الباحث القرآني
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً وكُلا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [٩٥]
﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بَيانٌ لِتَفاوُتِ طَبَقاتِ المُؤْمِنِينَ بِحَسَبِ تَفاوُتِ دَرَجاتِ مَساعِيهِمْ في الجِهادِ، بَعْدَ ما مَرَّ مِنَ الأمْرِ بِهِ وتَحْرِيضِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ؛ لِيَأْنَفَ القاعِدُ عَنْهُ ويَتَرَفَّعَ بِنَفْسِهِ عَنِ انْحِطاطِ رُتْبَتِهِ، فَيَهْتَزَّ لَهُ رَغْبَةً في ارْتِفاعِ طَبَقَتِهِ، قالَهُ أبُو السُّعُودِ.
(p-١٤٨٢)وأصْلُهُ لِلزَّمَخْشَرِيِّ حَيْثُ قالَ: فَإنْ قُلْتَ: مَعْلُومٌ أنَّ القاعِدَ بِغَيْرِ عُذْرٍ والمُجاهِدَ لا يَسْتَوِيانِ، فَما فائِدَةُ نَفْيِ الِاسْتِواءِ؟ قُلْتُ: مَعْناهُ الإذْكارُ بِما بَيْنَهُما مِنَ التَّفاوُتِ العَظِيمِ والبَوْنِ البَعِيدِ؛ لِيَأْنَفَ القاعِدُ ويَتَرَفَّعَ بِنَفْسِهِ عَنِ انْحِطاطِ مَنزِلَتِهِ، فَيَهْتَزَّ لِلْجِهادِ ويَرْغَبَ فِيهِ، وفي ارْتِفاعِ طَبَقَتِهِ، ونَحْوُهُ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] [الزُّمَرِ: مِنَ الآيَةِ ٩] أُرِيدَ بِهِ التَّحْرِيكُ مِن حَمِيَّةِ الجاهِلِ وأنَفَتِهِ لِيُهابَ بِهِ إلى التَّعَلُّمِ ولِيَنْهَضَ بِنَفْسِهِ عَنْ صِفَةِ الجَهْلِ إلى شَرَفِ العِلْمِ. انْتَهى.
والمُرادُ بِهِمْ - وقْتَ النُّزُولِ - القاعِدُونَ عَنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ والخارِجُونَ إلَيْها، كَما رَواهُ البُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ مُخْرِجٌ لِذَوِي الأعْذارِ المُبِيحَةِ لِتَرْكِ الجِهادِ: مِنَ العَمى والعَرَجِ والمَرَضِ، عَنْ مُساواتِهِمْ لِلْقاعِدِينَ، فَإنَّهم مُساوُونَ المُجاهِدِينَ بِالنِّيَّةِ، ولا يُعْتَدُّ بِزِيادَةِ أجْرِ العَمَلِ لَهم لِعِظَمِ أمْرِ النِّيَّةِ.
كَما رَوى الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وأبُو داوُدَ، عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: إنَّ بِالمَدِينَةِ أقْوامًا ما سِرْتُمْ مِن مَسِيرٍ ولا قَطَعْتُمْ مِن وادٍ إلّا وهم مَعَكم فِيهِ قالُوا: وهم بِالمَدِينَةِ يا رَسُولَ اللَّهِ! قالَ: نَعَمْ، حَبَسَهُمُ العُذْرُ» وفي هَذا المَعْنى قالَ الشّاعِرُ:
؎يا راحِلِينَ إلى البَيْتِ العَتِيقِ لَقَدْ سِرْتُمْ جُسُومًا وسِرْنا نَحْنُ أرْواحا
؎إنّا أقَمْنا عَلى عُذْرٍ وعَنْ قَدَرٍ ∗∗∗ ومَن أقامَ عَلى عُذْرٍ كَمَن راحا
(p-١٤٨٣)ورَوى البُخارِيُّ عَنِ البَراءِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدًا فَكَتَبَها، فَجاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَشَكا ضَرارَتَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾»
وفِي رِوايَةٍ لِلْبُخارِيِّ عَنْ زَيْدٍ: «فَجاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وهو يُمْلِيها عَلَيَّ، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! واللَّهِ! لَوْ أسْتَطِيعُ الجِهادَ لَجاهَدْتُ، وكانَ أعْمى، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانَ فَخِذَهُ عَلى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتّى خِفْتُ أنْ تَرُضَّ فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأمْوالِهِمْ﴾ أيِ: الَّتِي يُنْفِقُونَها عَلى أنْفُسِهِمْ في الجِهادِ أوْ عَلى مُجاهِدٍ آخَرَ ﴿وأنْفُسِهِمْ﴾ أيِ: الَّتِي هي أعَزُّ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وإنْ أنْفَقَ عَلَيْهِمْ غَيْرُهم إذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم مالٌ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وإيرادُهم - يَعْنِي الغُزاةَ - بِعُنْوانِ المُجاهِدِينَ، دُونَ الخُرُوجِ المُقابِلِ لِوَصْفِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، كَما وقَعَ في عِبارَةِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - وكَذا تَقْيِيدُ المُجاهَدَةِ بِكَوْنِها في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ - لِمَدْحِهِمْ بِذَلِكَ والإشْعارِ بِعِلَّةِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِعُلُوِّ المَرْتَبَةِ، مَعَ ما فِيهِ مِن حُسْنِ مُوقِعِ السَّبِيلِ في مُقابَلَةِ القُعُودِ. انْتَهى.
وظاهِرٌ أنَّ نَفْيَ المُساواةِ يَسْتَلْزِمُ التَّفْضِيلَ، إلّا أنَّهُ لِلِاعْتِناءِ بِهِ، ولِيَتَمَكَّنَ أشَدَّ تَمَكُّنٍ - لَمْ يَكْتَفِ بِما فُهِمَ ضِمْنًا، بَلْ صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ﴾ لِأنَّهم رَجَّحُوا جانِبَهُ ﴿بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ﴾ أيْ: غَيْرِ أُولِي الضَّرَرِ ﴿دَرَجَةً﴾ في القُرْبِ مِمَّنْ رَجَّحُوا جانِبَهُ ﴿وكُلا﴾ أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنَ القاعِدِينَ والمُجاهِدِينَ ﴿وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ أيِ: المَثُوبَةَ الحُسْنى، وهي الجَنَّةُ، لِحُسْنِ عَقِيدَتِهِمْ وخُلُوصِ نِيَّتِهِمْ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ تَدارُكًا (p-١٤٨٤)لِما عَسى يُوهِمُهُ تَفْضِيلُ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ عَلى الآخَرِ مِن حِرْمانِ المَفْضُولِ ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ﴾ بِالجِهادِ ﴿عَلى القاعِدِينَ﴾ أيْ: بِغَيْرِ عُذْرٍ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ أيْ: ثَوابًا وافِرًا في الجَنَّةِ.
{"ayah":"لَّا یَسۡتَوِی ٱلۡقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ غَیۡرُ أُو۟لِی ٱلضَّرَرِ وَٱلۡمُجَـٰهِدُونَ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَ ٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَـٰهِدِینَ بِأَمۡوَ ٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ عَلَى ٱلۡقَـٰعِدِینَ دَرَجَةࣰۚ وَكُلࣰّا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَـٰهِدِینَ عَلَى ٱلۡقَـٰعِدِینَ أَجۡرًا عَظِیمࣰا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











