الباحث القرآني
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ وأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ [١٢٧]
﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ﴾ أيْ: ويَسْألُونَكَ الإفْتاءَ في النِّساءِ، والإفْتاءُ تَبْيِينُ المُبْهَمِ ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ﴾ ذَكَرُوا في (ما) وُجُوهًا: المُخْتارُ مِنها أنَّها في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالعَطْفِ عَلى المُبْتَدَأِ، وهو لَفْظُ الجَلالَةِ، أيْ: والمَتْلُوُّ في الكِتابِ يُفْتِيكم فِيهِنَّ أيْضًا، أوْ بِالعَطْفِ عَلى ضَمِيرِهِ فِي: " يُفْتِيكم " وساغَ لِمَكانِ الفَصْلِ بِالمَفْعُولِ والجارِّ والمَجْرُورِ، وذَلِكَ المَتْلُوُّ في الكِتابِ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣]
قالَ الرّازِيُّ: وحاصِلُ الكَلامِ أنَّهم كانُوا قَدْ سَألُوا عَنْ (p-١٥٨٦)أحْوالٍ كَثِيرَةٍ مِن أحْوالِ النِّساءِ، فَما كانَ مِنها غَيْرَ مُبَيَّنِ الحُكْمِ ذَكَرَ أنَّ اللَّهَ يُفْتِيهِمْ فِيها، وما كانَ مِنها مُبَيَّنَ الحُكْمِ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ ذَكَرَ أنَّ تِلْكَ الآياتِ المَتْلُوَّةَ تُفْتِيهِمْ فِيها، وجَعَلَ دَلالَةَ الكِتابِ عَلى هَذا الحُكْمِ إفْتاءً مِنَ الكِتابِ، ألا تَرى أنَّهُ يُقالُ في المَشْهُورِ: إنَّ كِتابَ اللَّهِ بَيَّنَ لَنا هَذا الحُكْمَ، وكَما جازَ هَذا جازَ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّ كِتابَ اللَّهِ أفْتى بِكَذا.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِلْإيذانِ بِاسْتِمْرارِ التِّلاوَةِ ودَوامِها، و(فِي الكِتابِ) إمّا مُتَعَلِّقٌ بِـ(يُتْلى) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ فِيهِ، أيْ: يُتْلى كائِنًا فِيهِ.
﴿فِي يَتامى النِّساءِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(يُتْلى) أيْ: ما يُتْلى عَلَيْكم في شَأْنِهِنَّ، وهَذِهِ الإضافَةُ بِمَعْنى (مِن) لِأنَّها إضافَةُ الشَّيْءِ إلى جِنْسِهِ، وقِيلَ: مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، أيِ: النِّساءِ اليَتامى.
﴿اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ﴾ أيْ: ما وجَبَ لَهُنَّ مِنَ المِيراثِ وغَيْرِهِ ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها – قالَتْ في هَذِهِ الآيَةِ: هو الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ اليَتِيمَةُ، هو ولِيُّها ووارِثُها، فَأشْرَكَتْهُ في مالِهِ حَتّى في العِذْقِ، فَيَرْغَبُ أنْ يَنْكِحَها، ويَكْرَهُ أنْ يُزَوِّجَها رَجُلًا فَيُشْرِكَهُ في مالِهِ بِما شَرِكَتْهُ فَيَعْضُلَها فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وعَنْها أيْضًا قالَتْ: وقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: (p-١٥٨٧)﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رَغْبَةُ أحَدِكم عَنْ يَتِيمَتِهِ الَّتِي تَكُونُ في حِجْرِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ المالِ والجَمالِ، فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوا ما رَغِبُوا في مالِها وجَمالِها مِن يَتامى النِّساءِ إلّا بِالقِسْطِ مِن أجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ.
وهَذا المَرْوِيُّ عَنْ عائِشَةَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُعْدِمَةِ، وأنَّ الجارَّ المُقَدَّرَ مَعَ (أنْ) هُنا هو (عَنْ) وقَدْ تَأوَّلَها سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَلى المَعْنَيَيْنِ، أيْ: تَقْدِيرُ (عَنْ) و(فِي) فَقالَ نَزَلَتْ في المُعْدِمَةِ والغَنِيَّةِ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: والمَرْوِيُّ عَنْ عائِشَةَ أوْضَحُ في أنَّ الآيَةَ الأُولى - أيِ: الَّتِي في أوَّلِ السُّورَةِ - نَزَلَتْ في الغَنِيَّةِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في المُعْدِمَةِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والمَقْصُودُ أنَّ الرَّجُلَ إذا كانَ في حِجْرِهِ يَتِيمَةٌ يَحِلُّ لَهُ تَزَوُّجُها فَتارَةً يَرْغَبُ في أنْ يَتَزَوَّجَها فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُمْهِرَها أُسْوَةَ أمْثالِها مِنَ النِّساءِ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلْيَعْدِلْ إلى غَيْرِها مِنَ النِّساءِ، فَقَدْ وسَّعَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ - وهَذا المَعْنى في الآيَةِ الأُولى الَّتِي في أوَّلِ السُّورَةِ - وتارَةً لا يَكُونُ لَهُ فِيها رَغْبَةٌ لِدَمامَتِها عِنْدَهُ - أوْ في نَفْسِ الأمْرِ - فَنَهاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَعْضُلَها عَنِ الأزْواجِ خَشْيَةَ أنْ يُشْرِكُوهُ في مالِهِ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَها، كَما قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿فِي يَتامى النِّساءِ﴾ الآيَةَ: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ تَكُونُ عِنْدَهُ اليَتِيمَةِ فَيُلْقِي عَلَيْها ثَوْبَهُ، فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ أنْ يَتَزَوَّجَها أبَدًا، فَإنْ كانَتْ (p-١٥٨٨)جَمِيلَةً وهَوِيَها تَزَوَّجَها وأكَلَ مالَها، وإنْ كانَتْ دَمِيمَةً مَنَعَها الرِّجالَ أبَدًا حَتّى تَمُوتَ، فَإذا ماتَتْ ورِثَها، فَحَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ ونَهى عَنْهُ.
تَنْبِيهٌ: ما ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى المَعْنَيَيْنِ، أيْ: أنَّ حَرْفَ الجَرِّ المُقَدَّرِ مَعَ (أنْ) هو (عَنْ) و(فِي) وأنَّ كُلًّا مِنهُما مُرادٌ مِنها عَلى سَبِيلِ البَدَلِ لِصَلاحِيَّتِها لَهُما بِالِاعْتِبارَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ.
قالَ الخَفاجِيُّ: مِثْلُهُ لا يُعَدُّ لَبْسًا بَلْ إجْمالًا، كَما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ. انْتَهى.
قُلْتُ: وهَذا بِناءً عَلى أنَّ اللَّبْسَ هو أنْ يَدُلَّ اللَّفْظُ عَلى غَيْرِ المُرادِ، والإجْمالَ أنْ لا تَتَّضِحَ الدَّلالَةُ، وبِعِبارَةٍ أُخْرى: إيرادُ الكَلامِ عَلى وجْهٍ يَحْتَمِلُ أُمُورًا مُتَعَدِّدَةً، وقَدْ نَظَمَ بَعْضُهُمُ الفَرْقَ بَيْنَهُما فَقالَ:
؎والفَرْقُ بَيْنَ اللَّبْسِ والإجْمالِ مِمّا بِهِ يُهْتَمُّ في الأقْوالِ
؎فاللَّفْظُ إنْ أفْهَمْ غَيْرَ القَصْدِ ∗∗∗ فاحْكم عَلى اسْتِعْمالِهِ بِالرَّدِّ
؎لِأنَّهُ اللَّبْسُ. وأمّا المُجْمَلُ ∗∗∗ فَرُبَّما يَفْهَمُهُ مَن يَعْقِلُ
؎وذاكَ أنْ لا تَفْهَمَ المُخالِفا ∗∗∗ ولا سِواهُ بَلْ تَصِيرُ واقِفًا
؎وحُكْمُهُ القَبُولُ في المَوارِدِ ∗∗∗ فاحْفَظْهُ نَظْمًا أعْظَمُ الفَوائِدِ
﴿والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ﴾ عَطْفٌ (عَلى يَتامى النِّساءِ) وما يُتْلى في حَقِّهِمْ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١] إلَخْ، وقَدْ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ لا يُوَرِّثُونَهُمْ، كَما لا يُوَرِّثُونَ الرِّجالَ القُوّامَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في الآيَةِ: كانُوا في الجاهِلِيَّةِ لا يُوَرِّثُونَ الصِّغارَ ولا البَناتِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ﴾ فَنَهى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وبَيَّنَ لِكُلِّ ذِي سَهْمٍ سَهْمَهُ، فَقالَ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا، وكَذا قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
﴿وأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ﴾ بِالجَرِّ، عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وما يُتْلى في حَقِّهِمْ: قَوْلُهُ تَعالى: (p-١٥٨٩)﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] [النِّساءِ: ٢] ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يُحْصَرُ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى: كَما أنَّها إذا كانَتْ ذاتَ جَمالٍ ومالٍ نَكَحْتَها واسْتَأْثَرْتَ بِها كَذَلِكَ إذا لَمْ تَكُنْ ذاتَ مالٍ وجِمالٍ فانْكَحْها واسْتَأْثِرْ بِها، والخِطابُ لِلْوُلاةِ أوْ لِلْأوْلِياءِ والأوْصِياءِ.
* * *
تَنْبِيهٌ:
اسْتُنْبِطَ مِن الآيَةِ أحْكامٌ:
الأوَّلُ: جَوازُ نِكاحِ الصَّغِيرَةِ؛ لِأنَّ اليَتِيمَ: الصَّغِيرُ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ، وفي الحَدِيثِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلامٍ» رَواهُ أبُو داوُدَ.
وعَنِ الأصَمِّ: أرادَ البَوالِغَ قَبْلَ التَّزَوُّجِ، وسَمّاهُنَّ بِاليُتْمِ لِقُرْبِ عَهْدِهِنَّ بِاليُتْمِ، والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ الحَقِيقَةُ، قالُوا: قَدْ يُطْلَقُ اليَتِيمُ عَلى البالِغَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ: «تُسْتَأْمَرُ اليَتِيمَةُ في نَفْسِها، فَإنْ سَكَتَتْ فَهو إذْنُها، وإنْ أبَتْ فَلا جَوازَ عَلَيْها» رَواهُ أهْلُ السُّنَنِ، والِاسْتِئْمارُ لا يَكُونُ إلّا مِنَ البالِغَةِ، وقَدْ ورَدَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إنَّ القُبُورَ تَنْكِحُ الأيامى النِّسْوَةَ الأرامِلَ اليَتامى
(p-١٥٩٠)فَسَمّى البالِغاتِ يَتامى؛ لِانْفِرادِهِنَّ عَنِ الأزْواجِ، وكُلُّ شَيْءٍ مُنْفَرِدٌ لا نَظِيرَ لَهُ يُقالُ لَهُ يَتِيمٌ، كَقَوْلِهِمْ: "دُرَّةٌ يَتِيمَةٌ" وهَذِهِ المَسْألَةُ فِيها أقْوالٌ لِلْعُلَماءِ:
الأوَّلُ: جَوازُ نِكاحِ الصَّغِيرَةِ لِجَمِيعِ الأوْلِياءِ، وهَذا مَذْهَبُ الهادَوِيَّةِ ومالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ وصاحِبَيْهِ.
الثّانِي: لِلنّاصِرِ والشّافِعِيِّ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا لِلْأبِ والجَدِّ.
والثّالِثُ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا لِلْأبِ فَقَطْ، وهَذا قَوْلُ الأوْزاعِيِّ، ومَرْوِيٌّ عَنِ القاسِمِ.
دَلِيلُ الأوَّلَيْنِ ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ وهي نَزَلَتْ في شَأْنِ اليَتِيمَةِ يَنْكِحُها ولِيُّها ولا يُقْسِطُ لَها في المَهْرِ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وأُمِرُوا أنْ يُقْسِطُوا في المَهْرِ بِقَوْلِهِ في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣] واليُتْمُ الحَقِيقِيُّ مَعَ الصِّغَرِ، وغَيْرُهُ مَجازٌ، وأدْنى الأوْلِياءِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ النِّكاحُ ابْنُ العَمِّ، فَإذا صَحَّ فِيهِ صَحَّ.
وحُجَّةُ القَوْلِ الثّانِي قَوْلُهُ ﷺ: «تُسْتَأْمَرُ اليَتِيمَةُ» الحَدِيثَ المُتَقَدِّمَ، والإذْنُ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ البُلُوغِ.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ والدّارَقُطْنِيُّ أنَّ قُدامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ زَوَّجَ ابْنَةِ أخِيهِ - وكانَ وصِّيَها - مِمَّنْ أبَتْهُ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: «هِيَ يَتِيمَةٌ ولا تُنْكَحُ إلّا بِإذْنِها» كَذا ذَكَرَهُ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ.
وتَخْرِيجُ الأحادِيثِ مِن زِيادَتِي، وما نَقَلَهُ مِن أنَّ الإذْنَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ البُلُوغِ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ؛ إذْ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ الخَبَرُ بِمَنطُوقِهِ ولا مَفْهُومِهِ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في "الفَتْحِ": وفي حَدِيثِ: «لا تُنْكَحُ الأيِّمُ حَتّى تُسْتَأْمَرَ، ولا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتّى تُسْتَأْذَنَ»: ظاهِرُ الحَدِيثِ اشْتِراطُ رِضاءِ المُزَوَّجَةِ بِكْرًا كانَتْ أوْ ثَيِّبًا، صَغِيرَةً أوْ كَبِيرَةً. انْتَهى.
قالَ التِّرْمِذِيُّ في "جامِعِهِ": وقالَ بَعْضُهُمْ: لا يَجُوزُ نِكاحُ اليَتِيمَةِ حَتّى تَبْلُغَ.
وقالَ (p-١٥٩١)أحْمَدُ وإسْحاقُ: إذا بَلَغَتِ اليَتِيمَةُ سَبْعَ سِنِينَ فَزُوِّجَتْ فَرَضِيَتْ فالنِّكاحُ جائِزٌ، ولا خِيارَ لَها إذا أدْرَكَتْ، واحْتَجّا بِحَدِيثِ عائِشَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَنى بِها وهي بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ». وقَدْ قالَتْ عائِشَةُ: إذا بَلَغَتِ الجارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهي امْرَأةٌ. انْتَهى.
الحُكْمُ الثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَتَوَلّى طَرَفَيِ العَقْدِ واحِدٌ في النِّكاحِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾
وقَدْ رَوى ابْنُ سَعْدٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ أبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ خالِدٍ، أنَّ أُمَّ حَكِيمٍ بِنْتَ قارِظٍ قالَتْ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: إنَّهُ قَدْ خَطَبَنِي غَيْرُ واحِدٍ، فَزَوِّجْنِي أيَّهم رَأيْتَ، قالَ: وتَجْعَلِينَ ذَلِكَ إلَيَّ؟ فَقالَتْ: نَعَمْ، قالَ: قَدْ تَزَوَّجْتُكِ، قالابْنُ أبِي ذِئْبٍ: فَجازَ نِكاحُهُ.
ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ، ووَكِيعٌ، والبَيْهَقِيُّ أنَّ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأةً وهو ولِيُّها، فَأمَرَ أبْعَدَ مِنهُ، فَزَوَّجَهُ.
ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ أيْضًا، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: امْرَأةٌ خَطَبَها ابْنُ عَمٍّ لَها، لا رَجُلَ لَها غَيْرُهُ، قالَ: فَلْتُشْهِدْ أنَّ فُلانًا خَطَبَها، وإنِّي أُشْهِدُكم أنِّي قَدْ نَكَحْتُهُ، ولْتَأْمُرْ رَجُلًا مِن عَشِيرَتِها.
(p-١٥٩٢)أخْرَجَ هَذِهِ الآثارَ الثَّلاثَةَ البُخارِيُّ في "صَحِيحِهِ" تَعْلِيقًا في (بابِ إذا كانَ الوَلِيُّ هو الخاطِبَ) أيْ: هَلْ يُزَوِّجُ نَفْسَهُ أوْ يَحْتاجُ إلى ولِيٍّ آخَرَ.
قالَ ابْنُ المُنِيرِ: ذَكَرَ في التَّرْجَمَةِ ما يَدُلُّ عَلى الجَوازِ والمَنعِ مَعًا؛ لِيَكِلَ الأمْرَ في ذَلِكَ إلى نَظَرِ المُجْتَهِدِ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: لَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ مِن صَنِيعِهِ أنَّهُ يَرى الجَوازَ، فَإنَّ الآثارَ الَّتِي فِيها أمْرُ الوَلِيِّ غَيْرَهُ أنْ يُزَوِّجَهُ - لَيْسَ فِيها التَّصْرِيحُ بِالمَنعِ مِن تَزْوِيجِهِ نَفْسَهُ.
ثُمَّ قالَ: وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في ذَلِكَ، فَقالَ الأوْزاعِيُّ ورَبِيعَةُ والثَّوْرِيُّ ومالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ وأكْثَرُ أصْحابِهِ: يُزَوِّجُ الوَلِيُّ نَفْسَهُ، ووافَقَهم أبُو ثَوْرٍ.
وعَنْ مالِكٍ: لَوْ قالَتِ الثَّيِّبُ لِوَلِيِّها: زَوِّجْنِي بِمَن رَأيْتَ، فَزَوَّجَها مِن نَفْسِهِ أوْ مِمَّنِ اخْتارَ لَزِمَها ذَلِكَ، ولَوْ لَمْ تَعْلَمْ عَيْنَ الزَّوْجِ.
وقالَ الشّافِعِيُّ: يُزَوِّجُهُما السُّلْطانُ أوْ ولِيٌّ آخَرُ مِثْلُهُ، أوْ أقْعَدُ مِنهُ، ووافَقَهُ زُفَرُ وداوُدُ، وحُجَّتُهم أنَّ الوِلايَةَ شَرْطٌ في العَقْدِ، فَلا يَكُونُ النّاكِحُ مُنْكِحًا، كَما لا يَبِيعُ مِن نَفْسِهِ. انْتَهى.
الحُكْمُ الثّالِثُ: أنَّهُ يَجُوزُ لِلْأوْلِياءِ التَّصَرُّفُ في المالِ؛ لِأنَّ القِيامَ بِالقِسْطِ لا يَتِمُّ إلّا بِذَلِكَ.
﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ﴾ لا سِيَّما في حَقِّ الضُّعَفاءِ مِن حِفْظِ أمْوالِهِمْ والقِيامِ بِتَدْبِيرِهِمْ والإقْساطِ لَهم ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ فَيَجْزِيكم بِهِ.
{"ayah":"وَیَسۡتَفۡتُونَكَ فِی ٱلنِّسَاۤءِۖ قُلِ ٱللَّهُ یُفۡتِیكُمۡ فِیهِنَّ وَمَا یُتۡلَىٰ عَلَیۡكُمۡ فِی ٱلۡكِتَـٰبِ فِی یَتَـٰمَى ٱلنِّسَاۤءِ ٱلَّـٰتِی لَا تُؤۡتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرۡغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِینَ مِنَ ٱلۡوِلۡدَ ٰنِ وَأَن تَقُومُوا۟ لِلۡیَتَـٰمَىٰ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَمَا تَفۡعَلُوا۟ مِنۡ خَیۡرࣲ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِیمࣰا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











