الباحث القرآني
(p-١٥٤٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [١١٤]
﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ أيْ: مُسارَرَتِهِمْ، والسِّياقُ - وإنْ دَلَّ عَلى مُناجاةِ بَعْضِ قَوْمِ ذَلِكَ السّارِقِ مَعَ بَعْضٍ - إلّا أنَّها في المَعْنى عامَّةٌ، والمُرادُ: لا خَيْرَ فِيما يَتَناجى فِيهِ النّاسُ ويَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ الحَدِيثِ، ثُمَّ اسْتَثْنى النَّجْوى في أعْمالِ الخَيْرِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إلا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ أيْ: إلّا في نَجْوى مَن أمَرَ - بِخُفْيَةٍ عَنِ الحاضِرِينَ - بِصَدَقَةٍ لِيُعْطِيَها سِرًّا، يَسْتُرُ بِهِ عارَ المُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ.
﴿أوْ مَعْرُوفٍ﴾ أيْ: بِطاعَةِ اللَّهِ - وأعْمالُ البِرِّ كُلُّها مَعْرُوفٌ - وسِرُّ التَّناجِي فِيهِ أنْ لا يَأْنَفَ المَأْمُورُ عَنْ قَبُولِهِ لَوْ جَهَرَ بِهِ.
﴿أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ يَعْنِي الإصْلاحَ بَيْنَ المُتَبايِنَيْنِ المُتَخاصِمَيْنِ لِيَتَراجَعا إلى ما كانا فِيهِ مِنَ الأُلْفَةِ والِاجْتِماعِ، عَلى ما أذِنَ اللَّهُ فِيهِ وأمَرَ بِهِ، وسِرُّ النَّجْوى فِيهِ أنَّهُ لَوْ ظَهَرَ أوَّلًا رُبَّما لَمْ يَتِمَّ.
قالَ المَهايِمِيُّ: قِيلَ في الحَصْرِ: الخَيْرُ إمّا نَفْعٌ جُسْمانِيٌّ وهو في الأمْرِ بِالصَّدَقَةِ، أوْ رُوحانِيٌّ وهو في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وإمّا دَفْعٌ وهو في الإصْلاحِ.
ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: الخَيْرُ إمّا نَفْعٌ مُتَعَدٍّ مِنَ المَأْمُورِ وهو الصَّدَقَةُ، أوْ لازِمٌ لَهُ وهو المَعْرُوفُ، أوْ دَفْعُ ضَرَرٍ مُتَعَدٍّ أوْ لازِمٍ لَهُ وهو الإصْلاحُ، وإنَّما تَتِمُّ خَيْرِيَّتُها إذا ابْتُغِيَ بِها رِضاءُ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ﴾ أيْ: طَلَبَ ﴿مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ يُساوِي أجْرَ الفاعِلِ أوْ يَفُوقُهُ.
وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى /التَّرْغِيبِ في الصَّدَقَةِ والمَعْرُوفِ والإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ، وقَدْ أكَّدَ تَعالى التَّرْغِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿عَظِيمًا﴾ وأنَّ النِّيَّةَ فِيها شَرْطٌ لِنَيْلِ الثَّوابِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: (p-١٥٤٣)﴿ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ وعَلى أنَّ كَلامَ الإنْسانِ عَلَيْهِ لا لَهُ، إلّا ما كانَ في هَذا ونَحْوِهِ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ ابْنُ مَرْدُويَهْ بِسَنَدِهِ إلى مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ قالَ: دَخَلْنا عَلى سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ نَعُودُهُ فَدَخَلَ عَلَيْنا سَعِيدُ بْنُ حَسّانَ، فَقالَ لَهُ الثَّوْرِيُّ: الحَدِيثُ الَّذِي كُنْتَ حَدَّثْتَنِيهِ عَنْ أُمِّ صالِحٍ ارْدُدْهُ عَلَيَّ فَقالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ صالِحٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَلامُ ابْنِ آدَمَ كُلُّهُ عَلَيْهِ لا لَهُ، إلّا ذِكْرُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ أمْرٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ نَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ.
فَقالَ سُفْيانُ: أوَما سَمِعْتَ اللَّهَ في كِتابِهِ يَقُولُ: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ فَهو هَذا بِعَيْنِهِ، أوَما سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبإ: ٣٨] [النَّبَأِ: ٣٨] فَهو هَذا بِعَيْنِهِ، أوَما سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ في كِتابِهِ: ﴿والعَصْرِ﴾ [العصر: ١] ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] إلَخْ [العَصْرِ: ١ - ٢] فَهو هَذا بِعَيْنِهِ.
وقَدْ رَوى هَذا الحَدِيثَ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ مِن حَدِيثِ ابْنِ خُنَيْسٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ حَسّانَ بِهِ، ولَمْ يَذْكُرْ أقْوالَ الثَّوْرِيِّ إلى آخِرِها.
ثُمَّ قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا يُعْرَفُ إلّا مِن حَدِيثِ ابْنِ خُنَيْسٍ. قُلْتُ: هو مَقْبُولٌ - كَما في "التَّقْرِيبِ" لِابْنِ حَجَرٍ - فَحُسِّنَ حَدِيثُهُ.
(p-١٥٤٤)ورَوى الجَماعَةُ عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ أخْبَرَتْهُ أنَّها سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيْسَ الكَذّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النّاسِ فَيُنْمِي خَيْرًا أوْ يَقُولُ خَيْرًا» .
وقالَتْ: لَمْ أسْمَعْهُ يُرَخِّصُ في شَيْءٍ مِمّا يَقُولُهُ النّاسُ إلّا في ثَلاثٍ: في الحَرْبِ، والإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ، وحَدِيثِ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ، وحَدِيثِ المَرْأةِ زَوْجَها.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا أُخْبِرُكم بِأفْضَلَ مِن دَرَجَةِ الصِّيامِ والصَّلاةِ والصَّدَقَةِ ؟ قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: إصْلاحُ ذاتِ البَيْنِ.
قالَ: وفَسادُ ذاتِ البَيْنِ هي الحالِقَةُ» قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
{"ayah":"۞ لَّا خَیۡرَ فِی كَثِیرࣲ مِّن نَّجۡوَىٰهُمۡ إِلَّا مَنۡ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوۡ مَعۡرُوفٍ أَوۡ إِصۡلَـٰحِۭ بَیۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَمَن یَفۡعَلۡ ذَ ٰلِكَ ٱبۡتِغَاۤءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوۡفَ نُؤۡتِیهِ أَجۡرًا عَظِیمࣰا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











