الباحث القرآني
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٩] ﴿فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾
﴿فَتَوَلّى﴾ " أيْ فَأعْرَضَ صالِحٌ ﴿عَنْهم وقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي﴾ " المُتَضَمِّنَةَ لِتَخْوِيفِ العَذابِ عَنْهُ ﴿ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾ " فَأمَرْتُكم بِكُلِّ خَيْرٍ، ونَهَيْتُكم عَنْ كُلِّ شَرٍّ ﴿ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ " أيْ مِنَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ والعُلَماءِ لِمُخالَفَتِهِمْ أهْوِيَتَكم.
والظّاهِرُ أنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُشاهِدًا لِما جَرى عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ تَوَلّى عَنْهُمْ، بَعْدَ ما أبْصَرَهم جاثِمِينَ، تَوَلّى مُغْتَمٍّ مُتَحَسِّرٍ عَلى ما فاتَهُ مِن إيمانِهِمْ، يَتَحَزَّنُ لَهم بِقَوْلِهِ ﴿يا قَوْمِ﴾ " إلَخْ، كَذا في (الكَشّافِ)، أوْ خاطَبَهم «خِطابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أهْلَ قَلِيبِ بَدْرٍ حَيْثُ قالَ: (p-٢٧٩٠)«إنّا وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا»» - كَما رَواهُ البُخارِيُّ - لا تَحَزُّنًا، ولَكِنْ إعْلامًا بِنَصْرِ اللَّهِ لَهُ، وتَحْقِيقِ رِسالَتِهِ، زِيادَةً في حُزْنِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ، فَإنَّ الأحْياءَ لَيْسُوا بِأسْمَعَ مِنهُمْ، ولَكِنْ لا يَتَكَلَّمُونَ. كَما في (الصَّحِيحِ). ويَجُوزُ عَطْفُ قَوْلِهِ ﴿فَتَوَلّى﴾ " عَلى قَوْلِهِ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ٧٨] "، فَيَكُونُ الخِطابُ لَهم حِينَ أشْرَفُوا عَلى الهَلاكِ، لا بَعْدَهُ. فَيَكُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَوَلّى عَنْهم تَوَلِّي ذاهِبٍ عَنْهُمْ، مُنْكِرٍ لِإصْرارِهِمْ حِينَ رَأى عَلاماتِ نُزُولِ العَذابِ. والمُتَبادِرُ الأوَّلُ لِظُهُورِ الفاءِ في التَّعْقِيبِ - واللَّهُ أعْلَمُ -.
تَنْبِيهاتٌ
الأوَّلُ: نَأْثُرُ هُنا ما رَواهُ عُلَماءُ التّارِيخِ والنَّسَبِ في بَسْطِ قِصَّةِ ثَمُودَ، لِمَكانِ العِظَةِ والِاعْتِبارِ مُفَصَّلًا، وإلّا، فَجَلِيٌّ أنَّ ما أجْمَلَهُ التَّنْزِيلُ الكَرِيمُ لا غايَةَ وراءَهُ في ذَلِكَ، وما سَكَتَ عَنْ بَيانِهِ مِن تِلْكَ القِصَصِ، فَلا حاجَةَ إلى السَّعْيِ وراءَهُ لِفَقْدِ القَطْعِ بِهِ، اللَّهُمَّ إلّا لِزِيادَةِ الِاتِّعاظِ، وتَقْوِيَةِ العِبْرَةِ، ولِذا صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ ولا حَرَجَ»» .
وخُلاصَةُ ما رَوَوْهُ عَنْ ثَمُودَ أنَّ عادًا لَمّا هَلَكَتْ، عَمَّرَتْ ثَمُودُ بِلادَها، وخَلَفُوهم في الأرْضِ، وكانُوا في سِعَةٍ ورَخاءٍ مِنَ العَيْشِ، فَعَتَوْا عَلى اللَّهِ، وأفْسَدُوا في الأرْضِ، وعَبَدُوا الأوْثانَ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانُوا قَوْمًا عَرَبًا، وصالِحٌ مِن أوْسَطِهِمْ نَسَبًا، فَدَعاهم إلى عِبادَتِهِ تَعالى وحْدَهُ، فَلَمْ يَتْبَعْهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم مُسْتَضْعَفُونَ، فَحَذَّرَهم وأنْذَرَهُمْ، فَسَألُوهُ آيَةً، واقْتَرَحُوا عَلَيْهِ بِأنْ يُخْرِجَ لَهم ناقَةً عُشَراءَ، تَمَخَّضَ مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ، عَيَّنُوها بِأنْفُسِهِمْ، وكانَتْ صَخْرَةً مُنْفَرِدَةً في ناحِيَةِ الجَبَلِ، يُقالُ لَها (الكائِبَةُ)، فَأخَذَ عَلَيْهِمْ صالِحٌ العُهُودَ والمَواثِيقَ: لَئِنْ أجابَهُمُ اللَّهُ إلى طُلْبَتِهِمْ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَيَتْبَعْنَهُ. فَلَمّا أعْطَوْهُ عَلى ذَلِكَ عُهُودَهم ومَواثِيقَهُمْ، قامَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى صَلاتِهِ، ودَعا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، فَتَحَرَّكَتْ تِلْكَ الصَّخْرَةُ، (p-٢٧٩١)ثُمَّ انْصَدَعَتْ عَنْ ناقَةٍ جَوْفاءَ وبْراءَ، يَتَحَرَّكُ جَنِينُها بَيْنَ جَنْبَيْها، كَما سَألُوا. فَعِنْدَ ذَلِكَ آمَنَ رَئِيسُهم جَنْدَعُ بْنُ عَمْرِو بْنِ لَبِيدٍ، والخَبّابُ صاحِبُ أوْثانِهِمْ، ورَبابُ بْنُ صَعْمَرَ بْنِ جَلْمَسَ. وكانَ لِجَنْدَعَ بْنِ عَمْرٍو ابْنُ عَمٍّ لَهُ، شِهابُ بْنُ خَلِيفَةَ بْنِ مُحَلّاةَ بْنِ لَبِيدِ بْنِ جَواسَّ، وكانَ مِن أشْرافِ ثَمُودَ وأفاضِلِها، فَأرادَ أنْ يُسْلِمَ أيْضًا فَنَهاهُ أُولَئِكَ الرَّهْطُ، فَأطاعَهُمْ، فَقالَ في ذَلِكَ رَجُلٌ مِن مُؤْمِنِي ثَمُودَ يُقالُ لَهُ مِهْوَشُ بْنُ عَنْمَةَ بْنِ الزَّمِيلِ رَحِمَهُ اللَّهُ:
؎وكانَتْ عُصْبَةٌ مِن آلِ عَمْرٍو إلى دِينِ النَّبِيِّ دَعَوْا شِهابا
؎عَزِيزَ ثَمُودَ كُلِّهِمُ جَمِيعًا ∗∗∗ فَهَمَّ بِأنْ يُجِيبَ ولَوْ أجابا
؎لَأصْبَحَ صالِحٌ فِينا عَزِيزًا ∗∗∗ وما عَدَلُوا بِصاحِبِهِمْ ذُؤابا
؎ولَكِنَّ الغُواةَ مِنَ آلِ حِجْرٍ ∗∗∗ تَوَلَّوْا بَعْدَ رُشْدِهِمُ ذُبابا
وأقامَتِ النّاقَةُ وفَصِيلُها، بَعْدَ ما وضَعَتْهُ، بَيْنَ أظْهُرِهِمْ مُدَّةً، تَشْرَبُ مِن بِئْرِها يَوْمًا، وتَدَعُهُ لَهم يَوْمًا، وكانُوا يَشْرَبُونَ لَبَنَها يَوْمَ شُرْبِها، يَحْتَلِبُونَها فَيَمْلَؤُونَ ما شاؤُوا مِن أوْعِيَتِهِمْ وأوانِيهِمْ، كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿ونَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] وقالَ تَعالى: ﴿هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] وكانَتْ تَسْرَحُ في بَعْضِ تِلْكَ الأوْدِيَةِ، تَرِدُ مِن فَجٍّ، وتَصْدُرُ مِن غَيْرِهِ، لِيَسَعَها. لِأنَّها كانَتْ تَتَضَلَّعُ مِنَ الماءِ، وكانَتْ -عَلى ما ذُكِرَ- خَلْقًا هائِلًا، ومَنظَرًا رائِعًا، إذا مَرَّتْ بِأنْعامِهِمْ نَفَرَتْ مِنها، فَلَمّا طالَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، واشْتَدَّ تَكْذِيبُهم لِصالِحِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، عَزَمُوا عَلى قَتْلِها لِيَسْتَأْثِرُوا بِالماءِ كُلَّ يَوْمٍ. فَيُقالُ إنَّهُمُ اتَّفَقُوا كُلُّهم عَلى قَتْلِها. قالَ قَتادَةُ: بَلَغَنِي أنَّ الَّذِي قَتَلَها طافَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ أنَّهم راضُونَ لِقَتْلِها، حَتّى عَلى النِّساءِ في خُدُورِهِنَّ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قُلْتُ وهَذا هو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ [الشمس: ١٤] (p-٢٧٩٢)وقالَ: ﴿وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها﴾ [الإسراء: ٥٩] وقالَ ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ [الأعراف: ٧٧] فَأسْنَدَ ذَلِكَ إلى مَجْمُوعِ القَبِيلَةِ، فَدَلَّ عَلى رِضى جَمِيعِهِمْ بِذَلِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ -.
وذَكَرَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ مِن عُلَماءِ التَّفْسِيرِ، أنَّ سَبَبَ قَتْلِها، أنَّ امْرَأةً مِن ثَمُودَ يُقالُ لَها ( عُنَيْزَةُ بِنْتُ غُنْمِ بْنِ مِجْلَزٍ، تُكَنّى بِأُمِّ غُنْمٍ، وهي مِن بَنِي عُبَيْدِ بْنِ المَهْلِ، أخِي رُمَيْلِ بْنِ المَهْلِ، وكانَتِ امْرَأةَ ذُؤابِ بْنِ عَمْرٍو، وكانَتْ عَجُوزًا مُسِنَّةً، وكانَتْ ذاتَ بَناتٍ حِسانٍ، وكانَتْ ذاتَ مالٍ مِن إبِلٍ وبَقَرٍ وغَنَمٍ.
وامْرَأةٌ أُخْرى يُقالُ لَها (صَدُوفُ بِنْتُ المُحَيّا بْنِ دَهْرِ بْنِ المُحَيّا)، سَيِّدِ بَنِي عُبَيْدٍ وصاحِبِ أوْثانِهِمْ في الزَّمَنِ الأوَّلِ، وكانَ الوادِي يُقالُ لَهُ (وادِي المُحَيّا، وهو المُحَيّا الأكْبَرُ، جَدُّ المُحَيّا الأصْغَرِ أبِي صَدُوفَ.
وكانَتْ صَدُوفُ مِن أحْسَنِ النّاسِ، وكانَتْ غَنِيَّةً ذاتَ مالٍ مِن إبِلٍ وغَنَمٍ وبَقَرٍ، وكانَتا مِن أشَدِّ امْرَأتَيْنِ في ثَمُودَ عَداوَةً لِصالِحٍ، وأعْظَمِهِ بِهِ كُفْرًا.
وكانَتا تَحْتالانِ أنْ تُعْقَرَ النّاقَةُ مَعَ كُفْرِهِما بِهِ، لِما أضَرَّتْ بِهِ مِن مَواشِيهِما.
وكانَتْ صَدُوفُ عِنْدَ ابْنِ خالٍ لَها يُقالُ لَهُ (صُنْتُمُ بْنُ هَراوَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ الغِطْرِيفِ)، مِن بَنِي هَلْسٍ، فَأسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ.
وكانَتْ صَدُوفُ قَدْ فَوَّضَتْ إلَيْهِ مالَها، فَأنْفَقَهُ عَلى مَن أسْلَمَ مَعَهُ مِن أصْحابِ صالِحٍ، حَتّى رَقَّ المالُ.
(p-٢٧٩٣)فاطَّلَعَتْ عَلى ذَلِكَ مِن إسْلامِهِ صَدُوفُ، فَعاتَبَتْهُ عَلى ذَلِكَ، فَأظْهَرَ لَها دِينَهُ، ودَعاها إلى اللَّهِ وإلى الإسْلامِ فَأبَتْ عَلَيْهِ وبَيَّتَتْ لَهُ، فَأخَذَتْ بَنِيهِ وبَناتَهُ مِنهُ فَغَيَّبَتْهم في بَنِي عَبِيدٍ، بَطْنِها الَّذِي هي مِنهُ.
وكانَ صُنْتُمُ زَوْجُها مِن بَنِي هُلَيْلٍ، وكانَ ابْنَ خالِها، فَقالَ لَها: رُدِّي عَلَيَّ ولَدِي. فَقالَتْ: حَتّى أُنافِرَكَ إلى بَنِي صَنْعانَ بْنِ عَبِيدٍ أوْ إلى بَنِي جَنْدَعَ بْنِ عَبِيدٍ، فَقالَ لَها صُنْتُمُ: بَلْ أُنافِرُكِ إلى بَنِي مِرْداسِ بْنِ عَبِيدٍ، وذَلِكَ أنَّ بَنِي مِرْداسِ بْنِ عَبِيدٍ كانُوا قَدْ سارَعُوا في الإسْلامِ وأبْطَأ عَنْهُ الآخَرُونَ.
فَقالَتْ: لا أُنافِرُكَ إلّا إلى مَن دَعَوْتُكَ إلَيْهِ.
فَقالَ بَنُو مِرْداسٍ: واللَّهِ لِتُعْطِنَّهُ ولَدَهُ طائِعَةً أوْ كارِهَةً.
فَلَمّا رَأتْ ذَلِكَ أعْطَتْهُ إيّاهم.
ثُمَّ إنَّ صَدُوفَ وعُنَيْزَةَ مَحَلَتا في عَقْرِ النّاقَةِ لِلشَّقاءِ الَّذِي نَزَلَ، فَدَعَتْ صَدُوفُ رَجُلًا مِن ثَمُودَ يُقالُ لَهُ (الحُبابُ) لِعَقْرِ النّاقَةِ، وعَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَها بِذَلِكَ إنْ هو فَعَلَ فَأبى عَلَيْها، فَدَعَتِ ابْنَ عَمٍّ لَها يُقالُ لَهُ (مُصَدَّعُ بْنُ مُهَرِّجِ بْنِ المُحَيّا)، وجَعَلَتْ لَهُ نَفْسَها عَلى أنْ يَعْقِرَ النّاقَةَ. وكانَتْ مِن أحْسَنِ النّاسِ، وكانَتْ غَنِيَّةً كَثِيرَةَ المالِ، فَأجابَها إلى ذَلِكَ.
ودَعَتْ عُنَيْزَةُ بِنْتُ غُنْمٍ (قِدارَ بْنَ سالِفِ بْنِ جَنْدَعَ)، رَجُلًا مِن أهْلِ ِقُرْحٍ.
وكانَ قِدارُ رَجُلًا أحْمَرَ أزْرَقَ قَصِيرًا، يَزْعُمُونَ أنَّهُ كانَ لِزَنْيَةٍ، مِن رَجُلٍ يُقالُ لَهُ (صِهْيادُ)، ولَمْ يَكُنْ لِأبِيهِ (سالِفٍ) الَّذِي يُدْعى إلَيْهِ، ولَكِنَّهُ قَدْ وُلِدَ عَلى فِراشِ (سالِفٍ)، وكانَ يُدْعى لَهُ ويُنْسَبُ إلَيْهِ.
فَقالَتْ: أعْطَيْتُكَ أيَّ بَناتِي شِئْتَ، عَلى أنْ تَعْقِرَ النّاقَةَ.
(p-٢٧٩٤)وكانَتْ عُنَيْزَةُ شَرِيفَةً مِن نِساءِ ثَمُودَ، وكانَ زَوْجُها ذُؤابُ بْنُ عَمْرٍو، مِن أشْرافِ رِجالِ ثَمُودَ، وكانَ قِدارُ عَزِيزًا مَنِيعًا في قَوْمِهِ.
فانْطَلَقَ قِدارُ بْنُ سالِفٍ، ومُصَدَّعُ بْنُ مُهَرِّجٍ، فاسْتَنْفَرا غُواةً مِن ثَمُودَ، فاتَّبَعَهُما سَبْعَةُ نَفَرٍ، فَكانُوا تِسْعَةَ نَفَرٍ.
أحَدُ النَّفَرِ الَّذِي اتَّبَعُوهُما رَجُلٌ يُقالُ لَهُ، (هُوَيْلُ بْنُ مُبَلِّغٍ) خالُ قِدارِ بْنِ سالِفٍ، أخُو أُمِّهِ لِأبِيها وأُمِّها، وكانَ عَزِيزًا في أهْلِ حِجْرٍ، و(دَعِيرُ بْنُ غُنْمِ بْنِ داعِرٍ)، وهو مِن بَنِي خِلاوَةَ بْنِ المَهْلِ.
و(دَأْبُ بْنُ مُهَرِّجٍ)، أخُو مُصَدِّعُ بْنُ مُهَرِّجٍ.
وخَمْسَةٌ لَمْ تُحْفَظْ لَنا أسْماؤُهم.
فَرَصَدُوا النّاقَةَ حِينَ صَدَرَتْ عَنِ الماءِ، وقَدْ كَمَنَ لَها قُدارُ في أصْلِ شَجَرَةٍ عَلى طَرِيقِها، وكَمَنَ لَها مُصَدِّعٌ في أصْلِ أُخْرى، فَمَرَّتْ عَلى مُصَدِّعٍ فَرَماها بِسَهْمٍ، فانْتَظَمَ بِهِ عَضَلَةُ ساقِها، وخَرَجَتْ أُمُّ غُنْمٍ عُنَيْزَةُ وأمَرَتِ ابْنَتَها، وكانَتْ مِن أحْسَنِ النّاسِ وجْهًا، فَأسْفَرَتْ لِقُدارَ وأرَتْهُ إيّاهُ، ثُمَّ ذَمَّرَتْهُ فَشَدَّ عَلى النّاقَةِ بِالسَّيْفِ فَخَشَفَ عُرْقُوبَها، فَخَرَّتْ ورَغَتْ رَغاةً واحِدَةً تُحَذِّرُ سَقَبَها، ثُمَّ طَعَنَ في لِبَّتِها فَنَحَرَها.
انْطَلَقَ سَقَبُها حَتّى أتى جَبَلًا مُنِيفًا، ثُمَّ أتى صَخْرَةً في رَأْسِ الجَبَلِ فَزِعًا ولاذَ بِها، واسْمُ الجَبَلِ فِيما يَزْعُمُونَ (صِنْوٌ)، فَأتاهم صالِحٌ، فَلَمّا رَأى النّاقَةَ قَدْ عُقِرَتْ، قالَ انْتَهَكْتُمْ حُرْمَةَ اللَّهِ، فَأبْشِرُوا بِعَذابِ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى ونِقْمَتِهِ، فاتَّبَعَ السَّقْبَ أرْبَعَةُ نَفَرٍ مِنَ التِّسْعَةِ الَّذِينَ عَقَرُوا النّاقَةَ، وفِيهِمْ (مُصَدِّعُ بْنُ مُهَرِّجٍ)، فَرَماهُ مُصَدِّعٌ بِسَهْمٍ، فانْتَظَمَ قَلْبَهُ، ثُمَّ جَرَّ بِرِجْلِهِ فَأنْزَلَهُ، ثُمَّ ألْقَوْا لَحْمَهُ مَعَ لَحْمِ أُمِّهِ.
فَلَمّا قالَ لَهم صالِحٌ: أبْشِرُوا بِعَذابِ اللَّهِ ونِقْمَتِهِ، قالُوا لَهُ وهم يَهْزَءُونَ بِهِ: ومَتى ذَلِكَ (p-٢٧٩٥)يا صالِحُ ؟ وما آيَةُ ذَلِكَ؟ - وكانُوا يُسَمُّونَ الأيّامَ فِيهِمُ: الأحَدُ (أوَّلُ)، والِاثْنَيْنِ (أهْوَنُ)، والثُّلاثاءُ (وبارُ)، والأرْبِعاءُ (جُبارُ)، والخَمِيسُ (مُؤْمِنٌ)، والجُمْعَةُ (العُرُوبَةُ)، والسَّبْتُ (شِيارُ)، وكانُوا عَقَرُوا النّاقَةَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ - فَقالَ لَهم صالِحٌ حِينَ قالُوا لَهُ ذَلِكَ: تُصْبِحُونَ غَداةَ يَوْمِ مُؤْمِنٍ، يَعْنِي يَوْمَ الخَمِيسِ، ووُجُوهُكم مُصْفَرَّةٌ، ثُمَّ تُصْبِحُونَ يَوْمَ العُرُوبَةِ، يَعْنِي يَوْمَ الجُمُعَةِ ووُجُوهُكم مُحَمَرَّةٌ، ثُمَّ تُصْبِحُونَ يَوْمَ شِيارَ، يَعْنِي يَوْمَ السَّبْتِ، وُجُوهُكم مُسَوَّدَةٌ، ثُمَّ يُصَبِّحُكُمُ العَذابُ يَوْمَ الأوَّلِ، يَعْنِي يَوْمَ الأحَدِ.
فَلَمّا قالَ لَهم صالِحٌ ذَلِكَ، قالَ التِّسْعَةُ الَّذِينَ عَقَرُوا النّاقَةَ: هَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ صالِحًا، إنْ كانَ صادِقًا عَجَّلْناهُ، قَبْلَنا، وإنْ كانَ كاذِبًا يَكُونُ قَدْ ألْحَقْناهُ بِناقَتِهِ.
فَأتَوْهُ لَيْلًا لِيُبَيِّتُوهُ في أهْلِهِ، فَدَمَغَتْهُمُ المَلائِكَةُ بِالحِجارَةِ، فَلَمّا أبْطَأُوا عَلى أصْحابِهِمْ، أتَوْا مَنزِلَ صالِحٍ فَوَجَدُوهم مُشَدَّخِينَ قَدْ رُضِخُوا بِالحِجارَةِ، فَقالُوا لِصالِحٍ: أنْتَ قَتَلْتَهم ! ثُمَّ هَمُّوا بِهِ. فَقامَتْ عَشِيرَتُهُ دُونَهُ ولَبِسُوا السِّلاحَ وقالُوا لَهُمْ: واللَّهِ لا تَقْتُلُونَهُ أبَدًا، فَقَدْ وعَدَكم أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِكم في ثَلاثٍ، فَإنْ كانَ صادِقًا لَمْ تَزِيدُوا رَبَّكم عَلَيْكم إلّا غَضَبًا، وإنْ كانَ كاذِبًا فَأنْتُمْ مِن وراءِ ما تُرِيدُونَ !
فانْصَرَفُوا عَنْهم لَيْلَتَهم تِلْكَ، والنَّفَرُ الَّذِينَ رَضَخَهُمُ المَلائِكَةُ بِالحِجارَةِ، التِّسْعَةُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: ٤٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٥٢]
فَأصْبَحُوا مِن تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي انْصَرَفُوا فِيها عَنْ صالِحٍ، وُجُوهُهم مُصْفَرَّةٌ، فَأيْقَنُوا بِالعَذابِ، وعَرَفُوا أنَّ صالِحًا قَدْ صَدَقَهم فَطَلَبُوهُ لِيَقْتُلُوهُ، وخَرَجَ صالِحٌ هارِبًا مِنهم حَتّى لَجَأ إلى بَطْنٍ مِن ثَمُودَ يُقالُ لَهم (بَنُو غُنْمٍ)، فَنَزَلَ عَلى سَيِّدِهِمْ رَجُلٍ مِنهم يُقالُ لَهُ نُفَيْلٌ يُكَنّى بِأبِي هُدْبٍ، وهو مُشْرِكٌ، فَغَيَّبَهُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ.
(p-٢٧٩٦)فَغَدَوْا عَلى أصْحابِ صالِحٍ فَعَذَّبُوهم لِيَدُلُّوهم عَلَيْهِ، فَقالَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ صالِحٍ يُقالُ لَهُ (مَيْدَعُ بْنُ هَرَمٍ): يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنَّهم يُعَذِّبُونَنا لِنَدُلَّهم عَلَيْكَ، أفَنَدُلُّهم عَلَيْكَ؟ قالَ: نَعَمْ، فَدَلَّهم عَلَيْهِ (مَيْدَعُ بْنُ هَرَمٍ) . فَلَمّا عَلِمُوا بِمَكانِ صالِحٍ، أتَوْا أبا هُدْبٍ فَكَلَّمُوهُ فَقالَ لَهُمْ: عِنْدِي صالِحٌ، ولَيْسَ لَكم إلَيْهِ سَبِيلٌ، فَأعْرَضُوا عَنْهُ وتَرَكُوهُ، وشَغَلَهم عَنْهُ ما أنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ مِن عَذابِهِ. فَجَعَلَ بَعْضُهم يُخْبِرُ بَعْضًا بِما يَرَوْنَ في وُجُوهِهِمْ حِينَ أصْبَحُوا مِن يَوْمِ الخَمِيسِ، وذَلِكَ أنَّ وُجُوهَهم أصْبَحَتْ مُصْفَرَّةً، ثُمَّ أصْبَحُوا يَوْمَ الجُمُعَةِ ووُجُوهُهم مُحْمَرَّةٌ، ثُمَّ أصْبَحُوا يَوْمَ السَّبْتِ ووُجُوهُهم مُسَوَّدَةٌ، حَتّى إذا كانَ لَيْلَةُ الأحَدِ خَرَجَ صالِحٌ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ ومَن أسْلَمَ مَعَهُ إلى الشّامِ، فَنَزَلَ رَمَلَةَ فِلَسْطِينَ، وتَخَلَّفَ رَجُلٌ مِن أصْحابِهِ يُقالُ لَهُ (مَيْدَعُ بْنُ هَرَمٍ) فَنَزَلَ قُرْحَ -وهِيَ وادِي القُرى، وبَيْنَ القُرْحِ وبَيْنَ الحِجْرِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا- فَنَزَلَ عَلى سَيِّدِهِمْ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ (عَمْرُو بْنُ غُنْمٍ)، وقَدْ كانَ أكَلَ مِن لَحْمِ النّاقَةِ ولَمْ يَشْرَكْ في قَتْلِها. فَقالَ لَهُ مَيْدَعُ بْنُ هَرَمٍ: يا عَمْرُو بْنَ غُنْمٍ، اخْرُجْ مِن هَذا البَلَدِ، فَإنَّ صالِحًا قالَ: مَن أقامَ فِيهِ هَلَكَ، ومَن خَرَجَ مِنهُ نَجا.
فَقالَ عَمْرٌو: ما شَرَكْتُ في عَقْرِها، وما رَضِيتُ ما صُنِعَ بِها. فَلَمّا كانَتْ صَبِيحَةُ الأحَدِ، أخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ، فَلَمْ يَبْقَ مِنهم صَغِيرٌ ولا كَبِيرٌ إلّا هَلَكَ، إلّا جارِيَةً مُقْعَدَةً يُقالُ لَها (الزُّرَيْعَةُ) وهي الكَلْبَةُ ابْنَةُ السِّلْقِ، كانَتْ كافِرَةً شَدِيدَةَ العَداوَةِ لِصالِحٍ، فَأطْلَقَ اللَّهُ لَها رِجْلَيْها بَعْدَما عايَنَتِ العَذابَ أجْمَعَ، فَخَرَجَتْ كَأسْرَعِ ما يُرى شَيْءٌ قَطُّ، حَتّى أتَتْ أهْلَ قُرْحٍ فَأخْبَرَتْهم بِما عايَنَتْ مِنَ العَذابِ وما أصابَ ثَمُودَ مِنهُ، ثُمَّ اسْتَسْقَتْ مِنَ الماءِ فَسُقِيَتْ، فَلَمّا شَرِبَتْ ماتَتْ.
الثّانِي: قالَ الرّازِيُّ: زَعَمَ بَعْضُ المُلْحِدِينَ أنَّ ألْفاظَ التَّنْزِيلِ في حِكايَةِ هَذِهِ الواقِعَةِ اخْتَلَفَتْ، وهي الرَّجْفَةُ والطّاغِيَةُ والصَّيْحَةُ. والجَوابُ ما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّ الطّاغِيَةَ اسْمٌ لِكُلِّ ما تَجاوَزَ حَدَّهُ، سَواءٌ كانَ حَيَوانًا أوْ غَيْرَ حَيَوانٍ، وألْحَقَ الهاءَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، فالمُسْلِمُونَ (p-٢٧٩٧)يُسَمُّونَ المَلِكَ العاتِيَ بِالطّاغِيَةِ والطّاغُوتِ. وقالَ تَعالى: ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦] ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٧] ويُقالُ طَغى طُغْيانًا، وهو طاغٍ وطاغِيَةٌ، وقالَ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ [الشمس: ١١] وقالَ في غَيْرِ الحَيَوانِ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ [الحاقة: ١١] أيْ: غَلَبَ وتَجاوَزَ عَنِ الحَدِّ.
وأمّا الرَّجْفَةُ فَهي الزَّلْزَلَةُ في الأرْضِ، وهي حَرَكَةٌ خارِجَةٌ عَنِ المُعْتادِ، فَلَمْ يَبْعُدْ إطْلاقُ اسْمِ الطّاغِيَةِ عَلَيْها، وأمّا الصَّيْحَةُ، فالغالِبُ أنَّ الزَّلْزَلَةَ لا تَنْفَكُّ عَنِ الصَّيْحَةِ العَظِيمَةِ الهائِلَةِ. وأمّا الصّاعِقَةُ، فالغالِبُ أنَّها الزَّلْزَلَةُ، وكَذَلِكَ الزَّجْرَةُ، قالَ تَعالى: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ [النازعات: ١٣] ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤] فَبَطَلَ ما زَعَمَهُ ذَلِكَ البَعْضُ.
الثّالِثُ: قالَ عُلَماءُ التَّفْسِيرِ: ولَمْ يَبْقَ مِن ذُرِّيَّةِ ثَمُودَ أحَدٌ، سِوى صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَن تَبِعَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، إلّا أنَّ رَجُلًا يُقالُ لَهُ أبُو رِغالٍ، كانَ لَمّا وقَعَتِ النِّقْمَةُ بِقَوْمِهِ، مُقِيمًا إذْ ذاكَ في الحَرَمِ، فَلَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ، فَلَمّا خَرَجَ في بَعْضِ الأيّامِ إلى الحَلِّ، جاءَهُ حَجَرٌ مِنَ السَّماءِ فَقَتَلَهُ.
رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ جابِرٍ قالَ: «لَمّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالحِجْرِ قالَ: «لا تَسْألُوا الآياتِ، فَقَدْ سَألَها قَوْمُ صالِحٍ، فَكانَتْ -يَعْنِي النّاقَةَ- تَرِدُ مِن هَذا الفَجِّ، وتَصْدُرُ مِن هَذا الفَجِّ، فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ، فَعَقَرُوها، وكانَتْ تَشْرَبُ ماءَهم يَوْمًا ويَشْرَبُونَ لَبَنَها يَوْمًا فَعَقَرُوها، فَأخَذَتْهم صَيْحَةٌ أخْمَدَ اللَّهُ مَن تَحْتِ أدِيمِ السَّماءِ مِنهُمْ، إلّا رَجُلًا واحِدًا كانَ في حَرَمِ اللَّهِ فَقالُوا: مَن هو يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: أبُو رِغالٍ. فَلَمّا خَرَجَ مِنَ الحَرَمِ أصابَهُ ما أصابَ قَوْمَهُ»» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا الحَدِيثُ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ الكُتُبِ السِّتَّةِ، وهو عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ: أخْبَرَنِي إسْماعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِقَبْرِ أبِي رِغالٍ فَقالَ: «أتَدْرُونَ مَن هَذا؟» قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: «هَذا قَبْرُ أبِي رِغالٍ، (p-٢٧٩٨)رَجُلٌ مِن ثَمُودَ، كانَ في حَرَمِ اللَّهِ، فَمَنَعَهُ حَرَمُ اللَّهِ عَذابَ اللَّهِ، فَلَمّا خَرَجَ أصابَهُ ما أصابَ قَوْمُهُ، فَدُفِنَ هَهُنا، ودُفِنَ مَعَهُ غُصْنٌ مِن ذَهَبٍ»، فَنَزَلَ القَوْمُ، فابْتَدَرُوهُ بِأسْيافِهِمْ، فَبَحَثُوا عَنْهُ، فاسْتَخْرَجُوا الغُصْنَ.» وأبُو رِغالٍ هو أبُو ثَقِيفٍ الَّذِينَ كانُوا يَسْكُنُونَ الطّائِفَ، كَما رُوِيَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ -أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ وغَيْرُهُ-.
الرّابِعُ: ذَكَرْنا قَبْلُ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلى دِيارِ ثَمُودَ المَعْرُوفَةِ الآنَ بِمَدائِنِ صالِحٍ، وهو ذاهِبٌ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ، سَنَةَ تِسْعٍ، وأمَرَ أصْحابَهُ أنْ يَدْخُلُوا خاشِعِينَ وجِلِينَ أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ أهْلَها، ونَهاهم أنْ يَشْرَبُوا مِن مائِها» .
فَرَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنّاسِ عامَ تَبُوكَ، نَزَلَ بِهِمُ الحِجْرَ عِنْدَ بُيُوتِ ثَمُودَ، فاسْتَسْقى النّاسُ مِنَ الآبارِ الَّتِي كانَتْ تَشْرَبُ مِنها ثَمُودُ، فَعَجَنُوا مِنها، ونَصَبُوا القُدُورَ بِاللَّحْمِ. فَأمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، فَأهَراقُوا القُدُورَ، وعَلَفُوا العَجِينَ الإبِلَ، ثُمَّ ارْتَحَلَ بِهِمْ حَتّى نَزَلَ بِهِمْ عَلى البِئْرِ الَّتِي كانَتْ تَشْرَبُ مِنها النّاقَةُ، ونَهاهم أنْ يَدْخُلُوا عَلى القَوْمِ الَّذِينَ عُذِّبُوا، وقالَ: «إنِّي أخْشى أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَهُمْ، فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ»» .
ورَوى أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالحِجْرِ قالَ: «لا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ، إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ، فَإنْ لَمْ تَكُونُوا باكِينَ، فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَهم» . ثُمَّ قَنَعَ رَأْسَهُ وأسْرَعَ السَّيْرَ حَتّى جاوَزَ الوادِي» .
(p-٢٧٩٩)ولِلْبُخارِيِّ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا نَزَلَ الحِجْرَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ أمَرَهم أنْ لا يَشْرَبُوا مِن آبارِها ولا يَسْتَقُوا مِنها. فَقالُوا: قَدْ عَجَنّا مِنها، واسْتَقَيْنا. فَأمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَطْرَحُوا ذَلِكَ العَجِينَ، ويُهَرِيقُوا ذَلِكَ الماءَ» .
الخامِسُ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ كُلَّ نَبِيٍّ هَلَكَتْ أُمَّتُهُ، كانَ يَذْهَبُ فَيُقِيمُ في الحَرَمِ، حَرَمِ مَكَّةَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
وقَدْ قالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا وكِيعٌ، حَدَّثَنا زَمْعَةُ بْنُ صالِحٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وهْرامَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوادِي عُسْفانَ حِينَ حَجَّ قالَ: «يا أبا بَكْرٍ ! أيَّ وادٍ هَذا؟»، قالَ: هَذا وادِي عُسْفانَ. قالَ: «لَقَدْ مَرَّ بِهِ هُودٌ وصالِحٌ عَلى بَكَراتٍ حُمْرٍ خُطُمُها اللِّيفُ، أُزُرُهُمُ العَباءُ، وأرْدِيَتُهُمُ النِّمارُ، يُلَبُّونَ، يَحُجُّونَ البَيْتَ العَتِيقَ»» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِن هَذا الوَجْهِ، لَمْ يُخْرِجْهُ أحَدٌ مِنهم.
وقَوْلُهُ تَعالى:
{"ayah":"فَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ یَـٰقَوۡمِ لَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُمۡ رِسَالَةَ رَبِّی وَنَصَحۡتُ لَكُمۡ وَلَـٰكِن لَّا تُحِبُّونَ ٱلنَّـٰصِحِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











