الباحث القرآني
(p-٢٨٧)سُورَةُ الكَوْثَرِ
وتُسَمّى النَّحْرَ.
مَقْصُودُها المِنحَةُ بِكُلِّ خَيْرٍ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ، واسْمُها الكَوْثَرُ واضِحٌ في ذَلِكَ وكَذا النَّحْرُ لِأنَّهُ مَعْرُوفٌ في نَحْرِ الإبِلِ، وذَلِكَ غايَةُ الكَرَمِ عِنْدَ العَرَبِ ”بِسْمِ اللَّهِ“ المَلِكِ الأعْظَمِ الجَوّادِ الأكْرَمِ [الَّذِي -] لا حَدَّ لِفائِضِ فَضْلِهِ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي شَمِلَ الخَلائِقَ بِجُودِهِ وفاوَتَ بَيْنَهم في صَوْبِ وبْلِهِ ”الرَّحِيم“ الَّذِي خَصَّ حِزْبَهُ بِالِاهْتِداءِ بِهَدْيهِ والِاعْتِصامِ بِحَبْلِهِ.
* * *
لَمّا كانَتْ سُورَةُ الدِّينِ بِإفْصاحِها ناهِيَةٌ عَنْ مَساوِئِ الأخْلاقِ، كانَتْ بِإفْهامِها داعِيَةً إلى مَعالِي الشِّيَمِ، فَجاءَتِ الكَوْثَرُ لِذَلِكَ، وكانَتِ الدِّينَ قَدْ خَتَمَتْ بِأبْخَلِ البُخَلاءِ وأدْنى الخَلائِقِ: المَنعُ تَنْفِيرًا مِنَ البُخْلِ ومِمّا جَرَّهُ مِنَ التَّكْذِيبِ، فابْتُدِئَتِ الكَوْثَرُ بِأجْوَدِ الجُودِ. العَطاءُ لِأشْرَفِ الخَلائِقِ تَرْغِيبًا فِيهِ ونَدْبًا إلَيْهِ، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: أنْتَ يا خَيْرَ الخَلْقِ غَيْرُ مُتَلَبِّسٍ بِشَيْءٍ مِمّا نَهَتْ عَنْهُ تِلْكَ المُخْتَتِمَةُ بِمَنعِ الماعُونِ: ﴿إنّا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، (p-٢٨٨)وأكَّدَ لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ: ﴿أعْطَيْناكَ﴾ أيْ خَوَّلْناكَ مَعَ التَّمْكِينِ العَظِيمِ، ولَمْ يَقُلْ: آتَيْناكَ، لِأنَّ الإيتاءَ أصْلُهُ الإحْضارُ وإنِ اشْتُهِرَ في مَعْنى الإعْطاءِ ﴿الكَوْثَرَ﴾ الَّذِي هو مِن جُمْلَةِ الجُودِ عَلى المُصَدِّقِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ.
ولَمّا كانَ كَثِيرُ الرَّئِيسِ أكْثَرَ مِن كَثِيرِ غَيْرِهِ، فَكَيْفَ بِالمُلْكِ فَكَيْفَ بِمَلِكِ المُلُوكِ، فَكَيْفَ إذا أخْرَجَهُ في صِيغَةِ مُبالَغَةٍ فَكَيْفَ إذا كانَ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ، فَكَيْفَ إذا بُنِيَتِ الصِّيغَةُ عَلى الواوِ الَّذِي لَهُ العُلُوُّ والغَلَبَةُ فَكَيْفَ إذا أتَتْ إثْرَ الفَتْحَةِ الَّتِي لَها مِن ذَلِكَ [مِثْلَ ذَلِكَ -] بَلْ أعْظَمُ، كانَ المَعْنى: أفَضْنا عَلَيْكَ وأبَحْناكَ مِن كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأعْيانِ والمَعانِي مِنَ العِلْمِ والعَمَلِ وغَيْرِهِما مِن مَعادِنِ الدّارَيْنِ ومُعاوِنِهِما الخَيْرُ الَّذِي لا غايَةَ لَهُ، فَلا يَدْخُلُ تَحْتَ الوَصْفِ، فَأغْنَيْناكَ عَنْ أنْ تُؤْثِرَ بِذَلِكَ أوْ تُوَفِّرَ مالَكَ بِجَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعٍ ضُرٍّ، ومِنهُ النَّهْرُ الَّذِي في الجَنَّةِ ويَسْقِي المُؤْمِنِينَ مِنَ الحَوْضِ المَمْدُودِ [مِنهُ -] في المَحْشَرِ الَّذِي مِثالُهُ في الدُّنْيا شَرِيعَتُهُ ﷺ الَّتِي عَراها وأسْبابُها عَدَدُ النُّجُومِ الَّذِينَ هم عُلَماءُ أُمَّتِهِ [المُقْتَدى بِهِمْ، فَقَدِ اجْتَمَعَ لَكَ الغِبْطَتانِ: أشْرَفُ العَطاءِ مِن أكْرَمِ المُعْطِينَ -] وأعْظَمِهِمْ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا نَهى عِبادَهُ عَمّا يَلْتَذُّ بِهِ مَن (p-٢٨٩)أرادَ الدُّنْيا وزِينَتَها مِنَ الإكْثارِ والكِبْرِ والتَّعَزُّزِ بِالمالِ والجاهِ وطَلَبِ الدُّنْيا، أتْبَعَ ذَلِكَ بِما مَنَحَ نَبِيَّهُ مِمّا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ، وهو الكَوْثَرُ وهو الخَيْرُ الكَثِيرُ، ومِنهُ الحَوْضُ الَّذِي تَرِدُهُ أُمَّتُهُ في القِيامَةِ، لا يَظْمَأُ مِن شَرِبِ مِنهُ، ومِنهُ مَقامُهُ المَحْمُودُ الَّذِي يَحْمَدُهُ فِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ عِنْدَ شَفاعَتِهِ العامَّةِ لِلْخَلْقِ وإراحَتِهِمْ مِن هَوْلِ المَوْقِفِ، ومِن هَذا الخَيْرِ ما قَدَّمَ لَهُ في دُنْياهُ مِن تَحْلِيلِ الغَنائِمِ والنَّصْرِ بِالرُّعْبِ والخَلْقِ العَظِيمِ إلى ما لا يُحْصى مِن خَيْرَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ مِمّا بَعْضٌ ذَلِكَ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها إذْ لا تَعْدِلُ الدُّنْيا وما فِيها واحِدَةٌ مِن هَذِهِ العَطايا ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] ومِنَ الكَوْثَرِ والخَيْرِ الَّذِي أعاطاهُ اللَّهُ كِتابَهُ المُبِينَ، الجامِعَ لِعَقْلِ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ، والشِّفاءُ [لِما -] في الصُّدُورِ.
ولَمّا كَمَّلَ لَهُ سُبْحانَهُ مِنَ النِّعَمِ ما لا يَأْتِي عَلَيْهِ حَصْرٌ مِمّا لا يُناسِبُ أدْناهُ نَعِيمُ الدُّنْيا بِجُمْلَتِها، قالَ مُبَيِّنًا [لَهُ -] مُنَبِّهًا عَلى عَظِيمِ ما أعْطاهُ
﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا﴾ [الحجر: ٨٨] إلى قَوْلِهِ ﴿ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [طه: ١٣١] فَقَدِ اضْمَحَلَّ في جانِبِ نِعْمَةِ الكَوْثَرِ الَّذِي أُوتِيَ كُلُّ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في الكِتابِ مِن نَعِيمِ أهْلِ الدُّنْيا وتَمَكَّنَ مَن تَمَكَّنَ مِنهُمْ، وهَذا أحَدُ (p-٢٩٠)مُوجِباتِ تَأْخِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَلَمْ يَقَعْ بَعْدَها ذِكْرُ شَيْءٍ مِن نَعِيمِ الدُّنْيا ولا ذِكْرُ أحَدٍ مِنَ المُتَنَعِّمِينَ بِها لِانْقِضاءِ هَذا الغَرَضِ وتَمامِهِ، وسُورَةُ الدِّينِ آخِرُ ما تَضَمَّنَ الإشارَةَ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ مِن تَمْهِيدِ إشاراتِها، وتَبَيَّنَ بِهَذا وجْهُ تَعْقِيبِها بِها - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - انْتَهى.
{"ayah":"إِنَّاۤ أَعۡطَیۡنَـٰكَ ٱلۡكَوۡثَرَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











