الباحث القرآني

فَإذا عَلِمَتْ أنَّ شَأْنَكَ في أُمَّتِكَ شَأْنُ الرُّسُلِ في أُمَمِهِمْ وأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الِاخْتِلافِ في شَأْنِ الرَّسُولِ والكِتابِ كَما جَرَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ وأنَّ الجَزاءَ بِالأعْمالِ كُلِّها لا بُدَّ مِنهُ ﴿فاسْتَقِمْ﴾ أيْ: أوْجِدِ القَوْمَ بِغايَةِ جُهْدِكَ بِسَبَبِ أنَّكَ لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ وأنَّ الَّذِي أرْسَلَكَ لا يَغْفُلُ عَنْ شَيْءٍ، ومَنِ اسْتَقامَ اسْتُقِيمَ لَهُ. ولَمّا كانَ مِنَ المَقْطُوعِ بِهِ أنَّ الآمِرَ لَهُ ﷺ مَن لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿كَما أُمِرْتَ﴾ أيْ: كَما اسْتَقامَ إخْوانُكَ مِنَ الأنْبِياءِ في جَمِيعِ الأُصُولِ والفُرُوعِ سَواءٌ كانَ في نَفْسِكَ أوْ في تَبْلِيغِ غَيْرِكَ مُعْتَدِلًا بَيْنَ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ ولا يَضِيقُ صَدْرُكَ مِنَ اسْتِهْزائِهِمْ وتَعَنُّتِهِمْ واقْتِراحِهِمْ لِلْآياتِ وإرادَتِهِمْ أنْ تَتْرُكَ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ مِنَ التَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ والعَيْبِ لِدِينِهِمْ بَلْ صارِحْهم بِالأمْرِ واتْرُكْهم وأهْواءَهُمْ، نَحْنُ نُدَبِّرُ الأمْرَ كَما نُرِيدُ عَلى حَسَبِ ما نَعْلَمُ. (p-٣٩١)ولَمّا كانَ الفاصِلُ بَيْنَ [المَعْطُوفِ و] المَعْطُوفِ عَلَيْهِ يَقُومُ مَقامَ تَأْكِيدِ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن﴾ أيْ: ولْيَسْتَقِمْ أيْضًا مَن ﴿تابَ﴾ عَنِ الكُفْرِ مُؤْمِنًا ﴿مَعَكَ﴾ عَلى ما أُمِرُوا تارِكِينَ القَلَقَ مِنَ اسْتِبْطائِهِمْ لِلنُّصْرَةِ كَما رَوى البُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنْ خِبابِ بْنِ الأرَتِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «شَكَوْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً في ظِلِّ الكَعْبَةِ وقَدْ لَقِينا مِنَ المُشْرِكِينَ شِدَّةً فَقُلْنا: ألا تَدْعُو اللَّهَ لَنا، فَقَعَدَ وهو مُحْمَرٌّ وجْهُهُ فَقالَ: كانَ الرَّجُلُ فِيمَن كانَ قَبْلَكم يُحْفَرُ لَهُ في الأرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ فَيُجاءُ بِالمِنشارِ فَيُوضَعُ فَوْقَ رَأْسِهِ فَيَشُقُّ بِاثْنَيْنِ، وما يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ [ويُمْشَطُ بِأمْشاطِ الحَدِيدِ ما دُونَ لَحْمِهِ مِن عَظْمٍ أوْ عَصَبٍ وما يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ] واللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذا الأمْرَ حَتّى يَسِيرَ الرّاكِبُ مِن صَنْعاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ لا يَخافُ إلّا اللَّهَ والذِّئْبَ عَلى غَنَمِهِ ولَكِنَّكم تَسْتَعْجِلُونَ»؛ «وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ما نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ آيَةٌ أشَدُّ ولا أشَقُّ مِن هَذِهِ الآيَةِ». والِاسْتِقامَةُ: الِاسْتِمْرارُ في جِهَةٍ واحِدَةٍ. ولَمّا كانَتْ وسَطًا بَيْنَ إفْراطٍ وتَفْرِيطٍ وكانَ التَّفْرِيطُ لا يَكادُ يَسْلَمُ مِنهُ إلّا الفَرْدُ النّادِرُ، وهو في الأغْلَبِ يُورِثُ انْكِسارَ النَّفْسِ واحْتِقارَها والخَوْفَ مِنَ اللَّهِ، وكانَ الإفْراطُ يُورِثُ إعْجابًا، ورُبَّما (p-٣٩٢)أفْضى بِالإنْسانِ إلى ظَنِّ أنَّهُ شارِعٌ فَيَنْسَلِخُ لِذَلِكَ مِنَ الدِّينِ، طَوى التَّفْرِيطَ ونَهى عَنِ الإفْراطِ فَقالَ: ﴿ولا تَطْغَوْا﴾ أيْ: تَتَجاوَزُوا الحَدَّ فِيما أُمِرْتُمْ بِهِ أوْ نُهِيتُمْ عَنْهُ بِالزِّيادَةِ إفْراطًا، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أمَرَكم ونَهاكم لِتَهْذِيبِ نُفُوسِكم لا لِحاجَتِهِ إلى ذَلِكَ ولَنْ تُطِيقُوا أنْ تَقْدِرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ. والدِّينُ مَتِينٌ لَنْ يُشادَّهُ أحَدٌ إلّا غَلَبَهُ، فَقَدْ رَضِيَ مِنكم سُبْحانَهُ الِاقْتِصادَ في العَمَلِ مَعَ حُسْنِ المَقاصِدِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولا تُبْطِرْكُمُ النِّعْمَةُ فَتُخْرِجْكم عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِقامَةِ يُمْنَةً أوْ يُسْرَةً.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب