القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٦] ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
" ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ تَكَبَّرُوا ﴿عَنْها﴾ " فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِها ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
تَنْبِيهٌ:
قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ اتِّباعِ الرُّسُلِ وقَبُولِ ما يُؤَدُّونَ. وتَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّلاحَ في الرُّسُلِ أنْ تَكُونَ مِن جُمْلَةِ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ، لِأنَّهم يَكُونُونَ بِطَرِيقَتِهِ أعْرَفَ، ومِنَ النِّفارِ عَنْهُ أبْعَدَ، وإلى السُّكُونِ إلَيْهِ أقْرَبَ، وتَدُلُّ عَلى أنَّ الغَرَضَ بِالرَّسُولِ ما يُؤَدِّي مِنَ الأدِلَّةِ، فَلِذَلِكَ قُلْنا لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَسُولًا إلّا ومَعَهُ ما يُؤَدِّيهِ: وتَدُلُّ عَلى أنَّ الجَنَّةَ تُنالُ بِشَيْئَيْنِ: (p-٢٦٧٨)بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، واتِّقاءِ المَعاصِي، فَبَطَلَ قَوْلُ المُرْجِئَةِ.
وتَدُلُّ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ في الآخِرَةِ لا يَخافُ ولا يَحْزَنُ، خِلافَ ما يَقُولُهُ الأحْسَدِيَّةُ (كَذا)، والحَشْوِيَّةُ -هَكَذا، قالَهُ أكْثَرُ أصْحابِنا.
وقالَ أبُو بَكْرٍ أحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ: قَوْلُهُ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ٣٥] " كَقَوْلِ الطَّبِيبِ لِلْمَرِيضِ (لا بَأْسَ عَلَيْكَ)، يَعْنِي أنَّ أمْرَهُ يَؤُولُ إلى العافِيَةِ. ولَيْسَ هَذا بِالوَجْهِ لِأنَّهُ نَفى الخَوْفَ والحُزْنَ مُطْلَقًا. وتَدُلُّ عَلى الوَعِيدِ لِلْمُكَذِّبِينَ، كَما تَدُلُّ عَلى الوَعْدِ لِلْمُطِيعِينَ، تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا. وتَدُلُّ عَلى أنَّ التَّقْوى والصَّلاحَ والتَّكْذِيبَ فِعْلُ العَبْدِ، فَبَطَلَ قَوْلُهم في المَخْلُوقِ والِاسْتِطاعَةِ. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى وعِيدَ المُكَذِّبِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
{"ayah":"وَٱلَّذِینَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُوا۟ عَنۡهَاۤ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ أَصۡحَـٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ"}