الباحث القرآني
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٩] ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ وما أنا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾
﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ما يُغَيَّرُ القَوْلُ الَّذِي قُلْتُهُ لَكم في الدُّنْيا وهو قَوْلُهُ:
﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] ولا قَضائِي الَّذِي قَضَيْتُهُ فِيهِمْ فِيها.
﴿وما أنا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أيْ: فَلا أُعَذِّبُ أحَدًا بِذَنْبِ غَيْرِهِ، ولَكِنْ بِذَنْبِهِ بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ.
وقالَ القاشانِيُّ:
﴿وما أنا بِظَلامٍ﴾ حَيْثُ وهَبْتُ الِاسْتِعْدادَ، وأنْبَأْتُ عَلى الكَمالِ المُناسِبِ لَهُ وهَدَيْتُكم إلى طَرِيقِ اكْتِسابِهِ، بَلْ أنْتُمُ الظَّلّامُونَ أنْفُسَكم بِاكْتِسابِ ما يُنافِيهِ، وإضاعَةِ الِاسْتِعْدادِ بِوَضْعِ النُّورِ في الظُّلْمَةِ، واسْتِبْدالِ ما يَفْنى بِما يَبْقى.
(p-٥٥٠٩)تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: ظاهِرُ الآياتِ أنَّ هَذا التَّقاوُلَ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ إذْ لا مانِعَ مِنها. وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّها مَجازٌ.
قالَ القاشانِيُّ: هَذِهِ المُقاوَلاتُ كُلُّها مَعْنَوِيَّةٌ، مُثِّلَتْ عَلى سَبِيلِ التَّخْيِيلِ والتَّصْوِيرِ، لِاسْتِحْكامِ المَعْنى في القَلْبِ، عِنْدَ ارْتِسامِ مِثالِهِ في الخَيالِ، فادِّعاءُ الكافِرِ الإطْغاءَ عَلى الشَّيْطانِ وإنْكارُ الشَّيْطانِ إيّاهُ، عِبارَةٌ عَنِ التَّنازُعِ والتَّجاذُبِ الواقِعِ بَيْنَ قُوَّتَيْهِ: الوَهْمِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ، بَلْ بَيْنَ كُلِّ اثْنَتَيْنِ مُتَضادَّتَيْنِ مِن قُواهُ: كالغَضَبِيَّةِ والشَّهْوِيَّةِ مَثَلًا؛ ولِهَذا قالَ:
﴿لا تَخْتَصِمُوا﴾ [ق: ٢٨] ولَمّا كانَ الأمْرانِ في وُجُودِهِ هُما العَقْلِيَّةَ والوَهْمِيَّةَ، كانَ أصْلُ التَّخاصُمِ بَيْنَهُما، وكَذا يَقَعُ التَّخاصُمُ بَيْنَ كُلِّ مُتَحاوِرِينَ مُتَخاوِضِينَ في أمْرٍ، لِتَوَقُّعِ نَفْعٍ أوْ لَذَّةٍ، يَتَوَقَّفانِ ما دامَ مَطْلُوبُهُما حاصِلًا، فَإذا حُرِّما أوْقَعا بِسَعْيِهِما في خُسْرانٍ وعَذابٍ، تَدارَآ، أوْ نَسَبَ كُلٌّ مِنهُما التَّسَبُّبَ في ذَلِكَ إلى الآخَرِ، لِاحْتِجابِهِما عَنِ التَّوْحِيدِ، وتَبَرُّؤِ كُلٍّ مِنهُما عَنْ ذَنْبِهِ لِمَحَبَّةِ نَفْسِهِ؛ ولِذَلِكَ «قالَ حارِثَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ورَأيْتُ أهْلَ النّارِ يَتَعاوَرُونَ. و«صَوَّبَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلَهُ»» . انْتَهى.
الثّانِي: إنْ قُلْتَ: لِمَ طُرِحَتِ الواوُ مِن جُمْلَةِ ﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ [ق: ٢٧] وذُكِرَتْ في الأُولى؟ قُلْتُ: لِأنَّها اسْتُؤْنِفَتْ كَما تُسْتَأْنَفُ الجُمَلُ الواقِعَةُ في حِكايَةِ التَّقاوُلِ، كَما رَأيْتَ في حِكايَةِ المُقاوَلَةِ بَيْنَ مُوسى وفِرْعَوْنَ.
فَإنْ قُلْتَ: أيْنَ المُقاوَلَةُ؟ قُلْتُ: لَمّا قالَ قَرِينُهُ: ﴿هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: ٢٣] وتَبِعَهُ قَوْلُهُ: ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ [ق: ٢٧] وتَلاهُ: ﴿لا تَخْتَصِمُوا﴾ [ق: ٢٨] عُلِمَ أنَّ ثَمَّ مُقاوَلَةً مِنَ الكافِرِ، لَكِنَّها طُرِحَتْ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها مِنَ السِّياقِ كَأنَّهُ لَمّا قالَ القَرِينُ: ﴿هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: ٢٣] قالَ الكافِرُ: رَبِّ هو أطْغانِي، فَلَمّا قالَ الكافِرُ ذَلِكَ، قالَ القَرِينُ: ما أطْغَيْتُهُ، فَلَمّا حَكى قَوْلَ القَرِينِ والكافِرِ كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ: فَماذا قالَ اللَّهُ تَعالى؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٨] وذِكْرُ الواوِ في الجُمْلَةِ (p-٥٥١٠)الأُولى لِأنَّها أوَّلُ المُقاوَلَةِ، ولا بُدَّ مِن عَطْفِها لِلدَّلالَةِ عَلى الجَمْعِ بَيْنَ مَعْناها ومَعْنى ما قَبْلَها في الحُصُولِ، أعْنِي مَجِيءَ كُلِّ نَفْسٍ مَعَ المَلَكَيْنِ، وقَوْلَ قَرِينِهِ ما قالَهُ لَهُ، هَذا مُلَخَّصُ ما في (الكَشّافِ).
الثّالِثُ: جُوِّزَ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿بِالوَعِيدِ﴾ [ق: ٢٨] أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً في المَفْعُولِ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أوِ المَعِيَّةِ، والمَعْنى: قَدَّمْتُ هَذا القَوْلَ مُوعِدًا لَكم بِهِ، أوْ حالَ كَوْنِ القَوْلِ مُلْتَبِسًا بِالوَعِيدِ، أوْ مِن ﴿لا تَخْتَصِمُوا﴾ [ق: ٢٨] عَلى تَأْوِيلِ تَقْدِيمِ الوَعِيدِ بِالعِلْمِ بِهِ، أيْ: لا تَخْتَصِمُوا عالِمِينَ بِهِ؛ وذَلِكَ لِتَصِحَّ الحالِيَّةُ، ويَكُونَ بَيْنَها وبَيْنَ عامِلِها مُقارَنَةٌ عَلى اصْطِلاحِهِمْ.
الرّابِعُ: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ عَلى أنَّهُ لا خَلْفَ في إيعادِ اللَّهِ تَعالى، كَما لا إخْلافَ في مِيعادِ اللَّهِ. وهَذا يَرُدُّ عَلى المُرْجِئَةِ حَيْثُ قالُوا: ما ورَدَ في القُرْآنِ مِنَ الوَعِيدِ فَهو تَخْوِيفٌ لا يُحَقِّقُ اللَّهُ شَيْئًا مِنهُ، وقالُوا: الكَرِيمُ إذا وعَدَ أنْجَزَ ووَفّى، وإذا أوْعَدَ أخْلَفَ وعَفا، أفادَهُ الرّازِيُّ.
ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ لَوْ صَحَّ ما ذَكَرُوهُ لَلَزِمَ تَبْدِيلُ قَوْلِهِ تَعالى، والخَلْفُ في إخْبارِهِ -تَقَدَّسَ عَنْ ذَلِكَ- مَعَ أنَّ طَبِيعَةَ الذَّنْبِ تَقْتَضِي العُقُوبَةَ، إلّا أنْ يُتابَ مِنهُ، أوْ يَشاءَ تَعالى العَفْوَ عَنْهُ.
الخامِسُ: ذَكَرُوا في سِرِّ المُبالَغَةِ في ﴿بِظَلامٍ﴾ وُجُوهًا:
مِنها: أنَّ (فَعّالًا) قَدْ ورَدَ بِمَعْنى (فاعِلٍ)، فَهَذا مِنهُ.
ومِنها: اعْتِبارُ كَثْرَةِ الخَلْقِ.
ومِنها: أنَّ المَنسُوبَ في المُعْتادِ إلى المُلُوكِ مِنَ الظُّلْمِ تَحْتَ ظُلْمِهِمْ، إنْ عَظِيمًا فَعَظِيمٌ وإنْ قَلِيلًا فَقَلِيلٌ، فَما كانَ مُلْكُ اللَّهِ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ مَلَكَهُ، قَدَّسَ ذاتَهُ عَمّا يَتَوَهَّمُ مَخْذُولٌ، والعِياذُ بِاللَّهِ، أنَّهُ مَنسُوبٌ إلَيْهِ مِن ظُلْمٍ تَحْتَ شُمُولِ كُلِّ مَوْجُودٍ.
(p-٥٥١١)
{"ayah":"مَا یُبَدَّلُ ٱلۡقَوۡلُ لَدَیَّ وَمَاۤ أَنَا۠ بِظَلَّـٰمࣲ لِّلۡعَبِیدِ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











