الباحث القرآني
(p-٤٠٦)سُورَةُ الفَلَقِ مَقْصُودُها
الِاعْتِصامُ مِن شَرِّ كُلِّ ما انْفَلَقَ عَنْهُ الخَلْقُ الظّاهِرُ والباطِنُ، واسْمُها ظاهِرُ الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ ”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الحَوْلِ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي اسْتَجْمَعَ كَمالَ الطَّوْلِ ”الرَّحِيم“ الَّذِي أتَمَّ عَلى أهْلِ وِدادِهِ جَمِيعَ النَّوْلِ بِالسَّلامِ مِن عَلَيِّ القَوْلِ.
لِما افْتَتَحَ سُبْحانَهُ وتَعالى هَذا الذِّكْرَ الحَكِيمَ بِالهِدايَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] وبِالهِدايَةِ والتَّقْوى الَّتِي هي شِعارُ التّائِبِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] وذَلِكَ أوَّلُ مَنازِلِ السّاتِرِينَ، وخَتَمَ بِتَقْرِيرِ أمْرِ التَّوْحِيدِ عَلى وجْهٍ لا يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ أكْمَلَ مِنهُ وتَقْرِيرُ الإخْلاصِ فِيهِ كَما يَشْعُرُ بِهِ الأمْرُ بِـ ”قُلْ“ وذَلِكَ هو نِهايَةُ المَقاماتِ عِنْدَ العارِفِينَ، فَتَمَّ بِذَلِكَ الدِّينُ، وانْتَهى سَيْرُ السّالِكِينَ، وخَتْمُ الإخْلاصِ المُقَرِّرَةِ لِذَلِكَ بِأنَّهُ تَعالى لا كُفُوءَ لَهُ، فَتَوَفَّرَتِ الدَّواعِي عَلى الِانْقِطاعِ إلَيْهِ والعُكُوفِ عَلَيْهِ
؎وألْقَتْ عَصاها واطْمَأنَّ بِها النَّوى ∗∗∗ كَما قَرَّ عَيْنا بِلْإيابِ المُسافِرِ
* * *
أمَرَ بِالتَّعَوُّذِ بِرَبِّ هَذا الدِّينِ، مُوافَقَةً لِإيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ، مِن (p-٤٠٧)شَرِّ ما يَقْدَحُ فِيهِ بِضَرَرٍ في الظّاهِرِ أوْ في الباطِنِ وهُمُ الخَلائِقُ حَتّى عَلى الفَنا في الغِنا، وبَدَأ بِما يَعُمُّ شَياطِينُ الإنْسِ والجِنِّ في الظّاهِرِ والباطِنِ، ثُمَّ اتَّبَعَ بِما يَعُمُّ القَبِيلَيْنِ ويَخُصُّ الباطِنَ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ صَلاحُهُ صَلاحَ الظّاهِرِ، إعْلامًا بِشَرَفِ الباطِنِ عَلى وجْهٍ لا يَخِلُّ بِالظّاهِرِ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الحَثِّ عَلى مُعاوَدَةِ القِراءَةِ مِن أوَّلِ القُرْآنِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ [النحل: ٩٨] - أيْ أرَدْتَ قِراءَتَهُ - ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ﴾ أيْ لِكُلِّ مَن يَبْلُغُهُ القَوْلُ مِن جَمِيعِ الخَلائِقِ تَعْلِيمًا لَهم وأمْرًا، فَإنَّهم كُلُّهم مَرْبُوبُونَ مَقْهُورُونَ لا نَجاةَ لَهم في شَيْءٍ مِنَ الضَّرَرِ إلّا بِعِصْمَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَعَلى كُلٍّ مِنهم أنْ يَفْزَعَ أوَّلَ ما تُصِيبُهُ المُصِيبَةُ إلى مَوْلاهُ القادِرِ عَلى كَشْفِها تَصْحِيحًا لِتَوَكُّلِهِ فَإنَّهُ يَرْتَقِي بِذَلِكَ إلى حالِ الرِّضا بِمَرِّ القَضاءِ، ولا يَأْخُذُ في الِاعْتِمادِ عَلى جَلادَتِهِ وتَدْبِيرِهِ بِحَوْلِهِ وقُوَّتِهِ فَإنَّهُ يَشْتَدُّ أسَفُهُ ولا يَرُدُّ ذَلِكَ عَنْهُ شَيْئًا: ﴿أعُوذُ﴾ [أيْ -] أسْتَجِيرُ وألْتَجِئُ وأعْتَصِمُ وأحْتَرِزُ.
ولَمّا كانَ هَذا المَعْنى ألْيَقَ شَيْءٍ بِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ لِأنَّ الإعاذَةَ مِنَ المَضارِّ أعْظَمُ تَرْبِيَةً قالَ: ﴿بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ أيِ الَّذِي يُرَبِّيهِ ويُنْشِئُ مِنهُ ما يُرِيدُ، وهو الشَّيْءُ المَفْلُوقُ بِإيجادِهِ ظُلْمَةَ العَدَمِ كالعُيُونِ الَّتِي فَلَقَتْ بِها ظَلَمَةَ (p-٤٠٨)الأرْضِ والجِبالِ، وكالأمْطارِ الَّتِي فَلَقَتْ بِها ظَلَمَةُ الجَوِّ والسَّحابِ، وكالنَّباتِ الَّذِي فَلَقَتْ بِهِ ظَلَمَةُ الصَّعِيدِ، وكالأوْلادِ الَّتِي فَلَقَتْ بِها ظَلَمَةُ الأحْشاءِ، وكالصُّبْحِ الَّذِي فَلَقَتْ بِهِ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وما كانَ مِنَ الوَحْشَةِ إلى ما حَصَلَ مِن ذَلِكَ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ والسُّكُونِ والأُنْسِ والسُّرُورِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن سائِرِ المَخْلُوقاتِ، قالَ المَلْوِيُّ: والفَلَقُ - بِالسُّكُونِ والحَرَكَةِ كُلُّ شَيْءٍ انْشَقَّ عَنْهُ ظَلَمَةُ العَدَمِ وأوْجَدَ مِنَ الكائِناتِ جَمِيعَها - انْتَهى. وخَصَّ في العُرْفِ بِالصُّبْحِ فَقِيلَ: فَلَقُ الصُّبْحِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ [الأنعام: ٩٦] لِأنَّهُ ظاهِرٌ في تَغَيُّرِ الحالِ ومُحاكاةِ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي هو أعْظَمُ فَلَقٍ يَشُقُّ ظُلْمَةَ الفَنا والهَلاكَ بِالبَعْثِ والإحْياءِ، فَإنَّ القادِرَ عَلى ما قَبْلَهُ بِما نُشاهِدُهُ قادِرٌ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ لا فَرْقَ، بَلِ البَعْثُ أهْوَنُ في عَوائِدِ النّاسِ لِأنَّهُ إعادَةٌ، كَذا سائِرُ المُمَكَّناتِ، ومَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ قَدَرَ عَلى إعاذَةِ المُسْتَعِيذِ مِن كُلِّ ما يَخافُهُ ويَخْشاهُ.
{"ayah":"قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











