الباحث القرآني

(p-١٣١)ولَمّا كانَ في هَذِهِ الآياتِ ما ذُكِرَ مِن أفانِينِ جِدالِهِمْ في أباطِيلِهِمْ وضَلالِهِمْ، وكانَ فِعْلُ ذَلِكَ - مِمَّنْ لا يُرى حَشْرًا ولا جَزاءً ولا نَعِيمًا وراءَ نَعِيمِ هَذِهِ الدّارِ - فِعْلُ فارِغِ السِّرِّ مُسْتَطِيلٌ لِلزَّمانِ آمِنٌ مِن نَوازِلِ الحَدَثانِ، حَسُنَ تَعْقِيبُهُ بِأنَّهم يَرَوْنَ يَوْمَ الحَشْرِ \ مِنَ الأهْوالِ ما يَسْتَقْصِرُونَ مَعَهُ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في الدُّنْيا، فَقَدْ خَسِرُوا إذَنْ دُنْياهم بِالنِّزاعِ، وآخِرَتَهم بِالعَذابِ الَّذِي لا يُسْتَطاعُ، ولَيْسَ لَهُ انْقِطاعٌ، فَقالَ تَعالى مُهَدِّدًا لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الَّذِينَ يُعانِدُونَ فَلا يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ عاطِفًا عَلى: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ [يونس: ٢٨] الأُولى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ أيْ: واسْتَقْصَرُوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في الدُّنْيا يَوْمَ الحَشْرِ لِما يَسْتَقْبِلُهم مِنَ الأهْوالِ والزَّلازِلِ الطِّوالِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إلى أيِّ غايَةٍ؟ فَقِيلَ: ﴿كَأنْ﴾ أيْ: كَأنَّهم ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾ في دُنْياهُمْ، والجُمْلَةُ [فِي] مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”نَحْشُرُهم“ البارِزِ أيْ مُشَبَّهِينَ بِمَن لَمْ يَلْبَثُوا ﴿إلا ساعَةً﴾ أيْ: حَقِيرَةً ﴿مِنَ النَّهارِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ، أيْ لَمْ يُفِدْهم تِلْكَ السّاعَةُ أكْثَرَ مِن أنْ عَرَفَ فِيها بَعْضُهم بَعْضًا لِيَزْدادُوا بِذَلِكَ حَسْرَةً في ذَلِكَ اليَوْمِ بِعَدَمِ القُدْرَةِ عَلى التَّناصُرِ والتَّعاوُنِ والتَّظافُرِ كَما كانُوا يَفْعَلُونَ في الدُّنْيا. ولَمّا كانَتْ حالُهم هَذِهِ هي الخَسارَةَ الَّتِي لَيْسَ مَعَها تِجارَةٌ، فَكانَ السّامِعُ مُتَوَقِّعًا لِلْخَبَرِ عَنْها، قالَ مُتَعَجِّبًا مِنهم مَوْضِعَ: ما أخْسَرَهُمْ: (p-١٣٢)﴿قَدْ خَسِرَ﴾ أيْ: حَقًّا ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ أُظْهِرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ [مُسْتَهِينِينَ] ﴿بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى بِما أخَذُوا مِنَ الدُّنْيا مِنَ الخَسِيسِ الفانِي وتَرَكُوا مِمّا كُشِفَ لَهم عَنْهُ البَعْثُ مِنَ النَّعِيمِ الشَّرِيفِ الباقِي؛ ولَمّا كانَ الَّذِي وقَعَ مِنهُ تَكْذِيبٌ مَرَّةً في الدَّهْرِ قَدْ يُفِيقُ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَهْتَدِي، قالَ عاطِفًا عَلى الصِّلَةِ: ﴿وما كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿مُهْتَدِينَ﴾ مُشِيرًا إلى تَسْفِيهِهِمْ فِيما يَدَّعُونَ البَصَرَ فِيهِ مِن أمْرِ المَتْجَرِ والمَعْرِفَةِ بِأنْواعِ الهِدايَةِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب