الباحث القرآني

(p-٦١٢٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الأعْلى مَكِّيَّةٌ وآيُها تِسْعَ عَشْرَةَ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والدَّلِيلُ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ ما رَواهُ البُخارِيُّ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «أوَّلُ مَن قَدِمَ عَلَيْنا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَجَعَلا يُقْرِئانِنا القُرْآنَ. ثُمَّ جاءَ عَمّارٌ وبِلالٌ وسَعْدٌ. ثُمَّ جاءَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ في عِشْرِينَ. ثُمَّ جاءَ النَّبِيُّ ﷺ. فَما رَأيْتُ أهْلَ المَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهم بِهِ. حَتّى رَأيْتُ الوَلائِدَ والصِّبْيانَ يَقُولُونَ هَذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ جاءَ. فَما جاءَ حَتّى قَرَأْتُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ في سُوَرٍ مِثْلِها». وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾» تَفَرَّدَ بِهِ الإمامُ أحْمَدُ. وثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى». وعَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في العِيدَيْنِ ويَوْمِ الجُمُعَةِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ. ورُبَّما اجْتَمَعا في يَوْمٍ واحِدٍ فَقَرَأهُما». رَواهُ مُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ. وعَنْ عائِشَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الوِتْرِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، وقُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ وقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ والمُعَوِّذَتَيْنِ». (p-٦١٢٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٥ ] ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ [الأعلى: ٢] ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٣] ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ [الأعلى: ٤] ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ [الأعلى: ٥] ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ أيْ: نَزِّهْ رَبَّكَ عَمّا يَصِفُهُ بِهِ المُشْرِكُونَ مِنَ الوَلَدِ والشَّرِيكِ ونَحْوِهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] فالِاسْمُ صِلَةٌ. وسِرُّ إيرادِهِ أنَّ المُنَوَّهَ بِهِ إذا كانَ في غايَةِ العَظَمَةِ، كَثِيرًا ما تُضافُ ألْفاظُ التَّفْخِيمِ إلى اسْمِهِ، فَيُقالُ: سَبِّحِ اسْمَهُ ومَجِّدْ ذِكْرَهُ، كَما يُقالُ: سَلامٌ عَلى المَجْلِسِ العالِي. هَذا ما ذَكَرُوهُ. وثَمَّةَ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الحَقَّ تَعالى إنَّما يُعْرَفُ بِأسْمائِهِ الحُسْنى، لِاسْتِحالَةِ اكْتِناهِ ذاتِهِ العَلِيَّةِ، فَأُقْحِمَ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ. ومِمّا يُؤَيِّدُهُ ما ذُكِرَ مِنَ الأخْبارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَنِ الصَّحابَةِ أنَّهم ««كانُوا إذا قَرَؤُوا ذَلِكَ قالُوا: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى»»، كَما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المُرادَ تَنْزِيهُ اسْمِ اللَّهِ وتَقْدِيسُهُ أنْ يُسَمّى بِهِ شَيْءٌ سِواهُ، كَما كانَ يَفْعَلُ المُشْرِكُونَ مِن تَسْمِيَتِهِمْ آلِهَتَهُمْ، بَعْضَها اللّاتِ وبَعْضَها العُزّى، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ؛ فالإسْنادُ عَلى ظاهِرِهِ، وهَذا ما اعْتَمَدَهُ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ في (الفَصْلِ) حَيْثُ رَدَّ عَلى مَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ (p-٦١٢٩)فِي أنَّ الِاسْمَ عُيِّنَ المُسَمّى، ذَهابًا إلى أنَّ مِنَ المُمْتَنِعِ أنْ يَأْمُرَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بِأنْ يُسَبَّحَ غَيْرُهُ. فَقالَ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَهو عَلى ظاهِرِهِ دُونَ تَأْوِيلٍ؛ لِأنَّ التَّسْبِيحَ في اللُّغَةِ الَّتِي بِها نَزَلَ القُرْآنُ وبِها خاطَبَنا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، هو تَنْزِيهُ الشَّيْءِ عَنِ السُّوءِ، وبِلا شَكٍّ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنا أنْ نُنَزِّهَ اسْمَهُ الَّذِي هو كَلِمَةٌ مَجْمُوعَةٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، عَنْ كُلِّ سُوءٍ حَيْثُ كانَ مِن كِتابٍ أوْ مَنطُوقًا بِهِ. ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] مَعْنًى واحِدٌ، وهو أنْ يُسَبِّحَ اللَّهَ تَعالى بِاسْمِهِ. ولا سَبِيلَ إلى تَسْبِيحِهِ تَعالى ولا إلى دُعائِهِ ولا إلى ذِكْرِهِ إلّا بِتَوَسُّطِ اسْمِهِ؛ فَكِلا الوَجْهَيْنِ صَحِيحٌ. وتَسْبِيحُ اللَّهِ تَعالى وتَسْبِيحُ اسْمِهِ كُلُّ ذَلِكَ واجِبٌ بِالنَّصِّ. ولا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٥٢] وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] والحَمْدُ بِلا شَكٍّ هو غَيْرُ اللَّهِ، وهو تَعالى يُسَبَّحُ بِحَمْدِهِ كَما يُسَبَّحُ بِاسْمِهِ، ولا فَرْقَ؛ فَبَطَلَ تَعَلُّقُهم بِهَذِهِ الآيَةِ. انْتَهى كَلامُهُ. وقَدْ يُقالُ: فَرْقٌ بَيْنَ الآيَتَيْنِ، فَإنَّ الباءَ في "بِحَمْدِ رَبِّكَ" لِلْمُلابَسَةِ، ولا كَذَلِكَ هي في "بِاسْمِ رَبِّكَ" ومَعَ اتِّساعِ اللَّفْظِ الكَرِيمِ لِلْأوْجُهِ كُلِّها، فالأظْهَرُ هو الأوَّلُ لِما أيَّدَهُ مِنَ الأخْبارِ ولِآيَةِ "فَسَبِّحْهُ" وآيَةِ "سُبْحانَ رَبِّكَ" واللَّهُ أعْلَمُ. و"الأعْلى" هو الأرْفَعُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، قُدْرَةً ومُلْكًا وسُلْطانًا. واسْتَدَلَّ السَّلَفُ بِظاهِرِهِ في إثْباتِ العُلُوِّ بِلا تَكْيِيفٍ. والمَسْألَةُ مَعْرُوفَةٌ. ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ [الأعلى: ٢] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَسَوّى خَلْقَهُ تَسْوِيَةً، ولَمْ يَأْتِ بِهِ مُتَفاوِتًا غَيْرَ مُلْتَئِمٍ، ولَكِنْ عَلى إحْكامٍ واتِّساقٍ، ودَلالَةٍ عَلى أنَّهُ صادِرٌ عَنْ عالِمٍ، وأنَّهُ (p-٦١٣٠)صَنْعَةُ حَكِيمٍ. ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٣] أيْ: قَدَّرَ لِكُلِّ حَيَوانٍ ما يُصْلِحُهُ، فَهَداهُ إلَيْهِ وعَرَّفَهُ وجْهَ الِانْتِفاعِ بِهِ. ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ [الأعلى: ٤] أيْ: أخْرَجَ مِنَ الأرْضِ مَرْعى الأنْعامِ مِن صُنُوفِ النَّباتِ. ﴿فَجَعَلَهُ﴾ [الأعلى: ٥] أيْ: بَعْدَ خُضْرَتِهِ ونَضْرَتِهِ ﴿غُثاءً﴾ [الأعلى: ٥] أيْ: جافًّا يابِسًا تَطِيرُ بِهِ الرِّيحُ ﴿أحْوى﴾ [الأعلى: ٥] أيْ: أسْوَدَ، صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِـ: "غُثاءً"؛ لِأنَّ النَّباتَ إذا يَبِسَ تَغَيَّرَ إلى (الحُوَّةِ)، وهي السَّوادُ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وكانَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ بِكَلامِ لُغَةِ العَرَبِ يَرى أنَّ ذَلِكَ مِنَ المُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْناهُ التَّقْدِيمُ، وأنَّ مَعْنى الكَلامِ: والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى أحَوى، أيْ: أخْضَرُ إلى السَّوادِ فَجَعَلَهُ غُثاءً بَعْدَ ذَلِكَ. وهَذا القَوْلُ وإنْ كانَ غَيْرَ مَدْفُوعٍ، أنْ يَكُونَ ما اشْتَدَّتْ خُضْرَتُهُ مِنَ النَّباتِ، قَدْ تُسَمِّيهِ العَرَبُ أسْوَدَ، غَيْرُ صَوابٍ عِنْدِي بِخِلافِ تَأْوِيلِ أهْلِ التَّأْوِيلِ في أنَّ الحَرْفَ إنَّما يَحْتالُ لِمَعْناهُ المَخْرَجَ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ وجْهٌ مَفْهُومٌ إلّا بِتَقْدِيمِهِ عَنْ مَوْضِعِهِ أوْ تَأْخِيرِهِ، فَأمّا ولَهُ في مَوْضِعِهِ وجْهٌ صَحِيحٌ، فَلا وجْهَ لِطَلَبِ الِاحْتِيالِ لِمَعْناهُ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ. انْتَهى. والقَوْلُ المَذْكُورُ هو لِلْفَرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب