الباحث القرآني
(p-٥٢٠٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٣] ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ وعَمِلَ صالِحًا وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ .
﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ وعَمِلَ صالِحًا وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيْ: لا أحَدَ أحْسَنُ مَقالًا مِمَّنْ دَعا النّاسَ إلى عِبادَتِهِ تَعالى، وكانَ مِنَ الصّالِحِينَ المُؤْتَمِرِينَ، والمُسْلِمِينَ وُجُوهَهم إلَيْهِ تَعالى في التَّوْحِيدِ.
لَطائِفُ:
الأُولى: قالَ القاشانِيُّ: وإنَّما قَدَّمَ الدَّعْوَةَ إلى الحَقِّ والتَّكْمِيلِ؛ لِكَوْنِهِ أشْرَفَ المَراتِبِ، ولِاسْتِلْزامِهِ الكَمالَ العِلْمِيَّ والعَمَلِيَّ، وإلّا لَما صَحَّتِ الدَّعْوَةُ. انْتَهى.
الثّانِيَةُ: في الآيَةِ إشارَةٌ إلى تَرْغِيبِهِ ﷺ في الإعْراضِ عَنِ المُشْرِكِينَ، وعَمّا كانُوا يَقُولُونَهُ مِنَ اللَّغْوِ في التَّنْزِيلِ، مِمّا قَصَّهُ تَعالى عَنْهم فِيما تَقَدَّمَ. وإرْشادُهُ إلى المُواظَبَةِ عَلى التَّبْلِيغِ، والدَّعْوَةِ، بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ أحْسَنُ الطّاعاتِ ورَأْسُ العِباداتِ، فَهَذا هو سِرُّ انْتِظامِ هَذِهِ الآيَةِ في إثْرِ ما سَبَقَ. وثَمَّةَ وجْهٌ آخَرُ؛ وهو أنَّ مَراتِبَ السَّعاداتِ اثْنانِ: كامِلٌ وأكْمَلُ. أمّا الكامِلُ فَهو أنْ يَكْتَسِبَ مِنَ الصِّفاتِ الفاضِلَةِ ما لِأجْلِها يَصِيرُ كامِلًا في ذاتِهِ. فَإذا فَرَغَ مِن هَذِهِ الدَّرَجَةِ، اشْتَغَلَ بَعْدَها بِتَكْمِيلِ النّاقِصِينَ.
فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] إشارَةٌ إلى المَرْتَبَةِ الأُولى. وهي اكْتِسابُ الأحْوالِ الَّتِي تُفِيدُ كَمالَ النَّفْسِ في جَوْهَرِها. فَإذا حَصَلَ الفَراغُ مِن هَذِهِ المَرْتَبَةِ، وجَبَ الِانْتِقالُ إلى المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ، وهي الِانْتِقالُ بِتَكْمِيلِ النّاقِصِينَ؛ وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الدِّينِ الحَقِّ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلا﴾ الآيَةَ...
واعْلَمْ أنَّ مَن آتاهُ اللَّهُ قَرِيحَةً قَوِيَّةً، ونَصِيبًا وافِيًا مِنَ العُلُومِ الإلَهِيَّةِ، عَرَفَ أنَّهُ لا تَرْتِيبَ أحْسَنَ ولا أكْمَلَ مِن تَرْتِيبِ آياتِ القُرْآنِ، أفادَهُ الرّازِيُّ.
(p-٥٢٠٦)الثّالِثَةُ: يَدْخُلُ في الآيَةِ كُلُّ مَن دَعا إلى اللَّهِ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ المَشْرُوعَةِ، وسَبِيلٍ مِنَ السُّبُلِ المَأْثُورَةِ؛ لِأنَّ الدَّعْوَةَ الصَّحِيحَةَ هي الدَّعْوَةُ النَّبَوِيَّةُ، ثُمَّ ما انْتَهَجَ مَنهَجَها في الصَّدْعِ بِالحَقِّ، وإيثارِهِ عَلى الخَلْقِ.
الرّابِعَةُ: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى - عَلى ما قَرَّرَهُ الرّازِيُّ - لِأنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ أحْسَنُ الأعْمالِ، وكُلُّ ما كانَ أحْسَنَ الأعْمالِ، فَهو واجِبٌ.
الخامِسَةُ: احْتَجَّ مَن جَوَّزَ قَوْلَ:(أنا مُسْلِمٌ). بِدُونِ تَعْلِيقٍ عَلى المَشِيئَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ. وقالَ: إطْلاقُها يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ هو الأوْلى، والمَسْألَةُ مَعْرُوفَةٌ بَسَطَها الغَزالِيُّ في (الإحْياءِ).
ولِلْإمامِ ابْنِ حَزْمٍ في (الفِصَلِ) تَحْقِيقٌ لَطِيفٌ لا بَأْسَ بِإيرادِهِ. قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في قَوْلِ المُسْلِمِ: (أنا مُؤْمِنٌ). فَرُوِّينا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وجَماعَةٍ مِن أصْحابِهِ الأفاضِلِ، ومَن بَعْدَهُ مِنَ الفُقَهاءِ، أنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ. وكانَ يَقُولُ: (أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ). وقالَ بَعْضُهُمْ: آمَنتُ بِاللَّهِ، ومَلائِكَتِهِ، وكُتُبِهِ، ورُسُلِهِ. وكانُوا يَقُولُونَ: مَن قالَ: أنا مُؤْمِنٌ، فَلْيَقُلْ: إنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ.
ثُمَّ قالَ ابْنُ حَزْمٍ: والقَوْلُ عِنْدَنا في هَذِهِ المَسْألَةِ، أنَّ هَذِهِ صِفَةٌ يَعْلَمُها المَرْءُ مِن نَفْسِهِ. فَإنْ كانَ يَدْرِي أنَّهُ مُصَدِّقٌ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وبِمُحَمَّدٍ ﷺ وبِكُلِّ ما أتى بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ يُقِرُّ بِلِسانِهِ بِكُلِّ ذَلِكَ، فَواجِبٌ عَلَيْهِ أنْ يَعْتَرِفَ بِذَلِكَ. كَما أمَرَ تَعالى، إذْ قالَ تَعالى: ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] ولا نِعْمَةَ أوْكَدُ، ولا أفْضَلُ، ولا أوْلى بِالشُّكْرِ، مِن نِعْمَةِ الإسْلامِ. فَواجِبٌ عَلَيْهِ أنْ يَقُولَ: (أنا مُسْلِمٌ قَطْعًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وفي وقْتِي هَذا). ولا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: أنا مُؤْمِنٌ مُسْلِمٌ. وبَيْنَ قَوْلِهِ: (أنا أسْوَدُ وأنا أبْيَضُ).
وهَكَذا سائِرُ صِفاتِهِ الَّتِي لا يُشَكُّ فِيها. ولَيْسَ هَذا مِن بابِ الِامْتِداحِ، والتَّعَجُّبِ في شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ فُرِضَ عَلَيْهِ أنْ يُحَصِّنَ دَمَهُ بِشَهادَةِ التَّوْحِيدِ. قالَ تَعالى: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْنا وما أُنْـزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى وما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] (p-٥٢٠٧)وقَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَنا صَحِيحٌ؛ لِأنَّ الإسْلامَ والإيمانَ اسْمانِ مَنقُولانِ عَنْ مَوْضُوعِهِما في اللُّغَةِ، إلى جَمِيعِ البِرِّ والطّاعاتِ، فَإنَّما مَنَعَ ابْنُ مَسْعُودٍ مِنَ القَوْلِ بِأنَّهُ (مُسْلِمٌ مُؤْمِنٌ)، عَلى مَعْنى أنَّهُ مُسْتَوْفٍ لِجَمِيعِ الطّاعاتِ. وهَذا صَحِيحٌ. ومَنِ ادَّعى لِنَفْسِهِ هَذا فَقَدْ كَذَبَ بِلا شَكٍّ، وما مَنَعَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن أنْ يَقُولَ المَرْءُ: (إنِّي مُؤْمِنٌ). بِمَعْنى مُصَدِّقٍ. كَيْفَ؟ وهو يَقُولُ: (قُلْ آمَنتُ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ). أيْ: صَدَّقْتُ. وأمّا مَن قالَ فَقُلْ: إنَّكَ في الجَنَّةِ، فالجَوابُ أنَّنا نَقُولُ: إنْ مُتْنا عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ الآنَ، فَلا بُدَّ لَنا مِنَ الجَنَّةِ بِلا شَكٍّ. وبِرِهانُ ذَلِكَ أنَّهُ قَدْ صَحَّ مِن نُصُوصِ القُرْآنِ، والسُّنَّةِ، والإجْماعِ، أنَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ وبِكُلِّ ما جاءَ بِهِ، ولَمْ يَأْتِ بِما هو كُفْرٌ، فَإنَّهُ في الجَنَّةِ، إلّا أنَّنا لا نَدْرِي ما يُفْعَلُ بِنا في الدُّنْيا، ولا نَأْمَنُ مِن مَكْرِ اللَّهِ تَعالى، ولا إضْلالِهِ، ولا كَيْدِ الشَّيْطانِ، ولا نَدْرِي ماذا نَكْسِبُ غَدًا، ونَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الخِذْلانِ. انْتَهى.
{"ayah":"وَمَنۡ أَحۡسَنُ قَوۡلࣰا مِّمَّن دَعَاۤ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَـٰلِحࣰا وَقَالَ إِنَّنِی مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











