الباحث القرآني
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٦، ٦٧] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] .
(p-٥٢٨٣)﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: قُرَيْشٌ: ﴿إلا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ [الزخرف: ٦٧] أيِ: المُتَخالُّونَ عَلى المَعاصِي والفَسادِ، والصَّدِّ عَنِ الحَقِّ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف: ٦٧] أيْ: مُعادٍ، يَتَبَرَّأُ كُلٌّ مِن صاحِبِهِ: ﴿إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] أيِ: المُتَصادِقِينَ في طاعَةِ اللَّهِ ومَحَبَّتِهِ. قالَ القاشانِيُّ: الخُلَّةُ إمّا أنْ تَكُونَ خَيْرِيَّةً، أوْ لا. والخَيْرِيَّةُ إمّا أنْ تَكُونَ في اللَّهِ أوْ لِلَّهِ ومَحَبَّتِهِ. وغَيْرُ الخَيْرِيَّةِ إمّا أنْ يَكُونَ سَبَبُها اللَّذَّةَ النَّفْسانِيَّةَ أوِ النَّفْعَ العَقْلِيَّ.
والقِسْمُ الأوَّلُ هو المَحَبَّةُ الرُّوحانِيَّةُ الذّاتِيَّةُ المُسْتَنِدَةُ إلى تَناسُبِ الأرْواحِ في الأزَلِ، الَّتِي قالَ فِيها: ««فَما تَعارَفَ مِنها ائْتَلَفَ»» فَهم إذا بَرَزُوا في هَذِهِ النَّشْأةِ، وتَوَجَّهُوا إلى الحَقِّ، وتَجَدَّدُوا عَنْ مَوادِّ الرِّجْسِ، فَلَمّا تَلاقَوْا تَعارَفُوا، وإذا تَعارَفُوا تَحابُّوا، لِتَجانُسِهِمُ الأصْلِيِّ، وتَوافُقِهِمْ في الوُجْهَةِ والطَّرِيقَةِ، وتَشابُهِهِمْ في السِّيرَةِ والغَرِيزَةِ، وتَجَرُّدِهِمْ عَنِ الأغْراضِ الفاسِدَةِ والأعْراضِ الذّاتِيَّةِ، الَّتِي هي سَبَبُ العَداوَةِ.
وانْتَفَعَ كُلٌّ مِنهم بِالآخَرِ في سُلُوكِهِ وعِرْفانِهِ. والتَذَّ بِلِقائِهِ، وتَصَفّى بِصَفائِهِ، وتَعاوَنُوا في أُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. فَهي الخُلَّةُ التّامَّةُ الحَقِيقِيَّةُ الَّتِي لا تَزُولُ أبَدًا كَمَحَبَّةِ الأنْبِياءِ، والأصْفِياءِ، والأوْلِياءِ، والشُّهَداءِ.
والقِسْمُ الثّانِي هو المَحَبَّةُ القَلْبِيَّةُ المُسْتَنِدَةُ إلى تَناسُبِ الأوْصافِ، والأخْلاقِ، والسِّيَرِ الفاضِلَةِ، ونَشْأتُهُ الِاعْتِقاداتُ، والأعْمالُ الصّالِحَةُ. كَمَحَبَّةِ الصُّلَحاءِ والأبْرارِ فِيما بَيْنَهُمْ، ومَحَبَّةِ العُرَفاءِ والأوْلِياءِ إيّاهم. ومَحَبَّةِ الأنْبِياءِ أُمَمَهم.
والقِسْمُ الثّالِثُ هو المَحَبَّةُ النَّفْسانِيَّةُ المُسْتَنِدَةُ إلى اللَّذّاتِ الحِسِّيَّةِ، والأعْراضِ الجُزْئِيَّةِ. كَمَحَبَّةِ الأزْواجِ لِمُجَرَّدِ الشَّهْوَةِ، ومَحَبَّةِ الفُجّارِ والفُسّاقِ المُتَعاوِنِينَ في اكْتِسابِ الشَّهَواتِ، واسْتِلابِ الأمْوالِ.
والقِسْمُ الرّابِعُ هو المَحَبَّةُ العَقْلِيَّةُ المُسْتَنِدَةُ إلى تَسْهِيلِ أسْبابِ المَعاشِ، وتَيْسِيرِ المَصالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ، كَمَحَبَّةِ التُّجّارِ والصُّنّاعِ، ومَحَبَّةِ المُحْسَنِ إلَيْهِ لِلْمُحْسِنِ. فَكُلُّ ما اسْتَنَدَ إلى غَرَضٍ فانٍ، وسَبَبٍ زائِلٍ، زالَ (p-٥٢٨٤)بِزَوالِهِ، وانْقَلَبَ عِنْدَ فِقْدانِهِ عَداوَةً. لِتَوَقُّعِ كُلٍّ مِنَ المُتَحابِّينَ ما اعْتادَ مِن صاحِبِهِ، مِنَ اللَّذَّةِ المَعْهُودَةِ، والنَّفْعِ المَأْلُوفِ، وامْتِناعِهِ لِزَوالِ سَبَبِهِ، ولَمّا كانَ الغالِبُ عَلى أهْلِ العِلْمِ أحَدُ القِسْمَيْنِ الأخِيرَيْنِ، أطْلَقَ الكَلامَ، وقالَ: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] لِانْقِطاعِ أسْبابِ الوَصْلَةِ بَيْنَهُمْ، وانْتِفاءِ الآلاتِ البَدَنِيَّةِ عَنْهُمْ، وامْتِناعِ حُصُولِ اللَّذَّةِ الحِسِّيَّةِ، والنَّفْعِ الجُسْمانِيِّ، وانْقِلابِهِما حَسَراتٍ وآلامًا وضَرَرًا وخُسْرانًا. قَدْ زالَتِ اللَّذّاتُ والشَّهَواتُ، وبَقِيَتِ العُقُوباتُ والتَّبِعاتُ، فَكُلٌّ يَمْقُتُ صاحِبَهُ ويُبْغِضُهُ؛ لِأنَّهُ يَرى ما بِهِ مِنَ العَذابِ، مِنهُ وبِسَبَبِهِ.
ثُمَّ اسْتَثْنى المُتَّقِينَ المُتَناوِلِينَ لِلْقِسْمَيْنِ الباقِيَيْنِ لِقِلَّتِهِمْ، كَما لَقالَ: ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ [ص: ٢٤] ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبإ: ١٣] ولَعَمْرِي، إنَّ القِسْمَ الأوَّلَ أعَزُّ مِنَ الكِبْرِيتِ الأحْمَرِ؛ وهُمُ الكامِلُونَ في التَّقْوى، البالِغُونَ إلى نِهايَتِها، الفائِزُونَ بِجَمِيعِ مَراتِبِها. ويَلِيهِمُ القِسْمُ الثّانِي، وكِلا القِسْمَيْنِ، لِاشْتِراكِهِما في طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ، وطَلَبِ ثَوابِهِ، واجْتِنابِ سُخْطِهِ، وعِقابِهِ، نَسَبَهم سُبْحانَهُ إلى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ:
{"ayahs_start":66,"ayahs":["هَلۡ یَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأۡتِیَهُم بَغۡتَةࣰ وَهُمۡ لَا یَشۡعُرُونَ","ٱلۡأَخِلَّاۤءُ یَوۡمَىِٕذِۭ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلۡمُتَّقِینَ"],"ayah":"هَلۡ یَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأۡتِیَهُم بَغۡتَةࣰ وَهُمۡ لَا یَشۡعُرُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











