الباحث القرآني

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٢٩ ] ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ . ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى حُكْمَ المُشْرِكِينَ في إظْهارِ البَراءَةِ مِن عَهْدِهِمْ، وفي إظْهارِ البَراءَةِ عَنْهم في أنْفُسِهِمْ، وفي وُجُوبِ مُقاتَلَتِهِمْ، وفي تَبْعِيدِهِمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وعَدَمِ الخَوْفِ مِنَ الفاقَةِ المُتَوَهَّمَةِ مِنِ انْقِطاعِهِمْ، ذَكَرَ بَعْدَهُ حُكْمَ أهْلِ الكِتابِ، وهو أنْ يُقاتِلُوا إلى أنْ يُسَلِّمُوا أوْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ، مُنَبِّهًا في تَضاعِيفِ ذَلِكَ عَلى بَعْضِ طُرُقِ الإغْناءِ المَوْعُودِ عَلى الوَجْهِ الكُلِّيِّ، مُرْشِدًا إلى سُلُوكِهِ ابْتِغاءً لِفَضْلِهِ، واسْتِنْجازًا لِوَعْدِهِ. قالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتِ الآيَةُ حِينَ أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقِتالِ الرُّومِ، فَغَزا بَعْدَ نُزُولِها غَزْوَةَ تَبُوكَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ مِنَ اليَهُودِ، فَصالَحَهم، فَكانَتْ أوَّلَ جِزْيَةٍ أصابَها أهْلُ الإسْلامِ، وأوَّلَ ذُلٍّ أصابَ أهْلَ الكِتابِ بِأيْدِي المُسْلِمِينَ. انْتَهى. ولا يَخْفى شُمُولُ الآيَةِ لِكُلِّ ذَلِكَ بِلا تَخْصِيصٍ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ أوَّلُ أمْرٍ نَزَلَ بِقِتالِ أهْلِ الكِتابِ - اليَهُودِ والنَّصارى - وكانَ ذَلِكَ في سَنَةِ تِسْعٍ، ولِهَذا تَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِقِتالِ الرُّومِ، ودَعا النّاسَ إلى ذَلِكَ، وأظْهَرَهُ لَهم، وبَعَثَ إلى أحْياءِ العَرَبِ حَوْلَ المَدِينَةِ فَنَدَبَهم، فَأوْعَبُوا مَعَهُ، واجْتَمَعَ مِنَ المُقاتِلَةِ نَحْوٌ مِن ثَلاثِينَ ألْفًا، وتَخَلَّفَ بَعْضُ النّاسِ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، ومَن حَوْلَها مِنَ المُنافِقِينَ وغَيْرِهِمْ، وكانَ ذَلِكَ في عامِ جَدْبٍ، ووَقْتِ قَيْظٍ وحَرٍّ. وخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ الشّامَ (p-٣١٠٦)لِقِتالِ الرُّومِ، فَبَلَغَ تَبُوكَ، ونَزَلَ بِها، وأقامَ بِها قَرِيبًا مِن عِشْرِينَ يَوْمًا، ثُمَّ اسْتَخارَ اللَّهَ في الرُّجُوعِ، فَرَجَعَ عامَهُ ذَلِكَ لِضِيقِ الحالِ، وضَعْفِ النّاسِ، كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. انْتَهى. والتَّعْبِيرُ عَنْ (أهْلِ الكِتابِ) بِالمَوْصُولِ المَذْكُورِ، لِلْإيذانِ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِلْأمْرِ بِالقِتالِ، فَإنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، كَما أمَرَ تَعالى، إذْ لَدَيْهِمْ مِن فَسادِ العَقِيدَةِ، فِيما يَجِبُ لَهُ تَعالى وفي البَعْثِ، أعْظَمُ ضَلالٍ وزَيْغٍ ﴿ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ يَعْنِي ما ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ في الكِتابِ والسُّنَّةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِرَسُولِهِ الرَّسُولُ الَّذِي يَزْعُمُونَ اتِّباعَهُ، فالمَعْنى أنَّهم يُخالِفُونَ أصْلَ دِينِهِمُ المَنسُوخِ اعْتِقادًا وعَمَلًا، إذْ غَيَّرُوا وبَدَّلُوا اتِّباعًا لِأهْوائِهِمْ. وقَوْلُهُ: هابَ: فَيَكُونُ المُرادُ: لا يَتَّبِعُونَ شَرِيعَتَنا ولا شَرِيعَتَهم، ومَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ سَبَبٌ لِقِتالِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿دِينَ الحَقِّ﴾ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ لِلصِّفَةِ، أوِ المُرادُ بِالحَقِّ: اللَّهُ تَعالى. وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ﴾ أيْ: ما تَقَرَّرَ عَلَيْهِ أنْ يُعْطُوهُ. قالَ ابْنُ الأثِيرِ: الجِزْيَةُ المالُ الَّذِي يُعْقَدُ عَلَيْهِ الكِتابِيُّ الذِّمَّةَ، وهي فِعْلَةٌ مِنَ الجَزاءِ كَأنَّها جَزَتْ عَنْ قَتْلِهِ. وقالَ الرّاغِبُ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِلِاجْتِزاءِ بِها عَنْ حَقْنِ دَمِهِمْ. وقالَ الشِّهابُ: قِيلَ مَأْخَذُها مِنَ (الجَزاءِ) بِمَعْنى القَضاءِ. يُقالُ: جِزْيَتُهُ بِما فَعَلَ، أوْ جازَيْتُهُ، أوْ أصْلُها الهَمْزُ مِنَ (الجَزْءِ والتَّجْزِئَةِ)، لِأنَّها طائِفَةٌ مِنَ المالِ يُعْطى، وقِيلَ: إنَّها مُعَرَّفٌ (كَزَيْتٍ)، وهو الجِزْيَةُ بِالفارِسِيَّةِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ حالٌ مِن فاعِلٍ: (يُعْطُوا) و(اليَدُ) هُنا إمّا بِمَعْنى الِاسْتِسْلامِ والِانْقِيادِ، يُقالُ: هَذِهِ يَدِي لَكَ، أيِ: اسْتَسْلَمْتُ إلَيْكَ، وانْقَدْتُ لَكَ، وأعْطى يَدَهُ أيِ: انْقادَ. كَما يُقالُ في خِلافِهِ: نَزَعَ يَدَهُ مِنَ الطّاعَةِ. لِأنَّ مَن أبى وامْتَنَعَ، لَمْ يُعْطِ يَدَهُ، بِخِلافِ المُطِيعِ (p-٣١٠٧)المُنْقادِ، وإمّا بِمَعْنى النَّقْدِ، أيْ: حَتّى يُعْطُوها نَقْدًا غَيْرَ نَسِيئَةٍ، فَيَكُونُ كَ (اليَدِ) في قَوْلِهِ ﷺ: ««لا تَبِيعُوا الذَّهَبَ والفِضَّةَ. . . إلى قَوْلِهِ: (يَدًا بِيَدٍ)»» . وإمّا بِمَعْنى الجارِحَةِ الحَقِيقِيَّةِ، و(عَنْ) بِمَعْنى الباءِ، أيْ: لا يَبْعَثُونَ بِها عَنْ يَدِ أحَدٍ، ولَكِنْ عَنْ يَدِ المُعْطِي إلى يَدِ الآخِذِ. وإمّا بِمَعْنى: مِن طِيبَةٍ نَفْسٍ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ مَنِ انْطاعَ لِقاهِرٍ بِشَيْءٍ أعْطاهُ، مِن غَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ بِهِ وقَهْرٍ لَهُ، مِن يَدٍ في يَدٍ، فَقَدْ أعْطاهُ عَنْ يَدٍ. (" مَجازِ القُرْآنِ " ج ١ ص ٢٥٦) . وإمّا بِمَعْنى الجَماعَةِ، أنْشَدَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ؎أعْطى فَأعْطانِي يَدًا ودارا وباحَةً حَوَّلَها عَقارًا الأساسِ ج ٢ ص ٥٦٠ واللِّسانِ ج ١٥ ص ٤٢٥، بَيْرُوتَ ومِنهُ الحَدِيثُ: ««وهم يَدٌ عَلى مَن سِواهم»» . أيْ: هم مُجْتَمِعُونَ عَلى أعْدائِهِمْ، يُعاوِنُ بَعْضُهم بَعْضًا - قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ - وإمّا بِمَعْنى الذُّلِّ - نَقَلَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ وحَكاهُ وجْهًا في الآيَةِ - . هَذا إنْ أُرِيدَ بِاليَدِ يَدُ المُعْطِي، وإنْ أُرِيدَ بِها يَدُ الآخِذِ، فاليَدُ إمّا بِمَعْنى القُوَّةِ، أيْ: عَنْ يَدٍ قاهِرَةٍ مُسْتَوْلِيَةٍ، ويَقُولُونَ: ما لِي بِهِ يَدٌ أيْ: قُوَّةٌ، وإمّا بِمَعْنى السُّلْطانِ، وهو كالَّذِي قَبْلَهُ، ومِنهُ يَدُ الرِّيحِ سُلْطانُها. قالَ لَبِيدٌ: ؎نِطافٌ أمْرُها بِيَدِ الشَّمالِ لَمّا مَلَكَتِ الرِّيحُ تَصْرِيفَ السَّحابِ، جُعِلَ لَها سُلْطانٌ عَلَيْهِ. وإمّا بِمَعْنى النِّعْمَةِ، أيْ: عَنْ إنْعامِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، لِأنَّ قَبُولَ الجِزْيَةِ، وتَرْكَ أنْفُسِهِمْ عَلَيْهِمْ، نِعْمَةٌ عَلَيْهِمْ. (p-٣١٠٨)قالَ النّاصِرُ في (" الِانْتِصافِ "): وهَذا الوَجْهُ أمْلى بِالفائِدَةِ. وإمّا بِمَعْنى الغِنى، حَكاهُ في (" العِنايَةِ ")، ونَقَلَهُ (" التّاجُ ") مِن مَعانِي اليَدِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ أيْ: أذِلّاءُ. تَنْبِيهاتٌ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ إمّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في: (يُعْطُوا)، أوْ مِنَ الجِزْيَةِ أيْ: مَقْرُونَةً بِالِانْقِيادِ، ومُسَلَّمَةً بِأيْدِيهِمْ، وصادِرَةً عَنْ غِنًى، ومَقْرُونَةً بِالذِّلَّةِ، وكائِنَةً عَنْ إنْعامٍ عَلَيْهِمْ. كَذا في (" العِنايَةِ ") . الثّانِي: قالَ السُّيُوطِيُّ في (" الإكْلِيلِ "): هَذِهِ الآيَةُ أصْلُ قَبُولِ الجِزْيَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ. الثّالِثُ: قالَ أيْضًا: اسْتَدَلَّ مَن قالَ بِأنَّ مَعْنى اليَدِ فِيما تَقَدَّمَ الغِنى، أنَّها تَجِبُ عَلى مُعْسِرٍ، ومَن قالَ بِأنَّهُ لا يُرْسَلُ بِها، عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ تَوْكِيلُ مُسْلِمٍ بِها، ولا أنْ يَضْمَنَها عَنْهُ، ولا أنْ يَحِيلَ بِها عَلَيْهِ. الرّابِعُ: قالَ السُّيُوطِيُّ أيْضًا: اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ مَن قالَ إنَّها تُؤْخَذُ بِإهانَةٍ، فَيَجْلِسُ الآخِذُ ويَقُومُ الذِّمِّيُّ ويُطَأْطِئُ رَأْسَهُ، ويَحْنِي ظَهْرَهُ، ويَضَعُها في المِيزانِ، ويَقْبِضُ الآخِذُ لِحْيَتَهُ، ويَضْرِبُ لِهْزَمَتَيْهِ. قالَ: ويُرَدُّ بِهِ عَلى النَّوَوِيِّ حَيْثُ قالَ: إنَّ هَذِهِ سَيِّئَةٌ باطِلَةٌ. انْتَهى. قُلْتُ: ولَقَدْ صَدَقَ النَّوَوِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ والرِّضْوانُ، فَإنَّها سَيِّئَةٌ قَبِيحَةٌ، تَأْباها سَماحَةُ الدِّينِ، والرِّفْقُ المَعْلُومُ مِنهُ، ولَوْلا قَصْدُهُ الرَّدَّ عَلى مَن قالَهُ لَما شُوِّهَتْ بِنَقْلِها دِيباجَةُ الصَّحِيفَةِ. ثُمَّ رَأيْتُ ابْنَ القَيِّمِ رَدَّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: هَذا كُلُّهُ مِمّا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، ولا هو مُقْتَضى الآيَةِ، ولا نُقِلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولا عَنْ أصْحابِهِ، قالَ: والصَّوابُ في الآيَةِ أنَّ الصَّغارَ هو التِزامُهم بِجَرَيانِ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، وإعْطاءِ الجِزْيَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ الصَّغارُ وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ. انْتَهى. (p-٣١٠٩)ثُمَّ قالَ السُّيُوطِيُّ: واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ: إنَّ أهْلَ الذِّمَّةِ يُتْرَكُونَ في بَلَدِ أهْلِ الإسْلامِ، لِأنَّ مَفْهُومَها الكَفُّ عَنْهم عِنْدَ أدائِها، ومِنَ الكَفِّ ألّا يُجْلَوْا، ومَن قالَ لا حَدَّ لِأقَلِّها، ومَن قالَ هي عِوَضُ حَقْنِ الدَّمِ لا أُجْرَةُ الدّارِ. انْتَهى. الخامِسُ: رَوى أبُو عُبَيْدٍ في كِتابِ " الأمْوالِ " عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: أوَّلُ مَن أعْطى الجِزْيَةَ مِن أهْلِ الكِتابِ، أهْلُ نَجْرانَ، وكانُوا نَصارى. السّادِسُ: قالَ أبُو عُبَيْدٍ: ثَبَتَتِ الجِزْيَةُ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى بِالكِتابِ، وعَلى المَجُوسِ بِالسُّنَّةِ. وقالَ ابْنُ القَيِّمِ: فَلَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الجِزْيَةِ، أخَذَها ﷺ مِن ثَلاثِ طَوائِفَ: مِنَ المَجُوسِ، واليَهُودِ، والنَّصارى، ولَمْ يَأْخُذْها مِن عُبّادِ الأصْنامِ. فَقِيلَ: لا يَجُوزُ أخْذُها مِن كافِرٍ غَيْرَ هَؤُلاءِ ومَن دانَ بِدِينِهِمُ، اقْتِداءً بِأخْذِهِ وتَرْكِهِ. وقِيلَ: بَلْ تُؤْخَذُ مِن أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ كَعَبَدَةِ الأصْنامِ مِنَ العَجَمِ دُونَ العَرَبِ، والأوَّلُ: قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وأحْمَدَ، (في إحْدى رِوايَتَيْهِ) . والثّانِي: قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، وأحْمَدَ رَحِمَهُما اللَّهُ في الرِّوايَةِ الأُخْرى. وأصْحابُ القَوْلِ الثّانِي يَقُولُونَ: إنَّما لَمْ يَأْخُذْها مِن مُشْرِكِي العَرَبِ، لِأنَّها إنَّما نَزَلَ فَرْضُها بَعْدَ أنْ أسْلَمَتْ دارَةُ العَرَبِ، ولَمْ يَبْقَ فِيها مُشْرِكٌ، فَإنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، ودُخُولِ العَرَبِ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا، فَلَمْ يَبْقَ بِأرْضِ العَرَبِ مُشْرِكٌ، ولِهَذا غَزا بَعْدَ الفَتْحِ تَبُوكَ، وكانُوا نَصارى، ولَوْ كانَ بِأرْضِ العَرَبِ مُشْرِكُونَ لَكانُوا يَلُونَهُ، وكانُوا أوْلى بِالغَزْوِ مِنَ الأبْعَدِينَ. ومَن تَأمَّلَ السَّيْرَ، وأيّامَ الإسْلامِ، عَلِمَ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَلَمْ تُؤْخَذْ مِنهُمُ الجِزْيَةُ لِعَدَمِ مَن يُؤْخَذُ عَنْهُ، لا لِأنَّهم لَيْسُوا مِن أهْلِها، قالُوا: وقَدْ أخَذَها مِنَ المَجُوسِ، ولَيْسُوا بِأهْلِ كِتابٍ، ولا يَصِحُّ أنَّهُ كانَ لَهم كِتابٌ، ورُفِعَ وهو حَدِيثٌ لا يَثْبُتُ مِثْلُهُ، ولا يَصِحُّ سَنَدُهُ. ولا فَرْقَ بَيْنَ عُبّادِ النّارِ، وعُبّادِ الأصْنامِ، بَلْ أهْلُ الأوْثانِ أقْرَبُ حالًا مِن عُبّادِ النّارِ، وكانَ فِيهِمْ مِنَ التَّمَسُّكِ بِدِينِ إبْراهِيمَ ما لَمْ يَكُنْ في عُبّادِ النّارِ، بَلْ عُبّادُ النّارِ أعْداءُ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ، فَإذا أُخِذَتْ مِنهُمُ الجِزْيَةُ فَأخْذُها مِن (p-٣١١٠)عُبّادِ الأصْنامِ أوْلى، وعَلى ذَلِكَ تَدُلُّ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَما ثَبَتَ في " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " أنَّهُ قالَ: ««إذا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فادْعُهم إلى إحْدى خِلالٍ ثَلاثٍ، فَأيَّتُهُنَّ أجابُوكَ إلَيْها، فاقْبَلْ مِنهم، وكُفَّ عَنْهم»» . ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَدْعُوَهم إلى الإسْلامِ، أوِ الجِزْيَةِ، أوْ يُقاتِلَهم. وقالَ المُغِيرَةُ لِعامِلِ كِسْرى: ««أمَرَنا نَبِيُّنا أنْ نُقاتِلَكم حَتّى تَعْبُدُوا اللَّهَ، أوْ تُؤَدُّوا الجِزْيَةَ»» . «وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِقُرَيْشٍ: «هَلْ لَكم في كَلِمَةٍ تَدِينُ لَكم بِها العَرَبُ، وتُؤَدِّي العَجَمُ إلَيْكُمُ بِها الجِزْيَةَ ؟» . قالُوا: ما هي ؟ قالَ: «لا إلَهَ إلّا اللَّهُ»» . ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صالَحَ أهْلَ نَجْرانَ عَلى ألْفَيْ حُلَّةٍ، النِّصْفُ في صَفَرٍ، والبَقِيَّةُ في رَجَبٍ يُؤَدُّونَها إلى المُسْلِمِينَ وعارِيَّةِ ثَلاثِينَ دِرْعًا، وثَلاثِينَ فَرَسًا، وثَلاثِينَ بَعِيرًا، وثَلاثِينَ مِن كُلِّ صِنْفٍ مِن أصْنافِ السِّلاحِ، يَغْزُونَ بِها، والمُسْلِمُونَ ضامِنُونَ بِها، حَتّى يَرُدُّوها عَلَيْهِمْ، إنْ كانَتْ بِاليَمَنِ كَيْدَةٌ أوْ غَدْرَةٌ، وعَلى ألّا يُهْدَمَ لَهم بَيْعَةٌ، ولا يُخْرَجَ لَهم قَسٌّ، ولا يُفْتَنُوا عَنْ دِينِهِمْ، ما لَمْ يُحْدِثُوا حَدَثًا، أوْ يَأْكُلُوا الرِّبا. ولَمّا وجَّهَ مُعاذًا إلى اليَمَنِ أمَرَهُ أنْ يَأْخُذَ مِن كُلِّ مُحْتَلِمٍ دِينارًا أوْ قِيمَتَهُ مِنَ الثِّيابِ. وفى هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجِزْيَةَ غَيْرُ مُقَدَّرَةِ الجِنْسِ، ولا القَدْرِ، بَلْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ثِيابًا وذَهَبًا وحُلَلًا، وتَزِيدُ وتَنْقُصُ بِحَسَبِ حاجَةِ المُسْلِمِينَ، واحْتِمالِ مَن تُؤْخَذُ مِنهُ، وحالُهُ (p-٣١١١)فِي المَيْسَرَةِ، وما عِنْدَهُ مِنَ المالِ. ولَمْ يُفَرِّقْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ولا خُلَفاؤُهُ في الجِزْيَةِ بَيْنَ العَرَبِ والعَجَمِ، بَلْ أخَذَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن نَصارى العَرَبِ، وأخَذَها مِن مَجُوسِ هَجَرَ، وكانُوا عَرَبًا، فَإنَّ العَرَبَ أُمَّةٌ لَيْسَ لَها في الأصْلِ كِتابٌ، وكانَتْ كُلُّ طائِفَةٍ مِنهم تَدِينُ بِدِينِ مَن جاوَرَها مِنَ الأُمَمِ، فَكانَتْ عَرَبُ البَحْرَيْنِ مَجُوسًا لِمُجاوَرَتِها فارِسَ، وتَنُّوخُ، وبُهْرَةُ، وبَنُو تَغْلِبَ نَصارى لِمُجاوَرَتِهِمْ لِلرُّومِ، وكانَتْ قَبائِلُ مِنَ اليَمَنِ يَهُودَ لِمُجاوَرَتِهِمْ لِيَهُودِ اليَمَنِ، فَأجْرى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أحْكامَ الجِزْيَةِ، ولَمْ يَعْتَبِرْ آباءَهم، ولا مَتى دَخَلُوا في دِينِ أهْلِ الكِتابِ: هَلْ كانَ دُخُولُهم قَبْلَ النَّسْخِ والتَّبْدِيلِ أوْ بَعْدَهُ، ومِن أيْنَ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ، وكَيْفَ يَنْضَبِطُ وما الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ؟ وقَدْ ثَبَتَ في السِّيَرِ والمَغازِي، أنَّ مِنَ الأنْصارِ مَن تَهَوَّدَ أبْناؤُهم بَعْدَ النَّسْخِ بِشَرِيعَةِ عِيسى، وأرادَ آباؤُهم إكْراهَهم عَلى الإسْلامِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] وفي قَوْلِهِ لِمُعاذٍ: ««خُذْ مِن كُلِّ حالِمٍ دِينارًا»» دَلِيلٌ عَلى أنَّها لا تُؤْخَذُ مِن صَبِيٍّ ولا امْرَأةٍ. السّابِعُ: قالَ الإمامُ أبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ (" الخَراجِ "): ولَيْسَ في شَيْءٍ مِن أمْوالِهِمُ، الرِّجالِ مِنهم والنِّساءِ، زَكاةٌ، إلّا ما اخْتَلَفُوا بِهِ في تِجارَتِهِمْ، فَإنَّ عَلَيْهِمْ نِصْفَ العُشْرِ، ولا يُؤْخَذُ مِن مالٍ حَتّى يَبْلُغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، أوْ عِشْرِينَ مِثْقالًا مِنَ الذَّهَبِ، أوْ قِيمَةَ ذَلِكَ مِنَ العُرُوضِ لِلتِّجارَةِ، ولا يُضْرَبُ أحَدٌ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ في اسْتِيدائِهِمُ الجِزْيَةَ، ولا يُقامُوا في الشَّمْسِ ولا غَيْرِها، ولا يُجْعَلُ عَلَيْهِمْ في أبْدانِهِمْ شَيْءٌ مِنَ المَكارِهِ، ولَكِنْ يُرْفَقُ بِهِمْ، ويُحْبَسُونَ حَتّى يُؤَدُّوا ما عَلَيْهِمْ، ولا يَخْرُجُونَ مِنَ الحَبْسِ حَتّى تُسْتَوْفى مِنهُمُ الجِزْيَةُ، ولا يَحِلُّ لِلْوالِي أنْ يَدَعَ أحَدًا مِنَ النَّصارى واليَهُودِ والمَجُوسِ والصّابِئِينَ والسّامِرَةِ، إلّا أُخِذَ مِنهُمُ الجِزْيَةُ، ولا يُرَخِّصَ لِأحَدٍ مِنهم في تَرْكِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ولا يُحِلُّ (p-٣١١٢)أنْ يَدَعَ واحِدًا ويَأْخُذَ مِن واحِدٍ، ولا يَسَعُ ذَلِكَ، لِأنَّ دِماءَهم وأمْوالَهم إنَّما أُحْرِزَتْ بِأداءِ الجِزْيَةِ، والجِزْيَةُ بِمَنزِلَةِ مالِ الخَراجِ. ثُمَّ قالَ أبُو يُوسُفَ مُخاطِبًا هارُونَ الرَّشِيدَ: وقَدْ يَنْبَغِي يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ - أيَّدَكَ اللَّهُ - أنْ تَتَقَدَّمَ في الرِّفْقِ بِأهْلِ ذِمَّةِ نَبِيِّكَ وابْنِ عَمِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ، والتَّفَقُّدُ لَهم حَتّى لا يُظْلَمُوا ولا يُؤْذَوْا، ولا يُكَلَّفُوا فَوْقَ طاقَتِهِمْ، ولا يُؤْخَذُ شَيْءٌ مِن أمْوالِهِمْ إلّا بِحَقٍّ يَجِبُ عَلَيْهِمْ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««مَن ظَلَمَ مُعاهِدًا أوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طاقَتِهِ فَأنا حَجِيجُهُ»» . وكانَ فِيما تَكَلَّمَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَ وفاتِهِ: أُوصِي الخَلِيفَةَ مِن بَعْدِي بِذِمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يُوفِيَ لَهم بِعَهْدِهِمْ، وأنْ يُقاتِلَ مِن ورائِهِمْ، ولا يُكَلَّفُوا فَوْقَ طاقَتِهِمْ. قالَ: وحَدَّثَنا هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ «عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أنَّهُ مَرَّ عَلى قَوْمٍ قَدْ أُقِيمُوا في الشَّمْسِ في بَعْضِ أرْضِ الشّامِ، فَقالَ: ما شَأْنُ هَؤُلاءِ ؟ فَقِيلَ لَهُ أُقِيمُوا في الشَّمْسِ في الجِزْيَةِ ! قالَ: فَكَرِهَ ذَلِكَ، ودَخَلَ عَلى أمِيرِهِمْ، وقالَ: إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن عَذَّبَ النّاسَ عَذَّبَهُ اللَّهُ»» . قالَ: وحَدَّثَنا هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ مَرَّ بِطَرِيقِ الشّامِ وهو راجِعٌ في مَسِيرِهِ مِنَ الشّامِ عَلى قَوْمٍ قَدْ أُقِيمُوا في الشَّمْسِ، يُصَبُّ عَلى رُؤُوسِهِمُ الزَّيْتُ، فَقالَ: ما بالُ هَؤُلاءِ ؟ فَقالَ: عَلَيْهِمُ الجِزْيَةُ لَمْ يُؤَدُّوها، فَهم يُعَذَّبُونَ حَتّى يُؤَدُّوها ! فَقالَ عُمَرُ: فَما يَقُولُونَ هم وما يَعْتَذِرُونَ بِهِ في الجِزْيَةِ ؟ قالُوا: يَقُولُونَ لا نَجِدُ ! قالَ: فَدَعُوهم لا تُكَلِّفُوهم ما لا يُطِيقُونَ؛ فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لا تُعَذِّبُوا النّاسَ، فَإنَّ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النّاسَ في الدُّنْيا، يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ وأمَرَ بِهِمْ فَخُلِّيَ سَبِيلُهم»» . (p-٣١١٣)ثُمَّ قالَ: وحَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ نافِعٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ قالَ: مَرَّ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِبابِ قَوْمٍ وعَلَيْهِ سائِلٌ يَسْألُ، شَيْخٌ ضَرِيرُ البَصَرِ، فَضَرَبَ عَضُدَهُ مِن خَلْفِهِ وقالَ: مِن أيِّ أهْلِ الكِتابِ أنْتَ ؟ فَقالَ: يَهُودِيٌّ. قالَ: فَما ألْجَأكَ إلى ما أرى ؟ قالَ: أسْألُ الجِزْيَةَ، والحاجَةَ والسِّنَّ، قالَ: فَأخَذَ عُمَرُ بِيَدِهِ، وذَهَبَ بِهِ إلى مَنزِلِهِ فَرَضَخَ لَهُ بِشَيْءٍ مِنَ المَنزِلِ، ثُمَّ أرْسَلَ إلى خازِنِ بَيْتِ المالِ فَقالَ: انْظُرْ هَذا وضُرَباءَهُ، فَواللَّهِ ما أنْصَفْناهُ إنْ أكَلْنا شَيْبَتَهُ، ثُمَّ نَخْذُلُهُ عِنْدَ الهَرَمِ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] والفُقَراءُ المُسْلِمُونَ، وهَذا مِنَ المَساكِينِ مِن أهْلِ الكِتابِ. ووَضَعَ عَنْهُ الجِزْيَةَ وعَنْ ضُرَبائِهِ. قالَ: قالَ أبُو بَكْرٍ: أنا شَهِدْتُ ذَلِكَ مِن عُمَرَ، ورَأيْتُ ذَلِكَ الشَّيْخَ. انْتَهى. الثّامِنُ: في الغَرَضِ مِنَ الجِزْيَةِ ورَأْفَةِ المُسْلِمِينَ بِمَن أظَلُّوهم بِسُيُوفِهِمْ. قالَ الإمامُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ عَبْدُهُ مُفْتِي مِصْرَ في كِتابِ " الإسْلامِ والنَّصْرانِيَّةِ " في هَذا المَعْنى، تَحْتَ بَحْثِ المُقابَلَةِ بَيْنَ الإسْلامِيِّ الحَرْبِيِّ والمَسِيحِيَّةِ السِّلْمِيَّةِ، ما نَصُّهُ ص ٧٤: الإسْلامُ الحَرْبِيُّ، كانَ يَكْتَفِي مِنَ الفَتْحِ بِإدْخالِ الأرْضِ المَفْتُوحَةِ تَحْتَ سُلْطانِهِ، ثُمَّ يَتْرُكُ النّاسَ، وما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ، يُؤَدُّونَ ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ في اعْتِقادِهِمْ كَما شاءَ ذَلِكَ الِاعْتِقادُ، وإنَّما يُكَلِّفُهم بِجِزْيَةٍ يَدْفَعُونَها، لِتَكُونَ عَوْنًا عَلى صِيانَتِهِمْ، والمُحافَظَةِ عَلى أمْنِهِمْ في دِيارِهِمْ، وهم في عَقائِدِهِمْ ومَعابِدِهِمْ وعاداتِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ أحْرارٌ، لا يُضايَقُونَ في عَمَلٍ، ولا يُضامُونَ في مُعامَلَةٍ. خُلَفاءُ المُسْلِمِينَ، كانُوا يُوصُونَ قُوّادَهم بِاحْتِرامِ العُبّادِ الَّذِينَ انْقَطَعُوا عَنِ العامَّةِ في الصَّوامِعِ والأدْيارِ لِمُجَرَّدِ العِبادَةِ، كَما كانُوا يُوصُونَهم بِاحْتِرامِ دِماءِ النِّساءِ والأطْفالِ، وكُلُّ مَن لَمْ يُعِنْ عَلى القِتالِ. جاءَتِ السُّنَّةُ المُتَواتِرَةُ بِالنَّهْيِ عَنْ إيذاءِ أهْلِ الذِّمَّةِ، وبِتَقْرِيرِ ما لَهم مِنَ الحُقُوقِ عَلى المُسْلِمِينَ، لَهم ما لَنا، وعَلَيْهِمْ ما عَلَيْنا، ومَن آذى ذِمِّيًّا فَلَيْسَ مِنّا واسْتَمَرَّ العَمَلُ عَلى ذَلِكَ ما اسْتَمَرَّتْ قُوَّةُ الإسْلامِ، ولَسْتُ أُبالِي إذا انْحَرَفَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ (p-٣١١٤)عَنْ هَذِهِ الأحْكامِ عِنْدَما بَدَأ الضَّعْفُ في الإسْلامِ وضِيقُ الصَّدْرِ مِن طَبْعِ الضَّعِيفِ، فَذَلِكَ مِمّا لا يُلْصَقُ بِطَبِيعَتِهِ، ويُخْلَطُ بِطِينَتِهِ. المَسِيحِيَّةُ السِّلْمِيَّةُ كانَتْ تَرى لَها حَقَّ القِيامِ عَلى كُلِّ دِينٍ يَدْخُلُ تَحْتَ سُلْطانِها، تُراقِبُ أعْمالَ أهْلِهِ، وتُخَصِّصُهم دُونَ النّاسِ بِضُرُوبٍ مِنَ المُعامَلَةِ لا يَحْتَمِلُها الصَّبْرُ، مَهْما عَظُمَ، حَتّى إذا تَمَّتْ لَها القُدْرَةُ عَلى طَرْدِهِمْ بَعْدَ العَجْزِ عَنْ إخْراجِهِمْ مِن دِينِهِمْ، وتَعْمِيدِهِمْ، أجْلَتْهم عَنْ دِيارِهِمْ، وغَسَلَتِ الدِّيارَ مِن آثارِهِمْ، كَما حَصَلَ ويَحْصُلُ في كُلِّ أرْضٍ اسْتَوْلَتْ عَلَيْها أُمَّةٌ مَسِيحِيَّةٌ اسْتِيلاءً حَقِيقِيًّا، لا يَمْنَعُ غَيْرَ المَسِيحِيِّ مِن تَعَدِّي المَسِيحِيِّ إلّا كَثْرَةُ العَدَدِ، أوْ شِدَّةُ العَضُدِ، كَما شاهَدَ التّارِيخَ، وكَما يَشْهَدُهُ كاتِبُوهُ. ثُمَّ قالَ: فَأنْتَ تَرى الإسْلامَ يَكْتَفِي مِنَ الأُمَمِ والطَّوائِفِ الَّتِي يُغْلَبُ عَلى أرْضِها، بِشَيْءٍ مِنَ المالِ، أقَلَّ مِمّا كانُوا يُؤَدُّونَهُ مِن قَبْلِ تَغَلُّبِهِ عَلَيْهِمْ، وبِأنْ يَعِيشُوا في هُدُوءٍ، لا يُعَكِّرُونَ مَعَهُ صَفْوَ الدَّوْلَةِ، ولا يُخِلُّونَ بِنِظامِ السُّلْطَةِ العامَّةِ، ثُمَّ يُرْخِي لَهم بَعْدَ ذَلِكَ عِنانَ الِاخْتِيارِ في شُؤُونِهِمُ الخاصَّةِ بِهِمْ، لا رَقِيبَ عَلَيْهِمْ فِيها إلّا ضَمائِرُهُمُ. انْتَهى. وفِي كِتابِ (" أشْهَرِ مَشاهِيرِ الإسْلامِ ") في بَحْثِ إجْلاءِ أهْلِ نَجْرانَ ما نَصُّهُ: إنَّ أساسَ الدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ التَّبْلِيغُ، وأنَّهُ لا إكْراهَ في الدِّينِ، فَمَن قَبِلَها كانَ مِنَ المُسْلِمِينَ، ومَن أبى فَعَلَيْهِ أنْ يَخْضَعَ لِسُلْطانِهِمْ، وأنْ يُعْطِيَهم جُزْءًا مِن مالِهِ يَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلى حِمايَةِ مالِهِ وعِرْضِهِ ونَفْسِهِ، ولَهُ عَلَيْهِمْ حَقُّ الوَفاءِ بِما عاهَدُوهُ عَلَيْهِ، وقالَ: لا يُفْتَنَ عَنْ دِينِهِ، وأنْ تَكُونَ لَهُ الذِّمَّةُ والعَهْدُ أنّى حَلَّ، وحَيْثُما وُجِدَ مِن مَمالِكِ الإسْلامِ، ما دامَ وافِيًا بِعَهْدِهِ، مُؤَدِّيًا لِجِزْيَتِهِ، لا يَخُونُ المُسْلِمِينَ، ولا يُمالِئُ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهم، وأحْسَنُ شاهِدٍ عَلى هَذا نَسُوقُهُ إلَيْكَ في هَذا الفَصْلِ، خَبَرُ أهْلِ نَجْرانَ اليَمَنِ، وكانُوا مِنَ الكِتابِيِّينَ، لِتَعْلَمَ كَيْفَ كانَتْ مُعامَلَةُ أهْلِ الذِّمَّةِ، ومَبْلَغُ مُحافَظَةِ الخُلَفاءِ عَلى عُهُودِهِمْ مَعَهم، ما لَمْ يَخُونُوا أوْ يَغْدِرُوا. وتَحْرِيرُ الخَبَرِ عَنْهم أنَّهم وفَدَ وفْدُهم عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ودَعاهم إلى الإسْلامِ فَأبَوْا، (p-٣١١٥)وسَألُوهُ الصُّلْحَ، وأنْ يَقْبَلَ مِنهُمُ الجَزاءَ، فَصالَحَهم عَلى شَيْءٍ مَعْلُومٍ، يُؤَدُّونَهُ كُلَّ سَنَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ وكَتَبَ لَهم بِذَلِكَ كِتابًا جَعَلَ لَهم فِيهِ ذِمَّةَ اللَّهِ وعَهْدَهُ، وأنْ لا يُفْتَنُوا عَنْ دِينِهِمْ، ومَراتِبِهِمْ فِيهِ، ولا يُحْشَرُوا ولا يُعْشَرُوا، وأنْ يُؤَمَّنُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ومِلَّتِهِمْ وأرْضِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وغائِبِهِمْ وشاهِدِهِمْ وعِيرِهِمْ، وبَعْثِهِمْ وأمْثِلَتِهِمْ. لا يُغَيَّرُ ما كانُوا عَلَيْهِنَّ ولا يُغَيَّرُ حَقٌّ مِن حُقُوقِهِمْ، ولا يَطَأُ أرْضَهم جَيْشٌ ومَن سَألَ مِنهم حَقًّا فَبَيْنَهُمُ النِّصْفُ، غَيْرَ ظالِمِينَ ولا مَظْلُومِينَ، ولَهم عَلى ذَلِكَ جِوارُ اللَّهِ، وذِمَّةِ رَسُولِهِ أبَدًا، حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ، ما نَصَحُوا وأصْلَحُوا. واشْتُرِطَ عَلَيْهِمْ أنْ لا يَأْكُلُوا الرِّبا، ولا يَتَعامَلُوا بِهِ. ولَمّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واسْتُخْلِفَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أقَرَّهم عَلى حالِهِمْ، وكَتَبَ لَهم كِتابًا عَلى نَحْوِ كِتابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مَعَ أنَّهُ كانَ يَتَخَوَّفَهم، ويَوَدُّ إجْلاءَهم لِما رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لا يَبْقَيَنَّ في جَزِيرَةِ العَرَبِ دِينانِ»» . ولَمّا حَضَرَ أبا بَكْرٍ الوَفاةُ، أوْصى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ بِإجْلاءِهِمْ لِنَقْضِهِمُ العَهْدَ بِإصابَتِهِمُ الرِّبا. فانْظُرْ كَيْفَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَرى أنْ لا يَجْتَمِعَ في جَزِيرَةِ العَرَبِ دَيْنانِ، لِأنَّ العَرَبَ أُمَّةٌ حَدِيثَةُ عَهْدٍ بِالإسْلامِ، قَدْ عانى ﷺ ما عانى في جَمْعِ كَلِمَتِها، وتَوْحِيدِ وُجْهَتِها، فَمِنَ الخَطَرِ أنْ يُوجَدَ بَيْنَ ظَهْرانِيها قَوْمٌ يَدِينُونَ بِغَيْرِ دِينِها، فَيَفْتِنُونَ مَن جاوَرَهم عَنِ الإسْلامِ، عَلى حَداثَةِ عَهْدِهِمْ فِيهِ، وعَدَمِ تَمَكُّنِهِمْ بَعْدُ مِن أُصُولِهِ الصَّحِيحَةِ. هَذا مِن وجْهٍ، ومِن وجْهٍ آخَرَ، فَإنَّ النَّجْرانِيِّينَ كانُوا يُتاجِرُونَ بِالرِّبا، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ عَلى مَن جاوَرَهم (p-٣١١٦)مِن أهْلِ اليَمَنِ، الَّذِينَ يَنْضُبُ التَّعامُلُ بِالرِّبا مَعِينَ ثَرْوَتِهِمْ، ويُؤْذِنُ بِفَقْرِهِمْ، عَلى غَيْرِ شُعُورِ مِنهم، لا سِيَّما وأنَّ الشَّرِيعَةَ الإسْلامِيَّةَ قَدْ حَرَّمَتْهُ تَحْرِيمًا باتًّا، ولا يُؤْمِنُ مِن أنَّ النَّجْرانِيِّينَ، بِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى تَعاطِي الرِّبا، يَحْمِلُونَ بَعْضَ مَن جاوَرَهم مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى ارْتِكابِ الإثْمِ بِالتَّعامُلِ مَعَهم بِالرِّبا. ومَعَ هَذِهِ الأسْبابِ الَّتِي تُلْجِيءُ إلى إكْراهِ النَّجْرانِيِّينَ عَلى الإسْلامِ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُكْرِهْهم عَلى ذَلِكَ، لِأنَّ شَرِيعَتَهُ لَمْ تَأْذَنْ بِإكْراهِ أهْلِ الكِتابِ عَلى الإسْلامِ، لِهَذا تَرَكَهم عَلى دِينِهِمْ، بَعْدَ أنْ دَعاهم إلى الإسْلامِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، فَأبَوْا، وأعْطاهم كِتابَ العَهْدِ المَذْكُورِ، إلّا أنَّهُ اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ فِيهِ أنْ لا يَخُونُوا المُسْلِمِينَ، ولا يَتَعامَلُوا بِالرِّبا كَما رَأيْتَ. ولَمّا اسْتُخْلِفَ أبُو بَكْرٍ أكَّدَ لَهم عَهْدَهُمُ الأوَّلَ، مَعَ أنَّهُ كانَ يَرى في وُجُودِهِمْ في جَزِيرَةِ العَرَبِ مِنَ الخَطَرِ ما كانَ يَراهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَلَمْ يَسَعْهُ في أمْرِهِمْ إلّا ما وسِعَ الرَّسُولَ ﷺ، حَتّى إذا عَلِمَ أنَّهم خانُوا العَهْدَ، وتَعامَلُوا بِالرِّبا، أمَرَ في حالِ مَرَضِهِ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِإجْلائِهِمْ عَنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ، دُونَ أنْ يُفْتَنُوا في دِينِهِمْ. ولَمّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كانَ أوَّلَ بَعْثٍ بَعَثَهُ، بَعْثُ أبِي عُبَيْدٍ إلى العِراقِ، وبَعْثُ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ إلى اليَمَنِ، وأمَرَهُ بِإجْلاءِ أهْلِ نَجْرانَ، وأنْ يُعامِلَهم بِالرَّأْفَةِ ويَشْتَرِيَ أمْوالَهم، ويُخَيِّرَهم عَنْ أرْضِهِمْ في أيِّ أرْضٍ شاءُوا مِن بِلادِ الإسْلامِ، لا أنْ يُعامِلَهم مُعامَلَةَ القَوِيِّ الغالِبِ لِلضَّعِيفِ المَغْلُوبِ، كَما هو شَأْنُ كُلِّ دَوْلَةٍ مِنَ الدُّوَلِ قَبْلَ الإسْلامِ وبَعْدَهُ، حَتّى الآنَ، في مُعامَلَةِ الأُمَمِ الَّتِي تُخالِفُ مَذْهَبَها، وتَخْضَعُ لِقُوَّةِ سُلْطانِها، فَتَفَرَّقُوا، فَنَزَلَ بَعْضُهُمُ الشّامَ، وبَعْضُهُمُ النَّجْرانِيَّةَ بِناحِيَةِ الكُوفَةِ، وبِهِمْ سُمِّيَتْ. ولَمْ تَقِفِ العِنايَةُ بِهِمْ في إجْلائِهِمْ، والمُحافَظَةِ عَلى ما بِيَدِهِمْ مِنَ العَهْدِ، وتَعْوِيضِهِمْ عَمّا تَرَكُوهُ مِنَ العَقارِ والمالِ عِنْدَ هَذا الحَدِّ، بَلْ كانُوا يَجِدُونَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الخُلَفاءِ كُلَّ رِعايَةٍ ورِفْقٍ. مِن ذَلِكَ أنَّهم شَكَوْا مَرَّةً إلى عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمّا اسْتُخْلِفَ - ضِيقَ أرْضِهِمْ، ومُزاحِمَةَ الدَّهاقِينِ لَهم، وطَلَبُوا إلَيْهِ (p-٣١١٧)تَخْفِيفَ جِزْيَتِهِمْ، فَكَتَبَ إلى الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، عامِلِهِ عَلى الكُوفَةِ، كِتابًا يُوصِيهِ بِهِمْ، ويَأْمُرُهُ أنْ يَضَعَ عَنْهم مِائَتَيْ حُلَّةٍ مِن جِزْيَتِهِمْ، لِوَجْهِ اللَّهِ، وعُقْبى لَهم مِن أرْضِهِمْ. ورَوى البَلاذُرِيُّ، أنَّهُ لَمّا ولِيَ مُعاوِيَةُ، أوْ يَزِيدُ بْنُ مُعاوِيَةَ، شَكَوْا إلَيْهِ تَفَرُّقَهم، ومَوْتُ مَن ماتَ مِنهم، وإسْلامُ مَن أسْلَمَ مِنهم، وأحْضَرُوهُ كِتابَ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، بِما حَطَّهم مِنَ الحُلَلِ، وقالُوا: إنَّما ازْدَدْنا نُقْصانًا وضَعْفًا، فَوَضَعَ عَنْهم مِائَتَيْ حُلَّةٍ تَتِمَّةَ أرْبَعِمِائَةِ حُلَّةٍ. فَلَمّا ولِيَ الحَجّاجُ العِراقَ، وخَرَجَ ابْنُ الأشْعَثِ عَلَيْهِ، اتَّهَمَهم والدَّهاقِينَ بِمُوالاتِهِ، فَرَدَّ جِزْيَتَهم إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ. فَلَمّا ولِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ الخِلافَةَ، شَكَوْا إلَيْهِ ظُلْمَ الحَجّاجِ ونَقَصَهم، فَأمَرَ فَأُحْصُوا فَبَلَغُوا العَشْرَ مِن عُدَّتِهِمْ، فَألْزَمَهم مِائَتَيْ حُلَّةٍ جِزْيَةً عَنْ رُؤُوسِهِمْ فَقَطْ. فَلَمّا ولِيَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ العِراقَ، في خِلافَةِ الوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ الأُمَوِيِّ رَدَّهم إلى ما كانُوا عَلَيْهِ، عَصَبِيَّةً لِلْحَجّاجِ. فَلَمّا انْقَضَتْ دَوْلَةُ الأُمَوِيِّ واسْتُخْلِفَ أبُو العَبّاسِ السَّفّاحُ، رَفَعُوا إلَيْهِ أمْرَهم، وما كانَ مِن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ ويُوسُفَ بْنِ عُمَرَ، فَرَدَّهم إلى مِائَتَيْ حُلَّةٍ ولَمّا اسْتُخْلِفَ هارُونُ الرَّشِيدُ شَكَوْا إلَيْهِ تَعَنُّتَ العُمّالِ مَعَهم، فَأمَرَ فَكُتِبَ لَهم كِتابٌ بِالمِائَتَيْ حُلَّةٍ، وبالَغَ بِالرِّفْقِ بِهِمْ، فَأمَرَ أنْ يُعْفَوْا مِن مُعامَلَةِ العُمّالِ، وأنْ يَكُونَ مُؤَدّاهم بَيْتَ المالِ بِالحَضْرَةِ، كَيْ لا يَتَعَنَّتَهم أحَدٌ مِنَ العُمّالِ. هَذا ما رَواهُ المُؤَرِّخُونَ في شَأْنِ هَؤُلاءِ الكِتابِيِّينَ الَّذِينَ أجْلاهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ. وقَدْ رَأيْتُ مِمّا مَرَّ مَبْلَغَ عِنايَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِهِمْ، لَمّا لَمْ يَرَ بُدًّا مِن إجْلائِهِمْ لِلْأسْبابِ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُها. وقَدْ كانَ مِنَ السَّهْلِ إكْراهُهم عَلى الإسْلامِ، ودُخُولُهم فِيهِ، كَما دَخَلَ أُولَئِكَ المَلايِينُ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ، وعامَّةِ سُكّانِ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ، طَوْعًا أوْ كَرْهًا. وإنَّما هو الشَّرْعُ الإسْلامِيُّ، مَنَعَ مِن إكْراهِ غَيْرِ مُشْرِكِي العَرَبِ عَلى الإسْلامِ، كَما مَنَعَ مِن نَقْضَ العَهْدِ، وخَفْرِ الذِّمَّةِ إلّا بِسَبَبٍ مَشْرُوعٍ. لِهَذا، لَمّا خانَ النَّجْرانِيُّونَ عَهْدَهم بِتَعامُلِهِمْ بِالرِّبا، وقَدْ عاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ألّا يَتَعامَلُوا بِهِ في الجَزِيرَةِ، (p-٣١١٨)ساغَ لِأمِيرِ المُؤْمِنِينَ إجْلاؤُهم إلى غَيْرِها، بَعْدَ أنْ عَوَّضَهم عَنِ المالِ والعَقارِ بِمِثْلِهِ. وما زالَ الخُلَفاءُ بَعْدَهُ - مُبالَغَةً بِالرِّفْقِ بِأهْلِ الكِتابِ، وقِيامًا بِواجِبِ السِّيادَةِ العادِلَةِ، ووَفاءً بِعَهْدِ اللَّهِ والرَّسُولِ - يُعامِلُونَ النَّجْرانِيِّينَ بِأحْسَنِ ما تُعامَلُ بِهِ عامَّةُ الرَّعِيَّةِ مِنَ المُسْلِمِينَ ويَدْفَعُونَ عَنْهم أذى الظُّلْمِ والإجْحافِ كَما رَأيْتَ. ونَتَجَ مِن هَذِهِ القِصَّةِ ثَلاثَةُ أُمُورٍ: الأمْرُ الأوَّلُ: عَدَمُ إكْراهِ النَّجْرانِيِّينَ عَلى الإسْلامِ، مَعَ تَعَيُّنِ الخَطَرِ مِن وُجُودِهِمْ في جَزِيرَةِ العَرَبِ، لِحَداثَةِ عَهْدِ أهْلِها بِالإسْلامِ، ذَلِكَ لِأنَّ عَدَمَ الإكْراهِ مِن أُصُولِ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ، والجِهادُ الَّذِي يُعَظِّمُ أمْرَهُ أعْداءُ المُسْلِمِينَ إنَّما شُرِعَ لِحِمايَةِ الدَّعْوَةِ لا لِلْإكْراهِ، إلّا جِهادُ مُشْرِكِي العَرَبِ يَوْمَئِذٍ، فَقَدْ شُرِعَ لِإرْغامِهِمْ عَلى الإسْلامِ، لِأسْبابٍ حَكِيمَةٍ لا تَخْفى عَلى بَصِيرٍ، أهَمُّها تَطْهِيرُ نُفُوسِ تِلْكَ الأُمَّةِ العَظِيمَةِ مِن شُرُورِ الوَثَنِيَّةِ، واسْتِئْصالُ شَأْفَةِ الجَهْلِ والتَّوَحُّشِ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ، الَّتِي كانَتْ وسَطًا بَيْنَ مَمالِكِ الشَّرْقِ والغَرْبِ، مِن آسْيا وإفْرِيقِيا وأُورُبّا، بَلْ هي نُقْطَةُ الصِّلَةِ السِّياسِيَّةِ والتِّجارِيَّةِ بَيْنَ تِلْكَ المَمالِكِ، فانْتِشارُ أنْوارِ المَدَنِيَّةِ والدِّينِ فِيها، يَسْتَلْزِمُ انْتِشارَها بِطَبِيعَةِ المُجاوَرَةِ والإشْرافِ عَلى تِلْكَ المَمالِكِ أيْضًا، قَدْ كانَ ذَلِكَ كَما هو مَعْلُومٌ. والأمْرُ الثّانِي: عَدَمُ حَيْدِ الخُلَفاءِ عَنْ أمْرِ الشّارِعِ فِيما أمَرَ بِهِ مِنَ الوَفاءِ بِالعُهُودِ، وتَأْكِيدِهِمْ لِعَهْدِ النَّجْرانِيِّينَ، الواحِدِ تِلْوَ الآخَرِ، عَلى ضَعْفِ هَؤُلاءِ وقِلَّتِهِمْ، وقُوَّةِ الخِلافَةِ الإسْلامِيَّةِ وسُلْطانِها، وإنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَنْ رَهْبَةٍ أوْ رَغْبَةٍ، بَلْ عَنْ مَحْضِ تَمَسُّكٍ بِالعَهْدِ، وعَدْلٍ بَيْنَ الشُّعُوبِ الخاضِعِينَ لِسَلَطَةِ الخِلافَةِ، وسُلْطانِ الإسْلامِ، مِن كُلِّ مِلَّةٍ ودِينٍ. والأمْرُ الثّالِثُ: حِرْصُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى قاعِدَةِ حِمايَةِ الذِّمِّيِّ في نَفْسِهِ ومالِهِ، بِتَعْوِيضِهِ النَّجْرانِيِّينَ عَنْ أرْضِهِمْ ومالِهِمْ بِالمِثْلِ مِن أرْضِ المُسْلِمِينَ ومالِهِمْ، لَمّا قَضَتِ الضَّرُورَةُ بِإجْلائِهِمْ عَنْ أرْضِهِمْ، إلى غَيْرِها مِن بِلادِ المُسْلِمِينَ. وقَدْ ذُكِرَ في سِيرَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ (p-٣١١٩)عَنْهُما ما فَعَلَهُ مِن هَذا القَبِيلِ مِن أهْلِ عَرْبَسُوسَ مِن ثُغُورِ الرُّومِ، وكَيْفَ أنَّهُ لَمّا أمَرَ بِإجْلائِهِمْ عَنْ أرْضِهِمْ لِخِيانَتِهِمْ جِوارَ المُسْلِمِينَ، ونِكْثِهِمْ عَهْدَ الأمانَةِ والصِّدْقِ، أمَرَ بِأنْ يُعَوَّضُوا عَنْ مالِهِمْ وعَقارِهِمْ ونَعَمِهِمْ ضِعْفَيْنِ. وما زالَ الخُلَفاءُ في أيّامِ الفُتُوحِ العَظِيمَةِ وما بَعْدَها يُحافِظُونَ عَلى حَقِّ القَرارِ الثّابِتِ، والمُلْكِ القَدِيمِ، لِلْأقْوامِ المَغْلُوبِينَ لِلْمُسْلِمِينَ، الخاضِعِينَ لِسُلْطانِهِمْ، سَواءٌ كانُوا مِنَ المَسِيحِيِّينَ أوْ غَيْرِهِمْ، ولَمْ يُؤْثَرْ عَنْ أحَدٍ مِنهم أنَّهُ طَرَدَ قَوْمًا مِن أرْضِهِمْ، أوِ انْتَزَعَها مِنهم بِغَيْرِ حَقٍّ ولا عِوَضٍ. لا عِبْرَةَ بِما رُبَّما يَقَعُ مِن هَذا القَبِيلِ عَلى بَعْضِ الأفْرادِ مِن جَوْرِ بَعْضِ العُمّالِ الَّذِينَ غَلَبَتْ شَهَواتُهم عَلى الفَضِيلَةِ، فَحادُوا عَنْ طَرِيقِ الشَّرْعِ، فَإنَّهُ قَدْ يُصِيبُ أفْرادَ المُسْلِمِينَ مِن جَوْرِ هَؤُلاءِ أكْثَرَ مِمّا يُصِيبُ غَيْرَهم، ولَيْسَ في هَذا ما يَقْدَحُ في أُصُولِ الحُكْمِ الإسْلامِيِّ الَّذِي يَأْبى الظُّلْمَ، ويَدْعُو إلى الرَّأْفَةِ والعَدْلِ، هَذا شَأْنُ الإسْلامِ في المُحافَظَةِ عَلى حُقُوقِ الأُمَمِ المَغْلُوبَةِ. وقَدْ رَأيْتُ مِمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ لَمْ يُعْطَ لِلْمُسْلِمِينَ مِن حُقُوقِ الغَلَبِ الَّتِي يَنْتَحِلُها الغالِبُونَ في كُلِّ عَصْرٍ، إلّا ما تَدْعُو إلَيْهِ الضَّرُورَةُ القُصْوى، وتَسْتَلْزِمُهُ سَلامَةُ المُلْكِ والدِّينِ، لا ما تَدْعُو إلَيْهِ شَهَواتُ المُلْكِ، ورَغَباتُ الأُمَّةِ الغالِبَةِ. وقَدْ عَلِمَ هَذا المُسْلِمُونَ وخُلَفاؤُهم، وأنَّ لِأهْلِ الذِّمَّةِ ما لَهم، وعَلَيْهِمْ ما عَلَيْهِمْ، فَبالَغُوا في الرَّأْفَةِ بِأهْلِ جِوارِهِمْ، والدّاخِلِينَ في ذِمَّتِهِمْ مِن أرْبابِ المِلَلِ الأُخْرى، فَتَرَكُوا لَهم حُرِّيَّةَ التَّمَلُّكِ والدِّينِ، لَمْ يُنازِعُوهم حَقًّا مِن حُقُوقِ المُواطَنَةِ والجِوارِ، بَلْ كانُوا يَعْتَبِرُونَهم جُزْءًا مِنَ الدَّوْلَةِ، وعُضْوًا مِن أعْضاءِ مُجْتَمَعِهِمْ لا غِنى عَنْ مُشارَكَتِهِ في العَمَلِ، ومُشاطَرَتِهِ أسْبابَ السَّعادَةِ المَدَنِيَّةِ، والحَياةِ الوَطَنِيَّةِ. يُؤَيِّدُ هَذا اعْتِمادُ الخُلَفاءِ الأُمَوِيِّينَ والعَبّاسِيِّينَ عَلى أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى في تَرْتِيبِ دَواوِينِ الخَراجِ وتَرْجَمَةِ عُلُومِ اليُونانَ، وتَقْرِيبِ النّابِغِينَ مِنهم في عُلُومِ الهَنْدَسَةِ والطِّبِّ إلَيْهِمْ، واعْتِمادِهِمْ في شِفاءِ عِلَلِهِمْ عَلَيْهِمْ، بَلْ بَلَغَ بِالمُسْلِمِينَ اعْتِبارُهم لِأهْلِ الكِتابِ عُضْوًا مِن جِسْمِ هَيْأتِهِمُ الِاجْتِماعِيَّةِ، لا يَجُوزُ فَصْلُهُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ أنَّ جُيُوشَ التَّتارِ لَمّا اكْتَسَحَتْ بِلادُ الإسْلامِ مِن حُدُودِ الصِّينِ إلى الشّامِ، (p-٣١٢٠)ووَقَعَ في أسْرِهِمْ مَن وقَعَ مِنَ المُسْلِمِينَ والنَّصارى، ثُمَّ خَضَّدَ المُسْلِمُونَ شَوْكَةَ التَّتارِ في الشّامِ، ودانَ مُلُوكُهم بِالإسْلامِ، خاطَبَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَأْسُ العُلَماءِ في عَصْرِهِ أمِيرَ التَّتارِ قَطْلُوشاهْ بِإطْلاقِ الأسْرى، فَسَمَحَ لَهُ بِالمُسْلِمِينَ، وأبى أنْ يَسْمَحَ لَهُ بِأهْلِ الذِّمَّةِ، فَقالَ لَهُ شَيْخُ الإسْلامِ: لا بُدَّ مِنِ افْتِكاكِ جَمِيعِ مَن مَعَكَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ هم أهْلُ ذِمَّتِنا، ولا نَدَعُ أسِيرًا لا مِن أهْلِ المِلَّةِ، ولا مِن أهْلِ الذِّمَّةِ، فَأطْلَقَهم لَهُ. انْتَهى. ومِنهُ يُعْلَمُ شَأْنُ الحُكْمِ الإسْلامِيَ في أهْلِ الذِّمَّةِ، ومَبْلَغُ عِنايَةِ الخُلَفاءِ والعُلَماءِ بِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى:
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب