الباحث القرآني

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٩ - ١٠] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿إنَّما النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا إلا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ١٠] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وتَناجَوْا بِالبِرِّ﴾ أيْ: بِطاعَةِ اللَّهِ، وما يُقَرِّبُكم مِنهُ، ﴿والتَّقْوى﴾ أيِ: اجْتِنابُ ما يُؤْثِمُ، ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أيْ: فَيَجْزِيكم بِما اكْتَسَبْتُمْ مِمّا أحْصاهُ عَلَيْكم. ثُمَّ شَجَّعَ تَعالى المُؤْمِنِينَ في قِلَّةِ المُبالاةِ بِمُناجاةِ أعْدائِهِمْ، وأنَّها لا تَضُرُّهم ما دامُوا مُثابِرِينَ عَلى وصاياهُ، مُتَّكِلِينَ عَلَيْهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ﴾ [المجادلة: ١٠] أيِ: النَّجْوى الَّتِي ذَمَّها، فاللّامُ لِلْعَهْدِ، أيِ: المُزَيَّنُ لِهَذِهِ النَّجْوى بِالشَّرِّ، والحامِلُ عَلَيْها الشَّيْطانُ. ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيْسَ بِضارِّهِمْ﴾ [المجادلة: ١٠] أيِ: الشَّيْطانُ، أوِ التَّناجِي المَذْكُورُ ﴿شَيْئًا إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٠] أيْ: بِمَشِيئَتِهِ ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ١٠] أيْ: بِالمُضِيِّ في سَبِيلِهِ، والِاسْتِقامَةِ عَلى أمْرِهِ، وانْتِظارِ النَّصْرِ عَلى أثَرِهِ. (p-٥٧١٧)لَطِيفَةٌ: قالَ القاشانِيُّ: إنَّما نُهُوا عَنِ النَّجْوى لِأنَّ التَّناجِيَ اتِّصالٌ واتِّحادٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ في أمْرٍ يَخْتَصُّ بِهِما، لا يُشارِكُهُما فِيهِ ثالِثٌ. ولِلنُّفُوسِ عِنْدَ الِاجْتِماعِ والِاتِّصالِ تَعاضُدٌ وتَظاهُرٌ، يَتَقَوّى ويَتَأيَّدُ بَعْضُها بِالبَعْضِ فِيما هو سَبَبُ الِاجْتِماعِ لِخاصِّيَّةِ الهَيْئَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ الَّتِي لا تُوجَدُ في الأفْرادِ، فَإذا كانَتْ شِرِّيرَةً يَتَناجَوْنَ في الشَّرِّ، ويُزادُ فِيهِمُ الشَّرُّ، ويَقْوى فِيهِمُ المَعْنى الَّذِي يَتَناجَوْنَ بِهِ بِالِاتِّصالِ والِاجْتِماعِ، ولِهَذا ورَدَ بَعْدَ النَّهْيِ قَوْلُهُ: ﴿ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ﴾ [المجادلة: ٨] الَّذِي هو رَذِيلَةُ القُوى البَهِيمِيَّةِ ﴿والعُدْوانِ﴾ [المجادلة: ٨] الَّذِي هو رَذِيلَةُ القُوى الغَضَبِيَّةِ ﴿ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ [المجادلة: ٨] الَّتِي هي رَذِيلَةُ القُوَّةِ النُّطْقِيَّةِ، بِالجَهْلِ وغَلَبَةِ الشَّيْطَنَةِ، ألا تَرى كَيْفَ نَهى المُؤْمِنِينَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ عَنِ التَّناجِي بِهَذِهِ الرَّذائِلِ المَذْكُورَةِ، وأمَرَهم بِالتَّناجِي بِالخَيْراتِ، لِيَتَقَوَّوْا بِالهَيْئَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ، ويَزْدادُوا فِيها فَقالَ: ﴿وتَناجَوْا بِالبِرِّ﴾ أيِ: الفَضائِلِ الَّتِي هي أضْدادُ تِلْكَ الرَّذائِلِ، مِنَ الصّالِحاتِ والحَسَناتِ المَخْصُوصَةِ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنَ القُوى الثَّلاثِ، ﴿والتَّقْوى﴾ أيِ: الِاجْتِنابُ: عَنْ أجْناسِ الرَّذائِلِ المَذْكُورَةِ، انْتَهى. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ ورَدَتِ السُّنَّةُ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّناجِي، حَيْثُ يَكُونُ في ذَلِكَ تَأذٍّ عَلى مُؤْمِنٍ. رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا كُنْتُمْ ثَلاثَةً فَلا يَتَناجى اثْنانِ دُونَ صاحِبِهِما؛ فَإنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ»» أخْرَجاهُ. (p-٥٧١٨)وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا كُنْتُمْ ثَلاثَةً فَلا يَتَناجَ اثْنانِ دُونَ الثّالِثِ إلّا بِإذْنِهِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ». انْفَرَدَ بِإخْراجِهِ مُسْلِمٌ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب