راغُوفَةٍ في بِئْرِ ذُرْوانَ - بِئْرٍ في [بَنِي -] زُرَيْقٍ، والجَفُّ: قِشْرُ الطَّلْعِ، والرّاغُوفَةُ: حَجْرٌ في أسْفَلِ البِئْرِ يَقُومُ عَلَيْهِ المائِحُ، فانْتَبَهَ النَّبِيُّ ﷺ وقالَ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها:”يا عائِشَةُ ! أما شَعُرْتِ أنَّ اللَّهَ أخْبَرَنِي بِدائِي! ثُمَّ بَعَثَ عَلِيًّا والزُّبَيْرَ وعَمّارَ بْنَ ياسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فَنَزَحُوا البِئْرَ كَأنَّهُ نُقاعَةُ الحِنّاءِ، ثُمَّ نَزَعُوا الصَّخْرَةَ [وأخْرَجُوا الجَفَّ ] فَإذا فِيهِ مِشاطَةُ رَأْسِهِ وأسْنانُ مُشْطِهِ، وإذا وتَرٌ مُعَقَّدٌ فِيهِ إحْدى عَشْرَةَ عُقْدَةً مَغْرُوزَةً بِالإبَرِ“فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى سُورَتِي المُعَوِّذَتَيْنِ، وهُما إحْدى عَشْرَةَ آيَةً: الفَلَقُ خَمْسٌ والنّاسُ سِتٌّ، فَجَعَلَ كُلَّما قَرَأ آيَةً انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، ووَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خِفَّةً حَتّى انْحَلَّتِ العُقْدَةُ الأخِيرَةُ فَقامَ كَأنَّما نَشِطَ مِن عِقالٍ، وجَعَلَ جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ: ”بِسْمِ اللَّهِ أرْقِيكَ مِن كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ ومِن حاسِدٍ وعَيْنٍ واللَّهُ يَشْفِيكَ“فَقالُوا: (p-٤١٧)يا رَسُولَ اللَّهِ! أفَلا نَأْخُذُهُ فَنَقْتُلُهُ؟ فَقالَ:”أمّا أنا فَقَدَ شَفانِي اللَّهُ، وأكْرَهُ أنَّ أُثِيرَ عَلى النّاسِ شَرًّا». وفي رِوايَةٍ «أنَّهُ ﷺ أتى البِئْرَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَقالَ:“ واللَّهِ لَكَأنَّ ماءَها نُقاعَةُ الحِنّاءِ، لَكَأنَّ نَخْلَها رُءُوسُ الشَّياطِينِ، فَقُلْتُ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ”أهَلّا أخْرَجْتَهُ؟ فَقالَ:“ أمّا أنا فَقَدَ شَفانِي اللَّهُ، وكَرِهْتُ أنَّ أُثِيرَ عَلى النّاسِ شَرًّا» ”. ويَجْمَعُ بِأنَّهُ أتاها ﷺ بِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ فَلَمْ يُخْرِجْهُ ثُمَّ إنَّهُ وجَدَ بَعْضَ الألَمِ فَأرْسَلَ إلَيْهِ، فَأخْرَجَهُ فَزالَ [الألَمُ -] كُلُّهُ، ورَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: «سُحِرَ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى أنَّهُ لِيُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ فَعَلَ الشَّيْءَ وما فَعَلَهُ حَتّى إذا كانَ ذاتَ يَوْمٍ وهو عِنْدِي دَعا اللَّهَ ودَعاهُ، ثُمَّ قالَ:“ أشْعُرْتِ يا عائِشَةَ أنَّ اللَّهَ تَعالى [قَدْ -] أفْتانِي فِيما اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ ”، قُلْتُ: وما ذاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ:“ أتانِي مَلَكانِ» ”
فَذَكَرَهُ، ورَوى النِّسائِيُّ في المُحارَبَةِ مَن سُنَنِهِ وأبُو بَكْرٍ بْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى المُوصِلِيُّ في مَسانِيدِهِمْ والبَغَوِيُّ في تَفْسِيرِهِ كُلُّهم عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كانَ رَجُلٌ يَدْخُلُ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ (p-٤١٨)وسَلَّمَ فَأخَذَ لَهُ فَسَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ فاشْتَكى لِذَلِكَ أيّامًا فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ:
“إنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ سَحَرَكَ، عَقَدَ لَكَ عُقَدًا في بِئْرِ كَذا وكَذا، أوْ قالَ: فَطَرَحَهُ في بِئْرِ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ، فَأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاسْتَخْرَجُوها فَجِيءَ بِها فَحَلَّها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلَ كُلَّما حَلَّ عُقْدَةً وجَدَ لِذَلِكَ خِفَّةً، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَأنَّما نَشِطَ مِن عِقالٍ، فَما ذَكَرَ ذَلِكَ لِذَلِكَ اليَهُودِيِّ ولا رَآهُ في وجْهِهِ قَطُّ، وفي رِوايَةٍ: فَأتاهُ مَلَكانِ يُعَوِّذانِهِ فَقَعَدَ أحَدُهُما عِنْدَ رَأْسِهِ والآخِرُ عِنْدَ رِجْلِهِ فَقالَ أحَدُهُما: أتَدْرِي ما وجَعُهُ؟ قالَ: كَأنَّ الَّذِي يَدْخُلُ عَلَيْهِ عَقَدَ لَهُ وألْقاهُ في بِئْرٍ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ رَجُلًا، وفي رِوايَةِ: عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأخَذَ العُقَدَ فَوَجَدَ الماءَ قَدِ اصْفَرَّ، قالَ: فَأخَذَ العُقَدَ فَحَلَّها فَبَرَأ، فَكانَ الرَّجُلُ بَعْدَ ذَلِكَ يَدْخُلُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ شَيْئًا ولَمْ يُعاتِبْهُ فِيهِ»، وهَذا الفَضْلُ لِمَنفَعَةِ المُعَوِّذَتَيْنِ كَما مَنَحَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ فَكَذا تَفَضَّلَ بِهِ عَلى سائِرِ أُمَّتِهِ، ورَوى أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ - والنِّسائِيُّ مُسْنَدًا أوْ مُرْسَلًا - قالَ النَّوَوِيُّ: بِالأسانِيدِ (p-٤١٩)الصَّحِيحَةِ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبِيبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اقْرَأْ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ والمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وحِينَ تُصْبِحُ [ثَلاثَةَ مَرّاتٍ -] يَكْفِيكَ كُلُّ شَيْءٍ» والأحادِيثُ في فَضْلِ هَذِهِ السُّوَرِ الثَّلاثِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وجَعَلَ التَّعْوِيذَ في سُورَتَيْنِ إشارَةً إلى اسْتِحْبابِ تَكْرِيرِهِ، وجَعَلَتا إحْدى عَشْرَةَ آيَةً نَدْبًا إلى تَكْثِيرِهِ في تَكْرِيرِهِ، وقُدِّمَتِ الفَلَقُ الَّتِي خَمْسُ آياتٍ مَعَ ما مَضى المُناسَباتِ لِأنَّ اقْتِرانَها بِسُورَةِ التَّوْحِيدِ أنْسَبُ، وشَفَّعَها بِسُورَةِ النّاسِ الَّتِي هي سِتُّ آياتٍ أنْسَبُ، لِيَكُونَ الشَّفْعُ بِالشَّفْعِ، والِابْتِداءُ بِالوَتَرِ بَعْدَ سُورَةِ الوِتْرِ، وحاصِلُ هَذِهِ السُّورَةِ العُظْمى في مَعْناها الأبْدَعِ الأسْمى الِاسْتِعاذَةُ بِاللَّهِ بِذِكْرِ اسْمِهِ الرَّبّ المُقْتَضِي لِلْإحْسانِ والتَّرْبِيَةِ بِجَلْبِ النِّعَمِ ودَفْعِ النِّقَمِ مِن شَرِّ ما خَلَقَ ومِنَ السِّحْرِ والحَسَدِ، كَما كانَ أكْثَرَ البَقَرَةِ المُناظِرَةِ لَها في رَدِّ المَقْطَعِ عَلى المَطْلَعِ لِكَوْنِها ثانِيَةً مِنَ الأوَّلِ كَما أنَّ هَذِهِ ثانِيَةٌ مِنَ الآخَرِ في ذِكْرِ أعْداءِ النَّبِيِّ ﷺ الحاسِدِينَ لَهُ عَلى ما أُوتِيَ مِنَ النِّعَمِ، وفي تَذْكِيرِهِمْ بِما مَنَحَهم مِنَ النِّعَمِ الَّتِي كَفَرُوها، وأكْثَرُ ذَلِكَ في بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ كانُوا أشَدَّ النّاسِ حَسَدًا لَهُ ﷺ، وكانَ مِن أعْظَمِ ما ضَلُّوا بِهِ السِّحْرُ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (p-٤٢٠)﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] حَتّى قالَ: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] إلى أنْ قالَ: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩] وكانَ السِّحْرُ مَن أعْظَمِ ما أثَّرَ في النَّبِيِّ ﷺ مِن كَيْدِهِمْ حَتّى أنْزَلَ فِيهِ المُعَوِّذَتانِ، وكانَ السّاحِرُ لَهُ مِنهُمْ، وقَدِ انْقَضى ما يُسِرُّ اللَّهُ مِنَ الكَلامِ عَلى انْتِظامِ مَعانِيها بِحَسَبَ تَرْكِيبِ كَلِماتِها، وبَقِيَ الكَلامُ عَلى كَلِماتِها مِن حَيْثُ العَدَدُ، فِيما تُشِيرُ إلَيْهِ مِنَ البَرَكاتِ والمُدَدِ، هي ثَلاثٌ وعِشْرُونَ كَلِمَةً إشارَةٌ إلى أنَّهُ ﷺ في السَّنَةِ الثّالِثَةِ والعِشْرِينَ مِنَ النُّبُوَّةِ يَأْمَنُ مِن أذى حاسِدِيهِ، وذَلِكَ بِالوَفاةِ عِنْدَ تَمامِ الدِّينِ ويَأْسِ الحاسِدِينَ مِن كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأذى في الدِّينِ والدُّنْيا، وخَلاصُ النَّبِيِّ ﷺ مِن كُلِّ كَدِرٍ، فَإذا ضَمَمْتَ إلَيْها الضَّمائِرَ وهي خَمْسَةٌ كانَتْ ثَمانِيَ وعِشْرِينَ، وهي تُوازِي سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الهِجْرَةِ، وذَلِكَ عِنْدَ اسْتِحْكامِ أمْرِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ مِن خِلافَتِهِ بِبَثِّ العَساكِرِ وإنْفاذِهِ إلى مَلِكِ الفُرْسِ والرُّومِ وتَغَلْغَلَ هَيْبَتَهُ في قُلُوبِهِمْ وتَضَعْضَعَ الفُرْسُ بِغَلَبِ العَرَبِ عَلى رُسْتُمَ أكْبَرَ أُمَرائِهِمْ، والرُّومُ بَغَلَبِهِمْ عَلى ماهّانِ أعْظَمَ رُؤَسائِهِمْ، فاضْمَحَلَّ أمْرُ المُنافِقِينَ والحاسِدِينَ، وأيِسُوا (p-٤٢٠)مِن [تَأْثِيرِ -] أدْنى كَيْدٍ مِن أحَدٍ مِنَ الكائِدِينَ، فَإذا ضُمَّ إلَيْها أرْبَعُ كَلِماتِ البَسْمَلَةِ كانَتْ اثْنَتَيْنِ وثَلاثِينَ، إذا حَسِبْتَ مِن أوَّلِ النُّبُوَّةِ وازَتْها السَّنَةُ التّاسِعَةَ عَشْرَةَ مِنَ الهِجْرَةِ، وفِيها كانَ فَتْحُ قَيَسارِيَّةَ [الرُّومِ -] مِن بِلادِ الشّامِ، وبِفَتْحِها كانَ فَتْحُ جَمِيعِ بِلادِ الشّامِ، لَمْ يَبْقَ بِها بَلَدٌ إلّا وهي في أيْدِي المُسْلِمِينَ، فَزالَتْ عَنْها دَوْلَةُ الرُّومِ، وفِيها أيْضًا كانَ فَتْحُ جَلَوْلاءَ مِن بِلادِ فارِسٍ وكانَ فَتْحًا عَظِيمًا جِدًّا هَدَّ أجْنادَهم ومُلُوكَهُمْ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ فَتْحَ الفُتُوحِ، وحَصَّلَ حِينَئِذٍ أعْظَمَ الخِزْيِ لِلْفُرْسِ والرُّومِ الَّذِينَ هم أحْسُدُ الحَسَدَةِ، لَمّا كانَ لَهم مِنَ العِزَّةِ والقُوَّةِ بِالأمْوالِ والرِّجالِ، وإنْ حَسِبَتْ مِنَ الهِجْرَةِ وازَتْها سَنَةُ انْقِراضِ مُلْكِ أعْظَمِ الحَسَدَةِ الأكاسِرَةِ الَّذِينَ شَقَّقَ مُلْكَهم كِتابُ النَّبِيِّ ﷺ، وأرْسَلَ إلى عامِلِهِ باذّانَ - الَّذِي كانَ اسْتَخْلَفَهُ عَلى بِلادِ اليَمَنِ - يَأْمُرُهُ أنْ يَغْزُوَ النَّبِيَّ ﷺ، فَأخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِأنَّهُ يَقْتُلُهُ سُبْحانَهُ في لَيْلَةٍ سَمّاها، فَلَمّا أتَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ رُسُلَ باذّانَ بِذَلِكَ، فَرَجَعُوا إلى باذّانَ فَأخْبَرُوهُ فَقالَ: إنْ كانَ صادِقًا فَسَيَأْتِي الخَبَرُ في يَوْمِ كَذا، فَأتى الخَبَرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِصِدْقِهِ ﷺ (p-٤٢٢)وسُلَّمَ [فَأسْلَمَ -] باذّانَ ومِن مَعَهُ مِنَ الأبْناءِ الَّذِينَ كانُوا في بِلادِ اليَمَنِ لَمْ يَتَخَلَّفْ مِنهم أحَدٌ، وأوْفَدَ مِنهم وفْدًا عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ، وتَوَلّى اللَّهُ ورَسُولَهُ ﷺ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم واللَّهُ أعْلَمُ.
{"ayah":"وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











