الباحث القرآني
ولَمّا نَفَوْا ذَلِكَ عَطَفُوا عَلَيْهِ مُسَبِّبِينَ عَنْهُ قَوْلَهُمْ: ﴿فَكَفى بِاللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿شَهِيدًا﴾ أيْ: هو يَكْفِينا كِفايَةً عَظِيمَةً جِدًّا مِن جِهَةِ الشَّهادَةِ الَّتِي \ لا غَيْبَةَ فِيهِ بِوَجْهٍ ولا مَيْلَ أصْلًا ﴿بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ في ذَلِكَ يَشْهَدُ لَنا وعَلَيْنا؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا خَبَرًا يُصَحِّحُ نَفْيَهم فَقالُوا مُؤَكِّدِينَ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ عِلْمَهُمْ: ﴿إنْ﴾ أيْ: إنّا ﴿كُنّا﴾ أيْ: كَوْنًا هو جِبِلَّةٌ لَنا ﴿عَنْ عِبادَتِكُمْ﴾ لَنا أوْ لِغَيْرِنا مُخْلَصَةً أوْ مَشُوبَةً؛ ولَمّا كانَتْ ”إنْ“ هي المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ تُلِقِّيَتْ بِاللّامِ الفارِقَةِ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ فَقِيلَ: ﴿لَغافِلِينَ﴾ لِأنَّهُ لا أرْواحَ فِينا، فَلَمْ تَكُنْ بِحَيْثُ نَأْمُرُ بِالعِبادَةِ ونَرْضاها فاللَّوْمُ عَلَيْكم دُونَنا، وذَلِكَ افْتِداءٌ مِن مَوْقِفِ الذُّلِّ أوْ أنَّهم لَمّا تَخَيَّلُوا في الشُّرَكاءِ صِفاتٍ عَبَدُوها لِأجْلِها وكانَتْ خالِيَةً عَنْها صَحَّ النَّفْيُ لِأنَّهم عَبَدُوا ذَواتٍ مَوْصُوفَةً بِصِفاتٍ لا وُجُودَ لَها في الأعْيانِ، وأيْضًا فَإنَّهم ما عَبَدُوا إلّا الشَّياطِينَ الَّتِي كانَتْ تُزَيِّنُ لَهم ذَلِكَ وتُغْوِيهِمْ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ: ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٢٨] أيْ: مَنَعْناهم مِمّا كانُوا فِيهِ مِنَ التَّواصُلِ والتَّوادِّ المُقْتَضِي لِلتَّناصُرِ بِعِبادَةِ الأوْثانِ، فَقالَ المُشْرِكُونَ لِشُرَكائِهِمْ لَمّا أبْطَأ عَنْهم نَصْرُهُمْ: إنّا كُنّا نَعْبُدُكم مِن دُونِ اللَّهِ فَأغْنُوا عَنّا كَما كُنّا نَذُبُّ عَنْكم ونَنْصُرُ دِينَكم ﴿وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨] (p-١٠٩)أيْ كُشِفَ لَنا اليَوْمَ بِتَفْهِيمِ اللَّهِ أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ وأنَّكم لَمْ تَخُصُّونا بِالعِبادَةِ حَتّى يَلْزَمَنا مَنعُكم عَلى أنَّكم لَوْ خَصَصْتُمُونا ما قَدَرْنا عَلى ذَلِكَ كَما قالَ الشَّيْطانُ: ﴿ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] ﴿فَكَفى﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ نَفْيِنا لِذَلِكَ عَلى ما كُشِفَ لَنا مِنَ العِلْمِ أنْ نَقُولَ: كَفى ﴿بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ في ذَلِكَ، يَشْهَدُ أنَّكم لَمْ تَخُصُّوا أحَدًا مِنهُ ومِنّا بِعِبادَةٍ بَلْ كُنْتُمْ مُذَبْذَبِينَ، وهَذا كُلُّهُ إشارَةً إلى أنَّ العِبادَةَ المَشُوبَةَ لا اعْتِدادَ بِها ولا يَرْضاها جَمادٌ لَوْ نَطَقَ، وإنَّ مَنِ اسْتَحَقَّ العِبادَةَ اسْتَحَقَّ الإخْلاصَ فِيها وأنْ لا يُشْرَكَ بِهِ أحَدٌ، وأنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ إلّا القادِرُ عَلى كَشْفِ الكَرْبِ والمَنعِ مِن أنْ يَقْطَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُتَوَلِّيهِ وعابِدِهِ قاطِعٌ؛ ولَمّا كانَتْ فائِدَةُ الشّاهِدِ ضَبْطَ ما قَدْ يَنْساهُ المُتَشاهِدانِ، عَلَّلُوا اكْتِفاءَهم بِشَهادَةِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكُمْ﴾ في تِلْكَ الأزْمانِ ﴿لَغافِلِينَ﴾ فَأقَرُّوا لَهم بِما هو الحَقُّ مِمّا كانَ يَعْلَمُهُ كُلُّ مَن لَهُ تَأمُّلٌ صَحِيحٌ أنَّهم لَمْ يَشْعُرُوا بِعِبادَتِهِمْ ساعَةً مِنَ الدَّهْرِ قَبْلَ ساعَتِهِمْ هَذِهِ، فَهم أجْدَرُ الخَلْقِ بِالِاكْتِفاءِ بِشَهادَةِ الشَّهِيدِ لِأنَّهم أسْوَأُ حالًا مِمَّنْ يَعْلَمُ المَشْهُودُ بِهِ ويَخْشى النِّسْيانَ، أوْ يُقالُ: فَقالَ المُشْرِكُونَ لِشُرَكائِهِمْ: إنّا كُنّا نَعْبُدُكم فَهَلْ أنْتُمْ ناصِرُونا أوْ شافِعُونَ لَنا فَنَجُّونا مِمّا وقَعْنا فِيهِ ﴿وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا﴾ [يونس: ٢٨] (p-١١٠)وحْدَنا ﴿تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨] أيْ: ما كُنْتُمْ تُخْلِصُونَ لَنا العِبادَةَ حَتّى يَلْزَمَنا أنْ نُخَلِّصَكم كَما أعْلَمَنا بِذَلِكَ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكُمُ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴿فَكَفى﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ كَفى ﴿بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ في ذَلِكَ، فَكَأنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: قَدْ تَضَمَّنَ كَلامُكم أنّا عَبَدْناكم عَلى غَيْرِ مَنهَجِ الإخْلاصِ، أفَلَيْسَ قَدْ عَبَدْناكُمْ؟ أفَلا تُغْنُونَ عَنّا شَيْئًا؟ فَأجابَ الشُّرَكاءُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكُمْ﴾ خالِصَةً كانَتْ أوْ مَشُوبَةً ﴿لَغافِلِينَ﴾ فَلا نَقُرُّ لَكم بِعِبادَةٍ أصْلًا وإنْ تَيَقَّنّا الإخْلاصَ لِسَلْبِ العِلْمِ عَنّا بِما كُنّا فِيهِ مِنَ الجَمادِيَّةِ فَضْلًا عَنْ أنْ نَأْمُرَكم أوْ نَرْضى بِعِبادَتِكم عَلى أنَّهُ لا غِناءَ عِنْدِنا عَلى تَقْدِيرٍ مِنَ التَّقادِيرِ؛ أوْ يُقالُ - وهو أحْسَنُ مِمّا مَضى -: ﴿وقالَ شُرَكاؤُهُمْ﴾ [يونس: ٢٨] لَمّا تَحَقَّقُوا العَذابَ طَلَبًا لِأنْ يُخَفَّفَ عَنْهم مِنهُ بِتَوْزِيعِهِ عَلَيْهِمْ وعَلى كُلِّ مَن عَبَدُوهُ مِن غَيْرِهِمْ ﴿ما كُنْتُمْ﴾ [يونس: ٢٨] أيُّها العابِدُونَ لَنا ﴿إيّانا﴾ [يونس: ٢٨] أيْ: خاصَّةً ﴿تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨] بَلْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أيْضًا غَيْرَنا، وهَذا يَعُمُّ واللَّهِ كُلَّ مَن يُرائِيهِ غَيْرُهُ بِعَمَلٍ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ يُرائِيهِ فَيُقِرُّهُ ولا يُنْكِرُهُ عَلَيْهِ؛ ولَمّا أفْهَمُوا بِنَفْيِ العِبادَةِ بِقَيْدِ الخُصُوصِ أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ مَعَهم غَيْرَهُمْ، وكانَ المَخْلُوقُ قاصِرَ العِلْمِ غَيْرَ مُحِيطِهِ بِوَجْهٍ بِأحْوالِ نَفْسِهِ فَكَيْفَ \ يَعْبُدُونَ بِأحْوالِ غَيْرِهِ، سَبَّبُوا عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُمْ: ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ﴾ أيْ: في أنّا ﴿كُنّا عَنْ عِبادَتِكُمْ﴾ أيْ: في الجُمْلَةِ ﴿لَغافِلِينَ﴾ والحاصِلُ أنَّ هَذا تَرْجَمَةُ كَلامِ الكُفّارِ وهو ناشِئٌ مِنهم عَنْ مَحْضِ غَلَبَةٍ ودَهْشٍ وفَرْطِ غَمٍّ ونَدَمٍ وقَلَقٍ، (p-١١١)فَلا يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ عَلى الوَجْهِ الأسَدِّ والطَّرِيقِ الأبْلَغِ، فالإعْجازُ في نَظْمِهِ، ومُرادُهم بِهِ أنْ يُخَفَّفَ عَنْهم مِنَ العَذابِ ولَوْ بِمُشارَكَةِ مَن كانُوا يَعْبُدُونَهم مَعَهُمْ، فَهو مِن وادِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ [غافر: ٤٧] ﴿فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] ونَحْوَهُ: ﴿فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا العَذابَ﴾ [الأعراف: ٣٩] - واللَّهُ أعْلَمُ.
{"ayah":"فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِیدَۢا بَیۡنَنَا وَبَیۡنَكُمۡ إِن كُنَّا عَنۡ عِبَادَتِكُمۡ لَغَـٰفِلِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











