الباحث القرآني

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٣ - ٤] ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ ﴿إنْ هو إلا وحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: ٤] ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ أيْ: وما يَنْطِقُ بِهَذا القُرْآنِ عَنْ هَواهُ ورَأْيِهِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِهِمْ أيْضًا، ﴿إنْ هو إلا وحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: ٤] أيْ: ما هَذا القُرْآنُ إلّا وحْيٌ مِنَ اللَّهِ يُوحِيهِ إلَيْهِ. وجُمْلَةُ " يُوحى " صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِـ ﴿وحْيٌ﴾ [النجم: ٤] رافِعَةٌ لِاحْتِمالِ المَجازِ، مُفِيدَةٌ لِلِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ. والضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ، لِفَهْمِهِ مِنَ السِّياقِ، ولِأنَّ كَلامَ المُنْكِرِينَ كانَ في شَأْنِهِ. وأرْجَعَهُ بَعْضُهم إلى ما يَنْطِقُ بِهِ مُطْلَقًا. واسْتَدَلَّ عَلى أنَّ السُّنَنَ القَوْلِيَّةَ مِنَ الوَحْيِ، وقَوّاهُ بِما في (مَراسِيلِ) أبِي داوُدَ عَنْ حَسّانَ بْنِ عَطِيَّةَ قالَ: «كانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالسُّنَّةِ، كَما يَنْزِلُ عَلَيْهِ (p-٥٥٥٥)بِالقُرْآنِ، ويُعَلِّمُهُ إيّاها، كَما يُعَلِّمُهُ القُرْآنَ،» واسْتَدَلَّ أيْضًا عَلى مَنعِ الِاجْتِهادِ لَهُ ﷺ . والصَّوابُ هو الأوَّلُ، أعْنِي: كَوْنَ مَرْجِعِ الضَّمِيرِ لِلْقُرْآنِ، لِما ذَكَرْنا، فَإنَّهُ رَدٌّ لِقَوْلِهِمُ افْتَراهُ والقَرِينَةُ مِن أكْبَرِ المُخَصَّصاتِ. وجَلِيٌّ أنَّهُ ﷺ، كَثِيرًا ما يَقُولُ بِالرَّأْيِ في أُمُورِ الحَرْبِ، وأُمُورٍ أُخْرى؛ فَلا بُدَّ مِنَ التَّخْصِيصِ قَطْعًا، وبِأنَّهُ لا قُوَّةَ في المَراسِيلِ، لِما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ. وبِأنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى مَنعِ الِاجْتِهادِ المَذْكُورِ، ولَوْ أُعِيدَ الضَّمِيرُ لَما يَنْطِقُ مُطْلَقًا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إذا سَوَّغَ لَهُ الِاجْتِهادَ، كانَ الِاجْتِهادُ وما يَسْتَنِدُ إلَيْهِ كُلُّهُ وحْيًا، لا نُطْقًا عَنِ الهَوى؛ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ أنْ يَقُولَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ: مَتى ما ظَنَنْتَ كَذا فَهو حُكْمِي، أيْ: كُلُّ ما ألْقَيْتُهُ في قَلْبِكَ فَهو مُرادِي، فَيَكُونُ وحْيًا حَقِيقَةً، لِانْدِراجِهِ تَحْتَ الإذْنِ المَذْكُورِ، لِأنَّهُ مِن أفْرادِهِ. فَما قِيلَ عَلَيْهِ مِن أنَّ الوَحْيَ الكَلامُ الخَفِيُّ المُدْرَكُ بِسُرْعَةٍ، فَلا يَنْدَرِجُ فِيهِ الحُكْمُ الِاجْتِهادِيُّ إلّا بِعُمُومِ المَجازِ، مَعَ أنَّهُ يَأْباهُ قَوْلُهُ: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] غَيْرُ وارِدٍ عَلَيْهِ، بَعْدَما عَرَفْتَ مِن تَقْرِيرِهِ- نَقَلَهُ في (العِنايَةِ) عَنِ (الكَشْفِ) وتَفْصِيلُ المَسْألَةِ في مُطَوَّلاتِ الأُصُولِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب