الباحث القرآني
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٩] ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾
﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. أيْ: أقْسَمُوا بِهِ تَعالى جاهِدِينَ في أيْمانِهِمْ، باذِلِينَ في تَوْثِيقِها طاقَتَهُمْ: ﴿لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ﴾ أيْ: خارِقٌ كَما اقْتَرَحُوا. ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: أمْرُها في حُكْمِهِ وقَضائِهِ خاصَّةً، يَتَصَرَّفُ بِها حَسَبَ مَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، لا تَتَعَلَّقُ بِها قُدْرَةُ أحَدٍ ولا مَشِيئَتُهُ، حَتّى يُمْكِنَنِي أنْ أتَصَدّى لِاسْتِنْزالِها بِالِاسْتِدْعاءِ. وهَذا سَدٌّ لِبابِ الِاقْتِراحِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وأحْسَنِهِ، بِبَيانِ صُعُوبَةِ مَنالِها، وعُلُوِّ شَأْنِها. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
(p-٢٤٦٦)﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قُرِئَ: "إنَّها" بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: وما يُدْرِيكم إيمانَهُمْ؟ ثُمَّ أخْبَرَهم بِما عَلِمَ مِنهم إخْبارًا ابْتِدائِيًّا. أوْ هو جَوابُ سُؤالٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ وُبِّخُوا؟ فَقِيلَ: لِأنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ! أوْ هو مَبْنِيٌّ عَلى قَوْلِهِ: وما يُشْعِرُكم فَإنَّهُ أُبْرِزَ في مَعْرِضِ المُحْتَمَلِ، كَأنَّهُ سَألَ عَنْهُ سُؤالَ شاكٍّ، ثُمَّ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ لِ: أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ جَزْمًا بِالطَّرَفِ الخالِفِ، وبَيانًا لِكَوْنِ الِاسْتِفْهامِ غَيْرَ جارٍ عَلى الحَقِيقَةِ. وفِيهِ إنْكارٌ لِتَصْدِيقِ المُؤْمِنِينَ عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ إنْكارَ صِدْقِ المُشْرِكِينَ في المُقْسَمِ عَلَيْهِ. وهَذا نَوْعٌ مِنَ السِّحْرِ البَيانِيِّ، لَطِيفُ المَسْلَكِ، هَذا عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ إذْ كانُوا يَتَمَنَّوْنَ مَجِيءَ الآيَةِ طَمَعًا في إيمانِهِمْ. وقِيلَ: هو لِلْمُشْرِكِينَ، لِقِراءَةِ: "لا تُؤْمِنُونَ"، فَيَكُونُ فِيهِ التِفاتٌ. وقُرِئَ: أنَّها بِالفَتْحِ، وعَلَيْهِ فَقِيلَ: مُقْتَضى حُسْنِ ظَنِّ المُؤْمِنِينَ بِهَؤُلاءِ المُعانِدِينَ، حَذْفُ (لا). وتَوْضِيحُ ذَلِكَ بِالمِثالِ أنَّهُ إذا قِيلَ لَكَ: أكْرِمْ زَيْدًا يُكافِئْكَ، قُلْتَ في إنْكارِهِ: ما أدْراكَ أنِّي إذا أكْرَمْتُهُ يُكافِئُنِي؟! فَإنْ قِيلَ: لا تُكْرِمْهُ فَإنَّهُ لا يُكافِئُكَ، قُلْتَ في إنْكارٍ: ما أدْراكَ أنَّهُ لا يُكافِئُنِي؟! تُرِيدُ: وأنا أعْلَمُ مِنهُ المُكافَأةَ. فَمُقْتَضى حُسْنِ ظَنِّ المُؤْمِنِينَ بِالمُشْرِكِينَ أنْ يُقالَ: وما يُدْرِيكم أنَّها إذا جاءَتْ يُؤْمِنُونَ، فَإثْباتُ (لا) يَعْكِسُ المَعْنى، إلى أنَّ المَعْلُومَ لَكَ الثُّبُوتُ، وأنْتَ تُنْكِرُ عَلى مَن نَفى.
وقَدْ وُجِّهَ الفَتْحُ بِسِتَّةِ وُجُوهٍ:
مِنها - جَعْلُ (لا) صِلَةً، كَقَوْلِهِ: ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] أيْ: يَرْجِعُونَ. وضَعَّفَ الزَّجّاجُ هَذا الوَجْهَ، بِأنَّ ما كانَ لَغْوًا يَكُونُ كَذَلِكَ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ هُنا، فَإنَّ (لا) (p-٢٤٦٧)عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ لَيْسَتْ بِصِلَةٍ. وأجابَ الفارِسِيُّ بِأنَّهُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَغْوًا عَلى أحَدِ التَّقْدِيرَيْنِ، ومُفِيدًا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي؟ انْتَهى.
ومِنها - جَعْلُ: "أنَّ" بِمَعْنى (لَعَلَّ). قالَ الخَلِيلُ: تَقُولُ العَرَبُ: ائْتِ السُّوقَ أنَّكَ تَشْتَرِي لَنا شَيْئًا، أيْ: لَعَلَّكَ. فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَعَلَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ. قالَ الواحِدِيُّ: "أنَّ" بِمَعْنى (لَعَلَّ) كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، قالَ الشّاعِرُ:
؎أرِينِي جَوادًا ماتَ هَزْلًا لِأنَّنِي أرى ما تَرَيْنَ أوْ بَخِيلًا مُخَلَّدا
وقالَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ:
؎أعاذِلَ ما يُدْرِيكِ أنَّ مَنِيَّتِي ∗∗∗ إلى ساعَةٍ في اليَوْمِ أوْ في ضُحى الغَدِ
ويُؤَيِّدُهُ أنَّ (يُشْعِرُكُمْ) و(يُدْرِيكُمْ) بِمَعْنًى. وكَثِيرًا ما تَأْتِي (لَعَلَّ) بَعْدَ فِعْلِ الدِّرايَةِ. نَحْوَ: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ٣] وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "وما أدْراكَ لَعَلَّها إذا جاءَتْهم لا يُؤْمِنُونَ".
ومِنها - جَعْلُ: "أنَّ" بِمَعْنى هَلْ.
ومِنها - جَعْلُ الكَلامِ جَوابَ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ بِناءً عَلى أنَّ: "إنَّ" في جَوابِ القَسَمِ يَجُوزُ فَتْحُها. والَّذِي ارْتَضاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وتَبِعَهُ المُحَقِّقُونَ حَمْلَ الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ، وأنَّ الِاسْتِفْهامَ (p-٢٤٦٨)فِي مَعْنى النَّفْيِ، والإخْبارَ بِعَدَمِ العِلْمِ لا إنْكارَ عَلَيْهِمْ. والمَعْنى: وما يُدْرِيكم أنَّ الآيَةَ الَّتِي يَقْتَرِحُونَها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ بِها، يَعْنِي: أنا أعْلَمُ أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ بِها، وأنْتُمْ لا تَدْرُونَ ذَلِكَ.
قالَ فِي" الِانْتِصافِ ": لَمّا جاءَتِ الآيَةُ تُفْهِمُ، بِبادِئٍ، أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ الإيمانَ مِنهُمْ، وأنْكَرَ عَلى المُؤْمِنِينَ نَفْيَهم لَهُ، والواقِعُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ. اخْتَلَفَ العُلَماءُ (وساقَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا في الوُجُوهِ) ثُمَّ قالَ: وأمّا الزَّمَخْشَرِيُّ فَتَفَطَّنَ لِبَقاءِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها وقَرارِها في نِصابِها، مِن غَيْرِ حَذْفٍ ولا تَأْوِيلٍ. فَقالَ قَوْلَهُ السّالِفَ. ونَحْنُ نُوَضِّحُ اطِّرادَهُ في المِثالِ المُتَقَدِّمِ، لِيَتَّضِحَ بِوَجْهَيْهِ في الآيَةِ، فَنَقُولُ: إذا حَرَمْتَ زَيْدًا لِعِلْمِكَ بِعَدَمِ مُكافَأتِهِ، فَأُشِيرَ عَلَيْكَ بِالإكْرامِ بِناءً عَلى أنَّ المُشِيرَ يَظُنُّ المُكافَأةَ، فَلَكَ مَعَهُ حالَتانِ: حالَةٌ تُنْكِرُ عَلَيْهِ ادِّعاءَ العِلْمِ بِما يُعْلَمُ خِلافُهُ، وحالَةٌ تَعْذُرُهُ في عَدَمِ العِلْمِ بِما أحَطْتَ بِهِ عِلْمًا. فَإنْ أنْكَرْتَ عَلَيْهِ قُلْتَ: وما يُدْرِيكَ أنَّهُ يُكافِئُ؟ وإنْ عَذَرْتَهُ في عَدَمِ عِلْمِهِ بِأنَّهُ لا يُكافِئُ قُلْتَ: وما يُدْرِيكَ أنَّهُ لا يُكافِئُ؟ يَعْنِي: ومِن أيْنَ تَعْلَمُ أنْتَ ما عَلِمْتُهُ أنا مِن عَدَمِ مُكافَأتِهِ، وأنْتَ لا تَخْبُرُ أمْرَهُ خُبْرِي. فَكَذَلِكَ الآيَةُ إنَّما ورَدَ فِيها الكَلامُ إقامَةَ عُذْرٍ لِلْمُؤْمِنِينَ في عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِالمَغِيبِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وهو عَدَمُ إيمانِ هَؤُلاءِ. فاسْتَقامَ دُخُولُ (لا) وتَعَيَّنَ، وتَبَيَّنَ أنَّ سَبَبَ الِاضْطِرابِ التِباسُ الإنْكارِ بِإقامَةِ الأعْذارِ. انْتَهى.
وفِي نَفْيِ السَّبَبِ، وهو الإشْعارُ، مُبالَغَةٌ في نَفْيِ المُسَبِّبِ، وهو الشُّعُورُ.
قالَ الخَفاجِيُّ: وفي نَفْيِ المُسَبِّبِ بِهَذا الطَّرِيقِ مُبالَغَةٌ لَيْسَتْ في نَفْيِها بِدُونِها؛ لِأنَّ في الكِنايَةِ إثْباتَ الشَّيْءِ بِبَيِّنَةٍ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ، عَلى تَقْدِيرِ مَجِيءِ الآيَةِ المُقْتَرَحَةِ لَهُمْ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يُنْزِلْها لِعِلْمِهِ بِأنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ. فَعَدَمُ الإنْزالِ لِعَدَمِ الإيمانِ. و(يُشْعِرُكم ويَنْصُرُكُمْ) ونَحْوَهُ، قُرِئَ بِضَمٍّ خالِصٍ وسُكُونٍ واخْتِلاسٍ.
{"ayah":"وَأَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ لَىِٕن جَاۤءَتۡهُمۡ ءَایَةࣱ لَّیُؤۡمِنُنَّ بِهَاۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡـَٔایَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَا یُشۡعِرُكُمۡ أَنَّهَاۤ إِذَا جَاۤءَتۡ لَا یُؤۡمِنُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











