الباحث القرآني
(p-٥٣٦٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٤_٣٥] ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] .
﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ألَيْسَ هَذا﴾ أيْ: عَلى الإحْياءِ إحْياءً: ﴿بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿فاصْبِرْ﴾ [الأحقاف: ٣٥] أيْ: عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وتَكْذِيبِهِمْ وإيذائِهِمْ: ﴿كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] أيْ: أُولُو الثَّباتِ والجِدِّ مِنهُمْ، فَإنَّكَ مِنهم. والعَزْمُ -فِي اللُّغَةِ- كالعَزِيمَةِ، ما عَقَدْتَ قَلْبَكَ عَلَيْهِ مِن أمْرٍ. والعَزْمُ أيْضًا القُوَّةُ عَلى الشَّيْءِ والصَّبْرُ عَلَيْهِ. فالمُرادُ بِهِ هُنا المُجْتَهِدُونَ، المُجِدُّونَ، أوِ الصّابِرُونَ عَلى أمْرِ اللَّهِ فِيما عَهِدَهُ إلَيْهِمْ، وقَدَّرَهُ وقَضاهُ عَلَيْهِمْ. ومُطْلَقُ الجِدِّ، والجُهْدِ، والصَّبْرِ مَوْجُودٌ في جَمِيعِ الرُّسُلِ، بَلِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَثِيرٍ مِنَ الأوْلِياءِ. فَلِذا ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى أنَّهم جَمِيعُ الرُّسُلِ، وأنَّ (مِن) بَيانِيَّةٌ لا تَبْعِيضِيَّةٌ، فَكُلُّ رَسُولٍ مِن أُولِي العَزْمِ، فَإنْ أُرِيدَ بِهِ مَعْنًى مَخْصُوصٌ بِبَعْضِهِمْ، فَلا بُدَّ مِن بَيانِهِ لِيَظْهَرَ وجْهُ التَّخْصِيصِ. ومَنشَأُ الِاخْتِلافِ في عَدَدِهِمْ إلى أقْوالٍ:
أحَدُها - أنَّهم جَمِيعُ الرُّسُلِ. والثّانِي - أنَّهم أرْبَعَةٌ: نُوحٌ وإبْراهِيمُ ومُوسى ومُحَمَّدٌ. والثّالِثُ - أنَّهم خَمْسَةٌ بِزِيادَةِ عِيسى، كَما قِيلَ:
؎أُولِي العَزْمِ نُوحٌ والخَلِيلُ المُمَجَّدُ ومُوسى وعِيسى والنَّبِيُّ مُحَمَّدُ
والرّابِعُ -أنَّهم سِتَّةٌ، بِزِيادَةِ هارُونَ أوْ داوُدَ. والخامِسُ -أنَّهم سَبْعَةٌ بِزِيادَةِ آدَمَ. والسّادِسُ -أنَّهم تِسْعَةٌ، بِزِيادَةِ إسْحاقَ، ويَعْقُوبَ، ويُوسُفَ. وقَدْ يُزادُ ويُنْقَصُ.
(p-٥٣٧٠)وتَوْجِيهُ التَّخْصِيصِ أنَّ المُرادَ بِهِمْ مَن لَهُ جِدٌّ وجُهْدٌ تامٌّ في دَعْوَتِهِ إلى الحَقِّ، وذَبَّهُ عَنْ حَرِيمِ التَّوْحِيدِ، وحِمى الشَّرِيعَةِ، بِحَيْثُ يَصْبِرُ عَلى ما لا يُطِيقُهُ سِواهُ مِن عَوارِضِهِ النَّفْسِيَّةِ والبَدَنِيَّةِ، وأُمُورِهِ الخارِجِيَّةِ، كَمُبارَزَةِ كُلِّ أهْلِ عَصْرِهِ، كَما كانَ لِنُوحٍ، أوْ لِمَلِكٍ جَبّارٍ في عَصْرِهِ، وانْتِصارِهِ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ عِدَّةٍ دُنْيَوِيَّةٍ، كَنُمْرُوذَ إبْراهِيمَ، وجالُوتَ داوُدَ، وفِرْعَوْنَ مُوسى، ولِكُلِّ مُوسى فِرْعَوْنُ، ولِكُلِّ مُحَمَّدٍ أبُو جَهْلٍ. وكالِابْتِلاءِ بِأُمُورٍ لا يَصْبِرُ عَلَيْها البَشَرُ بِدُونِ قُوَّةٍ قُدْسِيَّةٍ، ونَفْسٍ رَبّانِيَّةٍ، كَما وقَعَ لِأيُّوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ومِن هُنا كُشِفَ بُرْقُعُ الخَفاءِ عَنْ وجْهِ التَّخْصِيصِ، وهَذا مِمّا كَشَفَ بَرَكاتِهِمْ سِرُّهُ -أفادَهُ الشِّهابُ -.
﴿ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥] أيْ: ولا تَسْتَعْجِلْ بِمُساءَلَتِكَ رَبَّكَ العَذابَ لَهُمْ، فَإنَّ ذَلِكَ نازِلٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ، وإنِ اشْتَدَّ عَلَيْكَ الأمْرُ مِن جِهَتِهِمْ ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] أيْ: مِن عَذابِ اللَّهِ، ونَكالِهِ، وخِزْيِهِ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ في الآخِرَةِ: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِن نَهارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥] أيْ: لِأنَّهُ يُنْسِيهِمْ شِدَّةَ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِن عَذابِهِ، قَدْرَ ما كانُوا في الدُّنْيا لَبِثُوا، ومَبْلَغَ ما فِيها مَكَثُوا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلاغٌ﴾ [الأحقاف: ٣٥] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما -أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِن نَهارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥] (ذَلِكَ لَبْثُ بَلاغٍ)، بِمَعْنى: ذَلِكَ بَلاغٌ لَهم في الدُّنْيا إلى أجَلِهِمْ، ثُمَّ حَذَفَ: ذَلِكَ لَبْثٌ، وهي مُرادَةٌ في الكَلامِ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ ما ذُكِرَ مِنَ الكَلامِ عَلَيْها.
والآخَرُ -أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: هَذا القُرْآنُ والتَّذْكِيرُ بَلاغٌ لَهم وكِفايَةٌ، إنْ فَكَّرُوا واعْتَبَرُوا، فَتَذَكَّرُوا. انْتَهى.
وأشارَ المَهايِمِيُّ إلى مَعْنًى آخَرَ فَقالَ: لَيْسَ مِن حَقِّ الرُّسُلِ الِاسْتِعْجالُ، بَلْ حَقُّهم بَلاغٌ.
﴿فَهَلْ يُهْلَكُ﴾ [الأحقاف: ٣٥] أيْ: بِعَذابِ اللَّهِ إذا أنْزَلَهُ بِمُقْتَضى العَدْلِ، والحِكْمَةِ: ﴿إلا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] أيِ: الَّذِينَ خالَفُوا أمْرَهُ، وخَرَجُوا مِن طاعَتِهِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن غَضَبِهِ، وألِيمِ عِقابِهِ.
{"ayahs_start":34,"ayahs":["وَیَوۡمَ یُعۡرَضُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ أَلَیۡسَ هَـٰذَا بِٱلۡحَقِّۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَرَبِّنَاۚ قَالَ فَذُوقُوا۟ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ","فَٱصۡبِرۡ كَمَا صَبَرَ أُو۟لُوا۟ ٱلۡعَزۡمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلَا تَسۡتَعۡجِل لَّهُمۡۚ كَأَنَّهُمۡ یَوۡمَ یَرَوۡنَ مَا یُوعَدُونَ لَمۡ یَلۡبَثُوۤا۟ إِلَّا سَاعَةࣰ مِّن نَّهَارِۭۚ بَلَـٰغࣱۚ فَهَلۡ یُهۡلَكُ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡفَـٰسِقُونَ"],"ayah":"فَٱصۡبِرۡ كَمَا صَبَرَ أُو۟لُوا۟ ٱلۡعَزۡمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلَا تَسۡتَعۡجِل لَّهُمۡۚ كَأَنَّهُمۡ یَوۡمَ یَرَوۡنَ مَا یُوعَدُونَ لَمۡ یَلۡبَثُوۤا۟ إِلَّا سَاعَةࣰ مِّن نَّهَارِۭۚ بَلَـٰغࣱۚ فَهَلۡ یُهۡلَكُ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡفَـٰسِقُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











