الباحث القرآني
(p-٣٢٠٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٤ ] ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وما نَقَمُوا إلا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهم وإنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم في الأرْضِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ .
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ أيْ: فِيكَ شَيْئًا يَسُوءُكَ ﴿ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ﴾ قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وذَلِكَ أنَّهُ اقْتَتَلَ رَجُلانِ: جُهَنِيٌّ وأنْصارِيٌّ، فَعَلا الجُهَنِيُّ عَلى الأنْصارِيِّ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ لِلْأنْصارِ: ألا تَنْصُرُونَ أخاكم ! واللَّهِ، ما مَثَلُنا ومَثَلُ مُحَمَّدٍ إلّا كَما قالَ القائِلُ: (سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ) . وقالَ: لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيَخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، فَسَعى بِها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ فَسَألَهُ، فَجَعَلَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ ما قالَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ هَذِهِ الآيَةَ.
ورَوى الأُمَوِيُّ في " مَغازِيهِ " عَنِ ابْنِ إسْحاقَ «أنَّ الجُلاسَ بْنَ سُوَيْدِ بْنِ الصّامِتِ - وكانَ مِمَّنْ تَخَلَّفَ مِنَ المُنافِقِينَ - لَمّا سَمِعَ ما يَنْزِلُ فِيهِمْ قالَ: واللَّهِ لَئِنْ كانَ هَذا الرَّجُلُ صادِقًا فِيما يَقُولُ، لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَسَمِعَها عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ، وكانَ في حِجْرِهِ، فَقالَ: واللَّهِ يا جُلاسُ إنَّكَ لَأحَبُّ النّاسِ إلَيَّ، وأحْسَنُهم عِنْدِي بَلاءً، وأعَزُّهم عَلَيَّ أنْ يَصِلَهُ شَيْئًا تَكْرَهُهُ، ولَقَدْ قُلْتَ مَقالَةً، فَإنْ ذَكَرَتْها لَتَفْضَحُنِي، ولَئِنْ كَتَمْتَها لَتُهْلِكُنِي، ولَإحْداهُما أهْوَنُ عَلَيَّ مِنَ الأُخْرى.
فَمَشى إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ لَهُ ما قالَ الجُلاسُ، فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ الجُلاسَ، أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ ما قالَها، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيهِ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ، فَوَقَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْها، فَزَعَمُوا أنَّ الجُلاسَ تابَ فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ ونَزَعَ فَأحْسَنَ النُّزُوعَ» .
(p-٣٢٠٥)وهاتانِ الرِّوايَتانِ وغَيْرُهُما مِمّا رُوِيَ هُنا، كُلُّهُ مِمّا يُفِيدُ تَنَوُّعَ مَقالاتٍ وكَلِماتٍ مُكَفِّرَةٍ لَهم مِمّا هو مِن هَذا القَبِيلِ، وإنْ لَمْ يُمْكِنّا تَعْيِينُ شَيْءٍ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قِيلَ أُنْزِلَتْ في الجُلاسِ بْنِ سُوَيْدٍ، وذَلِكَ أنَّهُ هَمَّ بِقَتْلِ عُمَيْرٍ ابْنِ امْرَأتِهِ، لَمّا رَفَعَ كَلِمَتَهُ المُتَقَدِّمَةَ إلى النَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
وقَدْ ورَدَ أنْ نَفَرًا مِنَ المُنافِقِينَ هَمُّوا بِالفَتْكِ بِالنَّبِيِّ ﷺ، وهو في غَزْوَةِ تَبُوكَ، في بَعْضِ تِلْكَ اللَّيالِي، في حالِ السَّيْرِ، وكانُوا بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا.
قالَ الضَّحّاكُ: فَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ الإمامُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنا يَزِيدُ أخْبَرَنا الوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُمَيْعٍ، عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ قالَ: «لَمّا أقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ، أمَرَ مُنادِيًا فَنادى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أخَذَ العَقَبَةَ، فَلا يَأْخُذْها أحَدٌ.
فَبَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُودُهُ حُذَيْفَةُ، ويَسُوقُ بِهِ عَمّارٌ، إذْ أقْبَلَ رَهْطٌ مُتَلَثِّمُونَ عَلى الرَّواحِلِ، غَشَوْا عَمّارًا، وهو يَسُوقُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأقْبَلَ عَمّارٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَضْرِبُ وُجُوهَ الرَّواحِلِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحُذَيْفَةَ: «قَدْ، قَدْ»، حَتّى هَبَطَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
فَلَمّا هَبَطَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ، ورَجَعَ عَمّارٌ ! فَقالَ: يا عَمّارُ ! هَلْ عَرَفْتَ القَوْمَ ؟ فَقالَ: قَدْ عَرَفْتُ عامَّةَ الرَّواحِلِ، والقَوْمُ مُتَلَثِّمُونَ.
قالَ: هَلْ تَدْرِي ما أرادُوا ؟ قالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: أرادُوا أنْ يَنْفِرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَطْرَحُوهُ. فَقُلْ: فَسارَّ عَمّارٌ رَجُلًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ، كَمْ تَعْلَمُ كانَ أصْحابُ العَقَبَةِ» ؟ قالَ: أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا. فَقُلْ: «إنْ كُنْتَ فِيهِمْ فَقَدْ كانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ» .
قالَ فَعَدَّدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنهم ثَلاثَةً، قالُوا: واللَّهِ ما سَمِعْنا مُنادِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وما عَلِمْنا ما أرادَ القَوْمُ.
فَقالَ عَمّارٌ: أشْهَدُ أنَّ الِاثْنَيْ عَشَرَ الباقِينَ حَرْبٌ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ».
﴿وما نَقَمُوا﴾ أيْ: ما أنْكَرُوا وما عابُوا ﴿إلا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فَإنَّهم كانُوا قَبْلَ مَقْدَمِهِ ﷺ المَدِينَةَ في ظَنِّكَ مِنَ العَيْشِ، فَأثْرَوْا بِالغَنائِمِ، وقُتِلَ لِلْجُلاسِ (p-٣٢٠٦)مَوْلًى، فَأمَرَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِدِيَتِهِ فاسْتَغْنى.
والمَعْنى أنَّ المُنافِقِينَ عَمِلُوا بِضِدِّ الواجِبِ، فَجُعِلُوا مَوْضِعَ شُكْرِ النَّبِيِّ ﷺ ما هَمُّوا بِهِ، ولا ذَنْبَ إلّا تُفَضِّلُهُ عَلَيْهِمْ، فَهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: ما لِي عِنْدَكَ ذَنْبٌ إلّا أنِّي أحْسَنْتُ إلَيْكَ، وقَوْلِ ابْنِ قَيْسٍ الرُّقَيّاتِ:
؎ما نَقِمُ النّاسُ مِن أُمَيَّةَ إلّا أنَّهم يَحْمِلُونَ إنْ غَضِبُوا
وقَوْلِ النّابِغَةِ:
؎ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
ويُقالُ: نَقِمَ مِن فُلانٍ الإحْسانَ، (كَعَلِمَ) إذا جَعَلَهُ مِمّا يُؤَدِّيهِ إلى كُفْرِ النِّعْمَةِ كَما في (" التّاجِ ") .
ثُمَّ دَعاهم تَعالى إلى التَّوْبَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَتُوبُوا﴾ أيْ: مِنَ الكُفْرِ والنِّفاقِ ﴿يَكُ خَيْرًا لَهم وإنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُّنْيا﴾ أيْ: بِالقَتْلِ والهَمِّ والغَمِّ ﴿والآخِرَةِ﴾ أيْ: بِالنّارِ وغَيْرِها ﴿وما لَهم في الأرْضِ مِن ولِيٍّ﴾ أيْ: يَشْفَعُ لَهم في دَفْعِ العَذابِ.
﴿ولا نَصِيرٍ﴾ أيْ: فَيَدْفَعُهُ بِقُوَّتِهِ.
(p-٣٢٠٧)ثُمَّ يُبَيِّنُ تَعالى بَعْضَ مَن نُقِمْ لِإغْناءِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بِما آتاهُ مِن فَضْلِهِ، مِمَّنْ نَكَثَ في يَمِينِهِ، وتَوَلّى عَنِ التَّوْبَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
{"ayah":"یَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُوا۟ وَلَقَدۡ قَالُوا۟ كَلِمَةَ ٱلۡكُفۡرِ وَكَفَرُوا۟ بَعۡدَ إِسۡلَـٰمِهِمۡ وَهَمُّوا۟ بِمَا لَمۡ یَنَالُوا۟ۚ وَمَا نَقَمُوۤا۟ إِلَّاۤ أَنۡ أَغۡنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضۡلِهِۦۚ فَإِن یَتُوبُوا۟ یَكُ خَیۡرࣰا لَّهُمۡۖ وَإِن یَتَوَلَّوۡا۟ یُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِیمࣰا فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡـَٔاخِرَةِۚ وَمَا لَهُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ مِن وَلِیࣲّ وَلَا نَصِیرࣲ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











