الباحث القرآني
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠] ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ ولا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ ولا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (p-٥٧٤٤)يَعْنِي بِالَّذِينِ جاءُوا مِن بَعْدِهِمُ الَّذِينَ هاجَرُوا حِينَ قَوِيَ الإسْلامُ مِن بَعْدِ الَّذِينَ هاجَرُوا مُخْرَجِينَ مِن دِيارِهِمْ، فالمُرادُ مَجِيئُهم إلى المَدِينَةِ بَعْدَ مُدَّةٍ. والمَجِيءُ حِسِّيٌّ. وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ بَعْدَ الفَرِيقَيْنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ فالمَجِيءُ إمّا إلى الوُجُودِ، أوْ إلى الإيمانِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ آيَةُ بَراءَةَ:
﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]
قالَ الشِّهابُ: والمُرادُ بِدُعاءِ اللّاحِقِ لِلسّابِقِ، والخَلَفِ لِلسَّلَفِ، أنَّهم مُتَّبِعُونَ لَهُمْ، أوْ هو تَعْلِيمٌ لَهم بِأنْ يَدْعُوا لِمَن قَبْلَهُمْ، ويُذَكِّرُوهم بِالخَيْرِ.
تَنْبِيهٌ:
جَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ: " والَّذِينَ " عَطْفًا عَلى " المُهاجِرِينَ " كالمَوْصُولِ قَبْلَهُ في قَوْلِهِ:
﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا﴾ [الحشر: ٩] إلَخْ. فَيَكُونُ قَوْلُهُ: " يُحِبُّونَ " وقَوْلُهُ: " يَقُولُونَ " حالَيْنِ. وجَوَّزَ السَّمِينُ وجْهًا ثانِيًا، وهو كَوْنُ المَوْصُولِ فِيهِما مُبْتَدَأً، وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ. وعِنْدِي أنَّ هَذا هو الوَجْهُ، ما قَبْلَهُ تَكَلُّفٌ، وأنَّ المَوْصُولَيْنِ مُسْتَأْنَفانِ لِمَدْحِ إيمانِ الأنْصارِ والتّابِعِينَ لَهم بِتِلْكَ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ، والخِصالِ الكامِلَةِ. وما حَمَلَ الزَّمَخْشَرِيَّ ومَن تابَعَهُ عَلى الِاقْتِصارِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ إلّا لِتَشْمَلَ أصْنافَ مَن يَسْتَحِقُّ الفَيْءَ مِن فُقَراءِ كَلٍّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا﴾ [الحشر: ٨] إلَخْ، " و" لِلْفُقَراءِ " الَّذِينَ تَبَوَّءُوا " إلَخْ. ولِلْفُقَراءِ الَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ... إلَخْ، مَعَ أنَّ سِياقَ الآياتِ المَذْكُورَةِ، ورِعايَةِ وقْتِ نُزُولِها، والمُهاجِرُونَ في جُهْدٍ، والأنْصارُ في سِعَةٍ ورَغَدٍ -يَقْضِي بِأنَّ المَقْصُودَ مِنها لِلْفَيْءِ، هو فُقَراءُ المُهاجِرِينَ خاصَّةً وأنَّ الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ في غِنًى عَنْهُ وعَدَمِ تَشَوُّفٍ إلَيْهِ، لِشِدَّةِ مَحَبَّتِهِمْ لِإخْوانِهِمْ، بَلْ رَغْبَتِهِمْ في إيثارِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى حالَ مَن يَجِيءُ بَعْدَهم بِأنَّهُ يُثْنِيَ عَلى مَن سَبَقَهُ، ويَدْعُو لَهُ ابْتِهاجًا بِما (p-٥٧٤٥)أتَوْا، واغْتِباطًا بِما عَمِلُوا؛ لِأنَّهم بَيْنَ مُهاجِرٍ عَنْ أهْلِهِ وأمْوالِهِ، مَحَبَّةً في اللَّهِ ورَسُولِهِ، وبَيْنَ مُحِبٍّ لِمَن هاجَرَ، مُكْرِمٍ لَهُ، بَلْ مُؤْثِرٍ إيّاهُ، مِمّا أشَفَّ عَنْ قُوَّةِ الإيمانِ، والإخْلاصِ في تَدْعِيمِ رَوابِطِ الإيقانِ، هَذا هو الظّاهِرُ مِن نَظْمِ الآياتِ الكَرِيمَةِ، وذَوْقِ سَوْقِها. وأمّا فُقَراءُ الصِّنْفَيْنِ الآخَرَيْنِ، فَإنَّهم يَسْتَحِقُّونَ مِنَ الفَيْءِ قِياسًا عَلى الصِّنْفِ الأوَّلِ، لِاشْتِراكِهِمْ في الفَقْرِ، إلّا أنَّهُ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَشْكُ أحَدٌ مِنَ الأنْصارِ في تِلْكَ الواقِعَةِ فَقْرًا، إلّا سَهْلًا وأبا دُجانَةَ -كَما تَقَدَّمَ- فَأعْطاهُما ﷺ. وأمّا في غَيْرِها مِنَ الوَقائِعِ الَّتِي كَثُرَتْ فِيها المَغانِمُ، فَقَدْ كانَ حَظُّهم مِنها ما هو مَعْرُوفٌ ومُبَّيَنٌ في آياتٍ أُخَرَ، فَإنَّ التَّنْزِيلَ الكَرِيمَ بَيَّنَ مُقاسِمَ الأمْوالِ لِذَوِيها في عِدَّةِ آياتٍ.
رَوى ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَرَأ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] حَتّى بَلَغَ: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠] ثُمَّ قالَ: هَذِهِ لِهَؤُلاءِ. ثُمَّ قَرَأ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] الآيَةَ. ثُمَّ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ لِهَؤُلاءِ. ثُمَّ قَرَأ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى﴾ [الحشر: ٧] حَتّى بَلَغَ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ ثُمَّ قالَ: اسْتَوْعَبَتْ هَذِهِ الآيَةُ المُسْلِمِينَ عامَّةً، فَلَيْسَ أحَدٌ إلّا لَهُ فِيها حَقٌّ. ثُمَّ قالَ: لَئِنْ عِشْتُ لَيَأْتِيَنَّ الرّاعِي وهو يُسَيِّرُ حُمُرَهُ، نَصِيبَهُ، لَمْ يَعْرَقْ فِيها جَبِينُهُ.
{"ayah":"وَٱلَّذِینَ جَاۤءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ یَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَ ٰنِنَا ٱلَّذِینَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِیمَـٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِی قُلُوبِنَا غِلࣰّا لِّلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَاۤ إِنَّكَ رَءُوفࣱ رَّحِیمٌ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











