الباحث القرآني
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٤] ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ أيْ: مِنَ المُحارِبِينَ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
(p-١٩٥٥)وفِي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:
الأُولى - رَوى ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّها نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أُبَيٍّ، أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ الكِتابِ نَقَضُوا عَهْدَهم مَعَ النَّبِيِّ ﷺ. وظاهِرٌ أنَّها عامَّةٌ في المُشْرِكِينَ وغَيْرِهِمْ مِمَّنِ ارْتَكَبَ هَذِهِ الصِّفاتِ. كَما رَوى الشَّيْخانِ وأهْلُ السُّنَنِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وهَذا لَفْظُهُ: عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ؛ «أنَّ ناسًا مِن عُرَيْنَةَ قَدِمُوا المَدِينَةَ فاجْتَوَوْها. فَبَعَثَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في إبِلِ الصَّدَقَةِ وأمَرَهم أنْ يَشْرَبُوا مِن أبْوالِها فَفَعَلُوا فَصَحُّوا، فارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ، وقَتَلُوا الرّاعِيَ وساقُوا الإبِلَ. فَأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في آثارِهِمْ، فَجِيءَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم مِن خِلافٍ، وسَمَلَ أعْيُنَهم وألْقاهم في الحَرَّةِ. قالَ أنَسٌ: فَلَقَدْ رَأيْتُ أحَدَهم يَكْدُمُ الأرْضَ بِفِيهِ عَطَشًا، حَتّى ماتُوا. ونَزَلَتْ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] الآيَةَ». ولِمُسْلِمٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: «إنَّما سَمَلَ النَّبِيُّ ﷺ (p-١٩٥٦)أعْيُنَ أُولَئِكَ لِأنَّهم سَمَلُوا أعْيُنَ الرِّعاءِ». وعِنْدَ البُخارِيِّ: قالَ أبُو قِلابَةَ: فَهَؤُلاءِ سَرَقُوا وقَتَلُوا وبَعْدَ إيمانِهِمْ وحارَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ.
الثّانِيَةُ - زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ نَسْخًا لِعُقُوبَةِ العُرَنِيِّينَ المُتَقَدِّمَةِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قالَ: ذاكَرْتُ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ: ما كانَ سَمْلُ النَّبِيِّ ﷺ أعْيُنَهم وتَرْكَهُ حَسْمَهم حَتّى ماتُوا. فَقالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَجْلانَ يَقُولُ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعاتَبَةً في ذَلِكَ وعَلَّمَهُ عُقُوبَةَ مِثْلِهِمْ مِنَ القَطْعِ والقَتْلِ والنَّفْيِ، ولَمْ يَسْمِلْ بَعْدَهم غَيْرَهم. قالَ: وكانَ هَذا القَوْلُ ذُكِرَ لِأبِي عَمْرٍو - يَعْنِي الأوْزاعِيَّ - فَأنْكَرَ أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ مُعاتَبَةً، وقالَ: بَلى. كانَتْ عُقُوبَةَ أُولَئِكَ النَّفَرِ بِأعْيانِهِمْ. ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عُقُوبَةِ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ حارَبَ بَعْدَهم. فَرَفَعَ عَنْهُمُ السَّمْلَ. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ أيْضًا في القِصَّةِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: فَما مَثَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلُ ولا بَعْدُ، قالَ: (p-١٩٥٧)ونَهى عَنِ المُثْلَةِ، قالَ: ««لا تُمَثِّلُوا بِشَيْءٍ.»» والنَّهْيُ عَنِ المُثْلَةِ مَرْوِيٌّ في الصَّحِيحِ والسُّنَنِ.
الثّالِثَةُ - احْتَجَّ بِعُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ جُمْهُورُ العُلَماءِ، في ذَهابِهِمْ إلى أنَّ المُحارَبَةَ في الأمْصارِ وفي السَّبَلاتِ عَلى السَّواءِ. لِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ [المائدة: ٣٣] وهَذا مَذْهَبُ مالِكٍ والأوْزاعِيِّ واللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ والشّافِعِيِّ وأحْمَدَ.
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ: ولَوْ شَهَرُوا السِّلاحَ في البُنْيانِ لا في الصَّحْراءِ لِأخْذِ المالِ. فَقَدْ قِيلَ: إنَّهم لَيْسُوا مُحارِبِينَ بَلْ هم بِمَنزِلَةِ المُنْتَهِبِ. لِأنَّ المَطْلُوبَ يُدْرِكُهُ الغَوْثُ إذا اسْتَغاثَ بِالنّاسِ. وقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّ حُكْمَ مَن في البُنْيانِ والصَّحْراءِ واحِدٌ، بَلْ هم في البُنْيانِ أحَقُّ بِالعُقُوبَةِ مِنهم في الصَّحْراءِ. لِأنَّ البُنْيانَ مَحَلُّ الأمْنِ والطُّمَأْنِينَةِ، ولِأنَّهُ مَحَلُّ تَناصُرِ النّاسِ وتَعاوُنِهِمْ، فَإقْدامُهم عَلَيْهِ يَقْتَضِي شِدَّةَ المُحارَبَةِ والمُغالَبَةِ، ولِأنَّهم يَسْلُبُونَ الرَّجُلَ في دارِهِ جَمِيعَ مالِهِ، والمُسافِرُ لا يَكُونُ مَعَهُ غالِبًا إلّا بَعْضُ مالِهِ؛ وهَذا هو الصَّوابُ.
حَتّى قالَ مالِكٌ في الَّذِي يَغْتالُ الرَّجُلَ فَيَخْدَعُهُ حَتّى يُدْخِلَهُ بَيْتًا فَيَقْتُلَهُ ويَأْخُذَ ما مَعَهُ: إنَّ هَذِهِ مُحارَبَةٌ. ودَمُهُ إلى السُّلْطانِ لا إلى ولِيِّ المَقْتُولِ. ولا اعْتِبارَ بِعَفْوِهِ عَنْهُ في إنْفاذِ القَتْلِ.
(p-١٩٥٨)وإنَّما كانَ ذَلِكَ مُحارَبَةً، لِأنَّ القَتْلَ بِالحِيلَةِ كالقَتْلِ مُكابَرَةً، كِلاهُما لا يُمْكِنُ الِاحْتِرازُ مِنهُ، بَلْ قَدْ يَكُونُ ضَرَرُ هَذا أشَدَّ، لِأنَّهُ لا يَدْرِي بِهِ.
وقِيلَ: إنَّ المُحارِبَ هو المُجاهِرُ بِالقِتالِ، وإنَّ هَذا المُغْتالَ يَكُونُ أمْرُهُ إلى ولِيِّ أمْرِ الدَّمِ. والأوَّلُ أشْبَهُ بِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ.
الرّابِعَةُ - ظاهِرُ الآيَةِ: أنَّ عُقُوبَةَ المُحارِبِينَ المُفْسِدِينَ أحَدُ هَذِهِ الأنْواعِ. فَيَفْعَلُ الإمامُ مِنها ما رَأى فِيهِ صَلاحًا. قالَ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ: مَن شَهَرَ السِّلاحَ في قُبَّةِ الإسْلامِ، وأخافُ السَّبِيلَ ثُمَّ ظُفِرَ بِهِ وقُدِرَ عَلَيْهِ، فَإمامُ المُسْلِمِينَ فِيهِ بِالخِيارِ: إنْ شاءَ قَتَلَهُ، وإنْ شاءَ صَلَبَهُ، وإنْ شاءَ قَطَعَ يَدَهُ ورِجْلَهُ. وكَذا قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ (p-١٩٥٩)والحَسَنُ البَصْرِيُّ وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ والضَّحّاكُ. كَما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وحُكِيَ مِثْلُهُ عَنْ أنَسٍ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ومُسْتَنَدُ هَذا القَوْلِ ظاهِرٌ. ولِلتَّخْيِيرِ نَظائِرُ مِنَ القُرْآنِ. كَقَوْلِهِ في جَزاءِ الصَّيْدِ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ [المائدة: ٩٥] وقَوْلِهِ في كَفّارَةِ التَّرَفُّهِ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وقَوْلِهِ في كَفّارَةِ اليَمِينِ: ﴿إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكم أوْ كِسْوَتُهم أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] وهَذِهِ كُلُّها عَلى التَّخْيِيرِ، فَكَذَلِكَ فَلْتَكُنْ هَذِهِ الآيَةُ. وقالَ (p-١٩٦٠)الجُمْهُورُ: هَذِهِ الآيَةُ مُنَزَّلَةٌ عَلى أحْوالٍ.
أخْرَجَ الشّافِعِيُّ عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أبِي يَحْيى، عَنْ صالِحٍ مَوْلى التَّوْأمَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قُطّاعِ الطَّرِيقِ: إذا قَتَلُوا وأخَذُوا المالَ قُتِلُوا وصُلِبُوا. وإذا قَتَلُوا ولَمْ يَأْخُذُوا المالَ قُتِلُوا ولَمْ يُصْلَبُوا، وإذا أخَذُوا المالَ ولَمْ يَقْتُلُوا، قُطِّعَتْ أيْدِيهم وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ، وإذا أخافُوا السَّبِيلَ ولَمْ يَأْخُذُوا المالَ نُفُوا مِنَ الأرْضِ. وقَدْ رَواهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمانَ، عَنْ حَجّاجٍ، عَنْ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِنَحْوِهِ، وعَنْ أبِي مِجْلَزٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ والحَسَنِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ نَحْوُ ذَلِكَ. وهَكَذا قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ والأئِمَّةِ انْتَهى.
وفِي "النِّهايَةِ" مِن فِقْهِ الزَّيْدِيَّةِ: يُرْجَعُ في المُحارِبِ إلى رَأْيِ الإمامِ، فَإنْ كانَ لَهُ رَأْيٌ قَتَلَهُ أوْ صَلَبَهُ - لِأنَّ القَطْعَ لا يَدْفَعُ المَضَرَّةَ - وإنْ كانَ لا رَأْيَ لَهُ لَكِنَّهُ ذُو قُوَّةٍ قَطَعَهُ مِن خِلافٍ، وإنَّ عُدِمَ القُوَّةَ والرَّأْيَ ضُرِبَ ونُفِيَ؛ وهَذا مَعْنى التَّخْيِيرِ بَيْنَ هَذِهِ الأُمُورِ، أنَّهُ يَرْجِعُ إلى اجْتِهادِ الإمامِ، عَلى ما ذُكِرَ. انْتَهى.
ورَأيْتُ لِشَيْخِ الإسْلامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ فَصْلًا مُهِمًّا في المُحارِبِينَ في كِتابِهِ "السِّياسَةُ الشَّرْعِيَّةُ" وقَدْ مَثَّلَهم بِقُطّاعِ الطَّرِيقِ الَّذِينَ يَعْتَرِضُونَ النّاسَ بِالسِّلاحِ في الطُّرُقاتِ ونَحْوِها لِيَغْصِبُوهُمُ المالَ مُجاهَرَةً، مِنَ الأعْرابِ أوِ التُّرْكُمانِ أوِ الأكْرادِ أوِ الفَلّاحِينَ أوْ فَسَقَةِ الجُنْدِ أوْ مَرَدَةِ الحاضِرَةِ أوْ غَيْرِهِمْ. ثُمَّ ساقَ رِوايَةَ الشّافِعِيِّ المُتَقَدِّمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقالَ:
هَذا قَوْلُ كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ - كالشّافِعِيِّ وأحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - وهو قَرِيبٌ مِن قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ومِنهم مَن قالَ: لِلْإمامِ أنْ يَجْتَهِدَ فِيهِمْ فَيَقْتُلَ مَن رَأى قَتْلَهُ (p-١٩٦١)مَصْلَحَةً فِيهِمْ وإنْ كانَ لَمْ يَقْتُلْ مِثْلَ أنْ يَكُونَ رَئِيسًا مُطاعًا فِيهِمْ. ويَقْطَعَ مَن رَأى قَطْعَهُ مَصْلَحَةً وإنْ كانَ لَمْ يَأْخُذِ المالَ. مِثْلَ أنْ يَكُونَ ذا جَلَدٍ وقُوَّةٍ في أخْذِ المالِ. كَما أنَّ مِنهم مَن يَرى أنَّهُ إذا أخَذُوا المالَ قُتِّلُوا وقُطِّعُوا وصُلِّبُوا. والأوَّلُ قَوْلُ الأكْثَرِ. فَمَن كانَ مِنَ المُحارِبِينَ قَدْ قَتَلَ فَإنَّهُ يَقْتُلُهُ الإمامُ حَدًّا لا يَجُوزُ العَفْوُ عَنْهُ بِحالٍ، بِإجْماعِ العُلَماءِ. ذَكَرَهُ ابْنُ المُنْذِرِ. ولا يَكُونُ أمْرُهُ إلى ورَثَةِ المَقْتُولِ. بِخِلافِ ما لَوْ قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا لِعَداوَةٍ بَيْنَهُما، أوْ لِخُصُومَةٍ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ الخاصَّةِ. فَإنَّ هَذا دَمُهُ لِأوْلِياءِ المَقْتُولِ. إنْ أحَبُّوا قَتَلُوا. وإنْ أحَبُّوا عَفَوْا. وإنْ أحَبُّوا أخَذُوا الدِّيَةَ لِأنَّهُ قَتَلَهُ لِغَرَضٍ خاصٍّ. وأمّا المُحارِبُونَ فَإنَّما يُقْتَلُونَ لِأخْذِ أمْوالِ النّاسِ، فَضَرَرُهم عامٌّ بِمَنزِلَةِ السُّرّاقِ. فَكانَ قَتْلُهم حَدَّ اللَّهِ. وهَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الفُقَهاءِ. حَتّى لَوْ كانَ المَقْتُولُ غَيْرَ مُكافِئٍ لِلْقاتِلِ. مِثْلَ أنْ يَكُونَ القاتِلُ حُرًّا والمَقْتُولُ عَبْدًا، أوِ القاتِلُ مُسْلِمًا والمَقْتُولُ ذِمِّيًّا أوْ مُسْتَأْمَنًا. فَقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ: هَلْ يُقْتَلُ في المُحارَبَةِ؟ والأقْوى أنَّهُ يُقْتَلُ لِلْفَسادِ العامِّ حَدًّا، كَما يُقْطَعُ إذا أخَذَ أمْوالَهم. وكَما يُحْبَسُ بِحُقُوقِهِمْ. وإذا كانَ المُحارِبُونَ الحَرامِيَّةُ جَماعَةً، فالواحِدُ مِنهم باشَرَ القَتْلَ بِنَفْسِهِ والباقُونَ لَهُ أعْوانٌ ورِدْءٌ لَهُ، فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ يُقْتَلُ المُباشِرُ فَقَطْ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الجَمِيعَ يُقْتَلُونَ ولَوْ كانُوا مِائَةً. والرِّدْءُ والمُباشِرُ سَواءٌ. وهَذا هو المَأْثُورُ عَنِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ. فَإنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَتَلَ رَبِيئَةَ المُحارِبِينَ. والرَّبِيئَةُ هو النّاظُورُ الَّذِي يَجْلِسُ عَلى مَكانٍ عالٍ يَنْظُرُ مِنهُ لَهم مَن يَجِيءُ.
ولِأنَّ المُباشِرَ إنَّما يُمَكَّنُ مِن قَتْلِهِ بِقُوَّةِ الرِّدْءِ ومَعُونَتِهِ. والطّائِفَةُ إذا انْتَصَرَ بَعْضُها بِبَعْضٍ، حَتّى صارُوا مُمْتَنِعِينَ، فَهم مُشْتَرِكُونَ في الثَّوابِ والعِقابِ كالمُجاهِدِينَ. فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««المُسْلِمُونَ تَتَكافَأُ دِماؤُهُمْ، ويَسْعى بِذِمَّتِهِمْ أدْناهُمْ، وهم يَدٌ عَلى مَن سِواهُمْ، ويَرُدُّ (p-١٩٦٢)مُتَسَرِّيهِمْ عَلى قاعِدَتِهِمْ»» . يَعْنِي: أنَّ جَيْشَ المُسْلِمِينَ إذا تَسَرَّتْ مِنهُ سَرِيَّةٌ فَغَنِمَتْ مالًا، فَإنَّ الجَيْشَ يُشارِكُها فِيما غَنِمَتْ، لِأنَّها بِظَهْرِهِ وقُوَّتِهِ تَمَكَّنَتْ. لَكِنْ تُنْفَلُ عَنْهُ نَفْلًا. فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَنْفُلُ السَّرِيَّةَ، إذا كانُوا في بِدايَتِهِمْ، الرُّبْعَ بَعْدَ الخُمْسِ. فَإذا رَجَعُوا إلى أوْطانِهِمْ وتَسَرَّتْ سَرِيَّةٌ، نَفَلَهُمُ الثُّلُثَ بَعْدَ الخُمْسِ. وكَذَلِكَ لَوْ غَنِمَ الجَيْشُ غَنِيمَةً شارَكَتْهُ السَّرِيَّةُ؛ لِأنَّها في مَصْلَحَةِ الجَيْشِ. كَما قَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ لِطَلْحَةَ والزُّبَيْرِ يَوْمَ بَدْرٍ، لِأنَّهُ كانَ قَدْ بَعَثَهُما في مَصْلَحَةِ الجَيْشِ. فَأعْوانُ الطّائِفَةِ المُتَمَنِّعَةِ وأنْصارُها مِنها، فِيما لَهم وعَلَيْهِمْ. وهَكَذا المُقْتَتِلُونَ عَلى باطِلٍ لا تَأْوِيلَ فِيهِ، مِثْلَ المُقْتَتِلِينَ عَلى عَصَبِيَّةٍ ودَعْوى جاهِلِيَّةٍ. كَقَيْسٍ ويَمَنٍ ونَحْوِهِما، هُما ظالِمَتانِ. كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««إذا التَقى المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما فالقاتِلُ والمَقْتُولُ في النّارِ» . قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! هَذا القاتِلُ فَما بالُ المَقْتُولِ؟ قالَ: «إنَّهُ أرادَ قَتْلَ صاحِبِهِ»» . أخْرَجاهُ في "الصَّحِيحَيْنِ" وتَضْمَنُ كُلُّ طائِفَةٍ ما أتْلَفَتْهُ الأُخْرى مِن نَفْسٍ ومالٍ وإنْ لَمْ يُعْرَفْ عَيْنُ القاتِلِ. لِأنَّ الطّائِفَةَ الواحِدَةَ المُتَمَنِّعَ بَعْضُها بِبَعْضٍ كالشَّخْصِ الواحِدِ. وأمّا إذا أخَذُوا المالَ فَقَطْ ولَمْ يَقْتُلُوا - كَما قَدْ يَفْعَلُهُ الأعْرابُ كَثِيرًا - فَإنَّهُ يُقْطَعُ مِن كُلِّ واحِدٍ يَدُهُ اليُمْنى ورِجْلُهُ اليُسْرى عِنْدَ أكْثَرِ العُلَماءِ. كَأبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ وأحْمَدَ وغَيْرِهِمْ. وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ﴾ [المائدة: ٣٣] تُقَطَّعُ اليَدُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها، والرِّجْلُ الَّتِي يَمْشِي عَلَيْها، وتُحْسَمُ يَدُهُ ورِجْلُهُ (p-١٩٦٣)بِالزَّيْتِ المَغْلِيِّ ونَحْوِهِ، لِيَنْحَسِمَ الدَّمُ فَلا يَخْرُجُ فَيُفْضِي إلى تَلَفِهِ. وكَذا تُحْسَمُ يَدُ السّارِقِ بِالزَّيْتِ. وهَذا الفِعْلُ قَدْ يَكُونُ أزْجَرَ مِنَ القَتْلِ. فَإنَّ الأعْرابَ وفَسَقَةَ الجُنْدِ وغَيْرَهُمْ، إذا رَأوْا دائِمًا مَن هو بَيْنَهم مَقْطُوعُ اليَدِ والرِّجْلِ، ذَكَرُوا بِذَلِكَ جُرْمَهُ، فارْتَدَعُوا. بِخِلافِ القَتْلِ، فَإنَّهُ قَدْ يُنْسى. وقَدْ يُؤَثِّرُ في بَعْضِ النُّفُوسِ الأبِيَّةِ قَتْلُهُ عَلى قَطْعِ يَدِهِ ورِجْلِهِ مِن خِلافٍ. فَيَكُونُ هَذا أشَدَّ تَنْكِيلًا لَهُ ولِأمْثالِهِ. وأمّا إذا شَهَرُوا السِّلاحَ ولَمْ يَقْتُلُوا نَفْسًا ولَمْ يَأْخُذُوا مالًا، ثُمَّ أغْمَدُوهُ أوْ هَرَبُوا، وتَرَكُوا الحِرابَ، فَإنَّهم يُنْفَوْنَ. فَقِيلَ (نَفْيُهُمْ) تَشْرِيدُهم. فَلا يُتْرَكُونَ يَأْوُونَ في بَلَدٍ. وقِيلَ: هو حَبْسُهم. وقِيلَ: هو ما يَراهُ الإمامُ أصْلَحَ مِن نَفْيٍ أوْ حَبْسٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. والقَتْلُ المَشْرُوعُ ضَرْبُ الرَّقَبَةِ بِالسَّيْفِ ونَحْوِهِ. لِأنَّ ذَلِكَ أوْحى (أيْ: أسْرَعُ) أنْواعِ القَتْلِ. وكَذَلِكَ شَرَعَ اللَّهُ قَتْلَ ما يُباحُ قَتْلُهُ مِنَ الآدَمِيِّينَ والبَهائِمِ إذا قُدِرَ عَلَيْهِ عَلى هَذا الوَجْهِ. قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإحْسانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ. فَإذا قَتَلْتُمْ فَأحْسِنُوا القِتْلَةَ. وإذا ذَبَحْتُمْ فَأحْسِنُوا الذَّبْحَ. ولْيُحِدَّ أحَدُكم شَفْرَتَهُ، ولْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ»» . رَواهُ مُسْلِمٌ. وقالَ: ««إنَّ أعَفَّ النّاسِ قِتْلَةً أهْلُ الإيمانِ»» . وأمّا الصَّلْبُ المَذْكُورُ فَهو رَفْعُهم عَلى مَكانٍ عالٍ لِيَراهُمُ النّاسُ ويَشْتَهِرَ أمْرُهُمْ، وهو بَعْدَ القَتْلِ، عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ. ومِنهم مَن قالَ: يُصْلَبُونَ ثُمَّ يُقْتَلُونَ وهم مَصْلُوبُونَ. وقَدْ جَوَّزَ بَعْضُ الفُقَهاءِ قَتْلَهم بِغَيْرِ السَّيْفِ حَتّى قالَ: يُتْرَكُونَ عَلى المَكانِ العالِي حَتّى يَمُوتُوا حَتْفَ أُنُوفِهِمْ بِلا قَتْلٍ.
الخامِسَةُ: تَتِمَّةُ الآيَةِ. أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] تَدُلُّ عَلى أنَّ المُحارِبِينَ يُعاقَبُونَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مُطْلَقًا. ولا يَكُونُ الحَدُّ المَذْكُورُ طُهْرَةً لَهُمْ، ولَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ.
(p-١٩٦٤)قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": قالَ ابْنُ الفَرَسِ: ظاهِرُهُ أنَّ عُقُوبَةَ المُحارِبِ لا تَكُونُ كَفّارَةً لَهُ، كَما تَكُونُ في سائِرِ الحُدُودِ.
وقالَ العارِفُ الشَّعَرانِيُّ في "مِيزانِهِ": سَمِعْتُ شَيْخَنا، شَيْخَ الإسْلامِ زَكَرِيّا رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: لَمْ يَرِدْ لَنا أنَّ أحَدًا يُؤْخَذُ بِذَنْبِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مَعًا، إلّا المُحارِبِينَ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ﴾ [المائدة: ٣٣] الآيَةَ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا يُرَجِّحُ رِوايَةَ نُزُولِها في المُشْرِكِينَ. فَأمّا أهْلُ الإسْلامِ فَفي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «أخَذَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، كَما أخَذَ عَلى النِّساءِ، ألّا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا ولا نَسْرِقَ ولا نَزْنِيَ ولا نَقْتُلَ أوْلادَنا ولا يَعْضَهُ بَعْضُنا بَعْضًا. فَمَن وفى مِنكم فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ تَعالى، ومَن أتى مِنكم حَدًّا فَأُقِيمَ عَلَيْهِ فَهو كَفّارَتُهُ، ومَن سَتَرَهُ اللَّهُ فَأمْرُهُ إلى اللَّهِ. إنْ شاءَ عَذَّبَهُ وإنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ».
السّادِسَةُ: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ عَلى أنَّ تَوْبَةَ المُحارِبِينَ، قَبْلَ الظَّفَرِ بِهِمْ، تُسْقِطُ عَنْهم حَدَّ المُحارِبِينَ المَذْكُورَ في الآيَةِ. سَواءٌ كانُوا مُشْرِكِينَ أوْ مُسْلِمِينَ. وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وأبِي هُرَيْرَةَ والسُّدِّيِّ وغَيْرِهِ. وقَدْ قالَ الهادِي: إذا تابَ المُحارِبُ قَبْلَ الظَّفَرِ بِهِ، سَقَطَ عَنْهُ كُلُّ تَبِعَةٍ مِن قَتْلٍ أوْ دَيْنٍ، لِعُمُومِ الآيَةِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّها في أهْلِ الشِّرْكِ فَظاهِرٌ. أيْ: فَإنَّهم إذا آمَنُوا قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، سَقَطَ عَنْهم جَمِيعُ الحُدُودِ المَذْكُورَةِ. فَلا يُطالَبُونَ بِشَيْءٍ مِمّا أصابُوا مِن مالٍ أوْ دَمٍ. قالَ أبُو إسْحاقَ: جَعَلَ اللَّهُ التَّوْبَةَ لِلْكُفّارِ تَدْرَأُ عَنْهُمُ الحُدُودَ الَّتِي وجَبَتْ عَلَيْهِمْ في كُفْرِهِمْ، لِيَكُونَ ذَلِكَ داعِيًا لَهم إلى الدُّخُولِ في الإسْلامِ. وأمّا المُحارِبُونَ المُسْلِمُونَ، فَإذا تابُوا قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ فَإنَّهُ يُسْقِطُ عَنْهم تَحَتُّمَ القَتْلِ والصَّلْبِ وقَطْعَ الرِّجْلِ. وهَلْ يَسْقُطُ قَطْعُ اليَدِ؟ فِيهِ قَوْلانِ لِلْعُلَماءِ. وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي سُقُوطَ الجَمِيعِ، وعَلَيْهِ عَمَلُ الصَّحابَةِ (p-١٩٦٥)كَما رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: كانَ حارِثَةُ بْنُ بَدْرٍ التَّمِيمِيُّ مِن أهْلِ البَصْرَةِ - وكانَ قَدْ أفْسَدَ في الأرْضِ وحارَبَ - فَكَلَّمَ رِجالًا مِن قُرَيْشٍ مِنهُمُ: الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ؛ فَكَلَّمُوا عَلِيًّا فِيهِ فَلَمْ يُؤَمِّنْهُ. فَأتى سَعِيدَ بْنَ قَيْسٍ الهَمْدانِيَّ، فَخَلَّفَهُ في دارِهِ ثُمَّ أتى عَلِيًّا فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! أرَأيْتَ مَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ وسَعى في الأرْضِ فَسادًا - فَقَرَأ حَتّى بَلَغَ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ فَقالَ: اكْتُبْ لَهُ أمانًا. قالَ سَعِيدُ بْنُ قَيْسٍ: فَإنَّهُ جارِيَةُ بْنُ بَدْرٍ. وكَذا رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن غَيْرِ وجْهٍ عَنْ مُجالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ، فَقالَ حارِثَةُ بْنُ بَدْرٍ:
؎ألا أبْلِغا هَمْدانَ إمّا لَقِيتَها عَلى النَّأْيِ لا يَسْلَمْ عَدُوٌّ يَعِيبُها
؎لَعَمْرُ أبِيها إنَّ هَمْدانَ تَتَّقِي الـ ∗∗∗ إلَهَ ويَقْضِي بِالكِتابِ خَطِيبُها
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ - مِن طَرِيقِ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ عَنِ السُّدِّيِّ، ومِن طَرِيقِ أشْعَثَ - كِلاهُما. عَنْ عامِرٍ الشَّعْبِيِّ قالَ: جاءَ رَجُلٌ مِن مُرادٍ إلى أبِي مُوسى - وهو عَلى الكُوفَةِ في إمْرَةِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَعْدَ ما صَلّى المَكْتُوبَةَ فَقالَ: يا أبا مُوسى! هَذا مَقامُ العائِذِ بِكَ. أنا فُلانُ بْنُ فُلانٍ المُرادِيُّ. كُنْتُ حارَبْتُ اللَّهَ ورَسُولَهُ، وسَعَيْتُ في الأرْضِ فَسادًا، وإنِّي تُبْتُ مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيَّ. فَقامَ أبُو مُوسى فَقالَ: إنَّ هَذا فُلانُ بْنُ فُلانٍ. وإنَّهُ كانَ حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ وسَعى في الأرْضِ فَسادًا، وإنَّهُ تابَ مِن قَبْلِ أنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ، فَمَن لَقِيَهُ فَلا يَعْرِضْ لَهُ إلّا بِخَيْرٍ، (فَإنْ يَكْ صادِقًا فَسَبِيلُ مَن صَدَقَ. وإنْ يَكْ كاذِبًا تُدْرِكْهُ ذُنُوبُهُ). فَأقامَ الرَّجُلُ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ إنَّهُ خَرَجَ فَأدْرَكَهُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِ فَقَتَلَهُ. ثُمَّ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، حَدَّثَنا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قالَ: قالَ اللَّيْثُ. وكَذَلِكَ حَدَّثَنِي مُوسى بْنُ إسْحاقَ المَدَنِيُّ، وهو الآمِرُ عِنْدَنا، (p-١٩٦٦)أنَّ عَلِيًّا الأسَدِيَّ حارَبَ وأخافَ السَّبِيلَ، وأصابَ الدَّمَ والمالَ، فَطَلَبَهُ الأئِمَّةُ والعامَّةُ، فامْتَنَعَ ولَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ حَتّى جاءَ تائِبًا، وذَلِكَ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَقالَ: يا عَبْدَ اللَّهِ! أعِدْ قِراءَتَها. فَأعادَها عَلَيْهِ. فَغَمَدَ سَيْفَهُ ثُمَّ جاءَ تائِبًا حَتّى قَدِمَ المَدِينَةَ مِنَ السَّحَرِ. فاغْتَسَلَ. ثُمَّ أتى مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَصَلّى الصُّبْحَ ثُمَّ قَعَدَ إلى أبِي هُرَيْرَةَ في غِمارِ أصْحابِهِ. فَلَمّا أسْفَرَ عَرَفَهُ النّاسُ فَقامُوا إلَيْهِ. فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: صَدَقَ. وأخَذَ بِيَدِهِ أبُو هُرَيْرَةَ حَتّى أتى مَرْوانَ بْنَ الحَكَمِ - في إمْرَتِهِ عَلى المَدِينَةِ في زَمَنِ مُعاوِيَةَ - فَقالَ: هَذا عَلِيٌّ جاءَ تائِبًا ولا سَبِيلَ لَكم عَلَيْهِ ولا قَتْلَ. قالَ: فَتُرِكَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ. قالَ: وخَرَجَ عَلِيٌّ تائِبًا مُجاهِدًا في سَبِيلِ اللَّهِ في البَحْرِ. فَلَقُوا الرُّومَ. فَقَرَّبُوا سَفِينَتَهُ إلى سَفِينَةٍ مِن سُفُنِهِمْ. فاقْتَحَمَ عَلى الرُّومِ في سَفِينَتِهِمْ. فَهُزِمُوا مِنهُ إلى سَفِينَتِهِمُ الأُخْرى. فَمالَتْ بِهِمْ وبِهِ. فَغَرِقُوا جَمِيعًا.
هَذا، وفي تَفْسِيرِ بَعْضِ الزَّيْدِيَّةِ - نَقْلًا عَنْ زَيْدٍ والنَّفْسِ الزَّكِيَّةِ والمُؤَيَّدِ بِاللَّهِ وأبِي حَنِيفَةَ ومالِكٍ والشّافِعِيِّ - أنَّ تَوْبَةَ المُحارِبِ تُسْقِطُ الحُدُودَ لِلَّهِ، دُونَ حُقُوقِ بَنِي آدَمَ مِن قَتْلٍ أوْ مالٍ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البقرة: ١٧٨] وقَوْلِهِ: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] (p-١٩٦٧)وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] وقَوْلِهِ ﷺ: ««عَلى اليَدِ ما أخَذَتْ حَتّى تَرُدَّ»»، وقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ««لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِطِيبَةٍ مِن نَفْسِهِ»» . قالَ في "شَرْحِ الإبانَةِ": ورَوى زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِإسْنادِهِ إلى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ أنَّ قاطِعَ الطَّرِيقِ، إذا تابَ قَبْلَ أنْ يُؤْخَذَ وظَفِرَ بِهِ الإمامُ. ضَمِنَ المالَ واقْتُصَّ مِنهُ. ثُمَّ قالَ: أمّا الكافِرُ فَلا خِلافَ أنَّ تَوْبَتَهُ تُسْقِطُ عَنْهُ جَمِيعَ الحُدُودِ. انْتَهى.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ، فَمَن تابَ مِنهم قَبْلَ أنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَبِيلٌ.
ولَيْسَتْ تُحْرِزُ هَذِهِ الآيَةُ الرَّجُلَ المُسْلِمَ مِنَ الحَدِّ، إنْ قَتَلَ أوْ أفْسَدَ في الأرْضِ أوْ حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ.
{"ayah":"إِلَّا ٱلَّذِینَ تَابُوا۟ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُوا۟ عَلَیۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











