الباحث القرآني
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨] ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ولَوْ أنْـزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾
﴿وقالُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أيْ: لِيَكُونَ مَعَهُ فَيُكَلِّمَنا أنَّهُ نَبِيٌّ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧]
﴿ولَوْ أنْـزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ جَوابٌ لِمُقْتَرَحِهِمْ، وبَيانٌ لِمانِعِهِ، وهو البُقْيا عَلَيْهِمْ، كَيْلا يَكُونُوا كالباحِثِ عَنْ حَتْفِهِ بِظِلْفِهِ. والمَعْنى: أنَّ المَلَكَ لَوْ أُنْزِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في صُورَتِهِ، وهي آيَةٌ لا شَيْءَ أبَيْنُ مِنها وأيْقَنُ، ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا، لَحاقَ بِهِمُ العَذابُ، وفَرَغَ الأمْرُ. فَإنَّ سُنَّةَ اللَّهِ قَدْ جَرَتْ في الكُفّارِ أنَّهم مَتى اقْتَرَحُوا آيَةً ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا، اسْتُؤْصِلُوا بِالعَذابِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ما نُنَـزِّلُ المَلائِكَةَ إلا بِالحَقِّ وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٨] (p-٢٢٤٨)وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٢٢]
﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ أيْ: لا يُمْهَلُونَ بَعْدَ نُزُولِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَضْلًا عَنْ أنْ يُنْذَرُوا بِهِ. ومَعْنى ثُمَّ: بَعُدَ ما بَيْنَ الأمْرَيْنِ، قَضاءِ الأمْرِ، وعَدَمِ الإنْظارِ، جَعَلَ عَدَمَ الإنْظارِ أشَدَّ مِن قَضاءِ الأمْرِ؛ لِأنَّ مُفاجَأةَ الشِّدَّةِ أشَدُّ مِن نَفْسِ الشِّدَّةِ.
تَنْبِيهٌ:
ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ وجْهًا ثانِيًا في تَعْجِيلِ عَذابِهِمْ، عِنْدَ نُزُولِ المَلائِكَةِ، وهو أنَّهُ يَزُولُ الِاخْتِيارُ الَّذِي هو قاعِدَةُ التَّكْلِيفِ، فَيَجِبُ إهْلاكُهُمْ، وفي "الكَشْفِ" الِاخْتِيارُ قاعِدَةُ التَّكْلِيفِ، وهَذِهِ آيَةٌ مُلْجِئَةٌ. قالَ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [غافر: ٨٥] فَوَجَبَ إهْلاكُهُمْ، لِئَلّا يَبْقى وُجُودُهم عارِيًا عَنِ الحِكْمَةِ؛ إذْ ما خُلِقُوا إلّا لِلِابْتِلاءِ بِالتَّكْلِيفِ، وهو لا يَبْقى مَعَ الإلْجاءِ. هَذا تَقْرِيرُهُ عَلى مَذْهَبِهِمْ، وهو غَيْرُ صافٍ عَنِ الإشْكالِ. انْتَهى. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَيْسَ عَلى قَواعِدِ السُّنَّةِ، وكَأنَّ وجْهَ إشْكالِهِ أنَّهُ وقَعَ في القُرْآنِ، والواقِعُ ما يُنافِيهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] كَذا في "العِنايَةِ".
(p-٢٢٤٩)وذَكَرَ أيْضًا وجْهًا ثالِثًا؛ وهو أنَّهم إذا شاهَدُوا مَلَكًا في صُورَتِهِ، زَهَقَتْ أرْواحُهم مِن هَوْلِ ما يُشاهِدُونَ.
قالَ في "الِانْتِصافِ": ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا﴾ [الأنعام: ٩] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِيَتَمَكَّنُوا مِن رُؤْيَتِهِ، ولا يَهْلَكُوا مِن مُشاهَدَةِ صُورَتِهِ، انْتَهى.
وهَذا الوَجْهُ آثَرَهُ أبُو السُّعُودِ في التَّقْدِيمِ حَيْثُ قالَ: أيْ: لَوْ أنْزَلَنا مَلَكًا عَلى هَيْئَتِهِ حَسْبَما اقْتَرَحُوهُ، والحالُ أنَّهُ مِن هَوْلِ المَنظَرِ، بِحَيْثُ لا تُطِيقُ بِمُشاهَدَتِهِ قُوى الآحادِ البَشَرِيَّةِ. ألا يُرى أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانُوا يُشاهِدُونَ المَلائِكَةَ ويُفاوِضُونَهم عَلى الصُّورَةِ البَشَرِيَّةِ؟ كَضَيْفِ إبْراهِيمَ ولُوطٍ، وخَصْمِ داوُدَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وحَيْثُ كانَ شَأْنُهم كَذَلِكَ، وهم مُؤَيَّدُونَ بِالقُوى القُدْسِيَّةِ، فَما ظَنُّكَ بِمَن عَداهم مِنَ العَوامِّ؟ فَلَوْ شاهَدُوهُ كَذَلِكَ لَقُضِيَ أمْرُ هَلاكِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ، واسْتَحالَ جَعْلُهُ نَذِيرًا، وهو - مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ مَطْلُوبِهِمْ - مُسْتَلْزِمٌ لِإخْفاءِ العالَمِ عَمّا عَلَيْهِ يَدُورُ نِظامُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، مِن إرْسالِ الرُّسُلِ، وتَأْسِيسِ الشَّرائِعِ، وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] انْتَهى.
وفِي "العِنايَةِ" أنَّ الوَجْهَ الثّالِثَ لا يُناسِبُ قَوْلَهُ: ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ، لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى إهْلاكِهِمْ، لا عَلى هَلاكِهِمْ، بِرُؤْيَةِ المَلَكِ، إلّا بِتَكَلُّفٍ.
هَذا وقالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لا يَحْسُنُ أنْ يُجْعَلَ سَبَبُ مُناجِزَتِهِمْ بِالهَلاكِ وُضُوحَ الآيَةِ في نُزُولِ المَلَكِ. فَإنَّهُ رُبَّما يُفْهِمُ هَذا الكَلامُ أنَّ الآياتِ الَّتِي لَزِمَهُمُ الإيمانُ بِها دُونَ نُزُولِ المَلَكِ في الوُضُوحِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. فالوَجْهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يَكُونَ سَبَبُ تَعْجِيلِ عُقُوبَتِهِمْ بِتَقْدِيرِ نُزُولِ المَلَكِ وعَدَمِ إيمانِهِمْ، أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا ما لا يَتَوَقَّفُ وُجُوبُ الإيمانِ عَلَيْهِ؛ إذِ الَّذِي يَتَوَقَّفُ الوُجُوبُ عَلَيْهِ المُعْجِزُ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مُعْجِزًا، لا المُعْجِزَ الخاصَّ، (p-٢٢٥٠)فَإذا أُجِيبُوا عَلى وفْقِ مُقْتَرَحِهِمْ، فَلَمْ يُنْجِعْ فِيهِمْ، كانُوا حِينَئِذٍ عَلى غايَةٍ مِنَ الرُّسُوخِ في العِنادِ المُناسِبِ لِعَدَمِ النَّظِرَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
قالَ المَهايِمِيُّ: لا دَلِيلَ عَلى النُّبُوَّةِ سِوى شَهادَةِ المَلَكِ، وتَنْزِيلُ المَلَكِ بِصُورَتِهِ المَلَكُوتِيَّةِ يَقْطَعُ أمْرَ التَّكْلِيفِ؛ إذْ لا يَنْفَعُ الإيمانُ بَعْدَ انْكِشافِ عالَمِ المَلَكُوتِ، فَلا يُمْهَلُونَ؛ لِأنَّ الإمْهالَ لِلنَّظَرِ. والمُعْجِزَةُ - وإنْ أفادَتْ عِلْمًا ضَرُورِيًّا - لا تَخْلُو عَنْ خَفاءٍ يَحْتاجُ إلى أدْنى نَظَرٍ، ولا خَفاءَ مَعَ انْكِشافِ عالَمِ المَلَكُوتِ، فَلا وجْهَ لِلْإمْهالِ لِلنَّظَرِ، فَلا يُقْبَلُ الإيمانَ مَعَهُ، فَلا بُدَّ مِنَ المُؤاخَذَةِ عَقِيبَهُ. انْتَهى. فَلْيُتَأمَّلْ.
{"ayah":"وَقَالُوا۟ لَوۡلَاۤ أُنزِلَ عَلَیۡهِ مَلَكࣱۖ وَلَوۡ أَنزَلۡنَا مَلَكࣰا لَّقُضِیَ ٱلۡأَمۡرُ ثُمَّ لَا یُنظَرُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











