الباحث القرآني
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠ ] ﴿إلا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ .
﴿إلا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ أيِ: اِخْتَلَسَ اَلْكَلِمَةَ: ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ﴾ أيْ: لَحِقَهُ شُعْلَةٌ نارِيَّةٌ تَنْقَضُّ مِنَ اَلسَّماءِ: ﴿ثاقِبٌ﴾ أيْ: مُضِيءٌ، كَأنَّهُ يَثْقُبُ اَلْجَوَّ بِضَوْئِهِ.
تَنْبِيهٌ:
ذَكَرَ اَلْمُفَسِّرُونَ أنَّ اَلشَّياطِينَ كانُوا يَصْعَدُونَ إلى قُرْبِ اَلسَّماءِ، فَرُبَّما سَمِعُوا كَلامَ اَلْمَلائِكَةِ، وعَرَفُوا بِهِ ما سَيَكُونُ مِنَ اَلْغُيُوبِ، وكانُوا يُخْبِرُونَهم بِهِ، ويُوهِمُونَهم أنَّهم يَعْلَمُونَ اَلْغَيْبَ، فَمَنَعَهُمُ اَللَّهُ تَعالى مِنَ اَلصُّعُودِ إلى قُرْبِ اَلسَّماءِ بِهَذِهِ اَلشُّهُبِ، فَإنَّهُ تَعالى يَرْمِيهِمْ بِها فَيُحْرِقُهم.
قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: يَعْنِي إذا أرادَ اَلشَّيْطانُ أنْ يَسْتَرِقَ اَلسَّمْعَ، أتاهُ شِهابٌ ثاقِبٌ فَأحْرَقَهُ؛ ولِهَذا قالَ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلإ الأعْلى﴾ [الصافات: ٨] أيْ: لِئَلّا يَصِلُوا إلى اَلْمَلَأِ اَلْأعْلى، وهي اَلسَّماواتُ، ومَن فِيها مِنَ اَلْمَلائِكَةِ، إذا تَكَلَّمُوا بِما يُوحِيهِ اَللَّهُ تَعالى بِما يَقُولُهُ مِن شَرْعِهِ وقَدَرِهِ (p-٥٠٢٩)؛ كَما ورَدَتِ اَلْأخْبارُ بِذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ [سبإ: ٢٣] اِنْتَهى.
قالَ بَعْضُ عُلَماءِ اَلْفَلَكِ: كَما أنَّ اَلْعَرْشَ تُحْفَةُ اَلْأرْواحِ اَلْغَيْبِيَّةِ - حَسْبَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في آيَةِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] في اَلْأعْرافِ - فَكَذَلِكَ اَلْكَواكِبُ اَلْأُخْرى مَسْكُونَةٌ مَعَ اَلْحَيَواناتِ، والدَّوابِّ بِأرْواحٍ، مِنها اَلصّالِحُ: (اَلْمَلَكُ)، ومِنها اَلطّالِحُ: (اَلشَّيْطانُ)، وكَذَلِكَ أرْضُنا هَذِهِ، فِيها مِنَ اَلْمَلائِكَةِ، ومِنَ اَلشَّياطِينِ ما لا نُبْصِرُهُ: ﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧]
ولا يَخْفى أنَّ عَدَمَ اَلْوِجْدانِ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ اَلْوُجُودِ، فَعَدَمُ إدْراكِنا لِهَذِهِ اَلْأرْواحِ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ وُجُودِها؛ كَما أنَّ عَدَمَ مَعْرِفَةِ اَلْقُدَماءِ لِلْمَيْكُرُوباتِ ولِلْكَهْرَباءِ اَلَّتِي تُشاهَدُ اَلْآنَ آثارُها اَلْعَظِيمَةُ، لَمْ يَكُنْ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ وُجُودِها إذْ ذاكَ في اَلْعالَمِ، فَمِنَ اَلْجَهْلِ اَلْفاضِحِ إنْكارُ اَلشَّيْءِ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ أوِ اَلْعُثُورِ عَلَيْهِ، عَلى أنَّ لَنا اَلْآنَ مِن مَسْألَةِ اِسْتِحْضارِ اَلْأرْواحِ أكْبَرَ دَلِيلٍ عَلى وُجُودِ أرْواحٍ في هَذِهِ اَلْأرْضِ، لا نُبْصِرُها ولا نَشْعُرُ بِها.
وقَدْ قَدَّرَ اَللَّهُ تَعالى أنَّ اَلْحَيَواناتِ في هَذِهِ اَلْأرْضِ، إذا خَرَجَتْ عَنْها إلى حَيْثُ يَنْقَطِعُ اَلْهَواءُ ويَبْطُلُ اَلتَّنَفُّسُ، تَمُوتُ في اَلْحالِ. وكَذَلِكَ قَدَّرَ أنَّ اَلْأرْواحَ اَلطّالِحَةَ اَلَّتِي في أرْضِنا هَذِهِ، إذا أرادَتِ اَلصُّعُودَ إلى اَلسَّماءِ، والِاخْتِلاطَ بِالأرْواحِ اَلَّتِي في اَلْكَواكِبِ اَلْأُخْرى، اِنْقَضَّ عَلَيْها، قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ مِن جَوِّ اَلْأرْضِ، شِهابٌ مِن هَذِهِ اَلْكَواكِبِ، أوْ مِن غَيْرِها، فَأحْرَقَها وأهْلَكَها، بِإفْسادِ تَرْكِيبِها ومادَّتِها، حَتّى لا يَحْصُلَ اِتِّصالٌ بَيْنَ هَذِهِ وتِلْكَ، ولا تَطَلُّعَ عَلى أسْرارِ اَلْعَوالِمِ اَلْأُخْرى، وهَذِهِ اَلشُّهُبُ اَلَّتِي تَنْقَضُّ، إنْ كانَتْ صادِرَةً مِن أجْرامٍ مُلْتَهِبَةٍ، كانَتْ مُلْتَهِبَةً، وإنْ كانَتْ صادِرَةً مِن أجْرامٍ غَيْرِ مُلْتَهِبَةٍ، اِلْتَهَبَتْ فِيما بَعْدُ لِشِدَّةِ سُرْعَتِها واحْتِكاكِها بِالغازاتِ اَلَّتِي تَمُرُّ فِيها في جَوِّنا هَذا. ولَعَلَّ في مادَّةِ اَلشَّياطِينِ ما يَجْتَذِبُ إلى هَذِهِ اَلشُّهُبِ ويَتَّحِدُ بِها. كَما تَجْتَذِبُ اَلْعَناصِرُ اَلْكِيماوِيَّةُ بَعْضُها بَعْضًا.
(p-٥٠٣٠)مِثالُ ذَلِكَ عُنْصُرُ )الصُّودْيُومِ فَإنَّهُ يَجْتَذِبُ إلَيْهِ اَلْأُكْسُجِينَ مِنَ اَلْماءِ فَيُحَلِّلُهُ ) . ولا نَقُولُ إنَّ جَمِيعَ اَلشُّهُبِ تَنْقَضُّ لِهَذا اَلسَّبَبِ، بَلْ مِنها ما يَنْقَضُّ لِأسْبابٍ أُخْرى. كاجْتِذابِ بَعْضِ اَلْأجْرامِ اَلسَّماوِيَّةِ لَهُ، ومِنها ما يَنْقَضُّ لِإهْلاكِ اَلشَّياطِينِ، كَما بَيَّنّا هُنا. والشَّياطِينُ مَخْلُوقَةٌ مِن مَوادَّ غازِيَّةٍ كانَتْ مُلْتَهِبَةً: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] والمُرادُ بِالسَّماءِ اَلدُّنْيا في هَذِهِ اَلْآيَةِ اَلْفَضاءُ اَلْمُحِيطُ بِنا اَلْقَرِيبُ مِنّا؛ أيْ: هَذا اَلْجَوُّ اَلَّذِي نُشاهِدُهُ وفِيهِ اَلْعَوالِمُ كُلُّها. أمّا ما وراءَهُ مِنَ اَلْجِواءِ اَلْبَعِيدَةِ عَنّا، اَلَّتِي لا يُمْكِنُ أنْ نَصِلَ إلَيْها بِأعْيُنِنا ولا بِمَناظِيرِنا، فَهو فَضاءٌ مَحْضٌ لا شَيْءَ فِيهِ. فَلَفْظُ اَلسَّماءِ لَهُ مَعانٍ كَثِيرَةٌ كُلُّها تَرْجِعُ إلى مَعْنى اَلسُّمُوِّ، وتُفَسَّرُ في كُلِّ مَقامٍ بِحَسْبِهِ.
ثُمَّ قالَ: فَكُلُّ مَسْألَةٍ جاءَ بِها اَلْقُرْآنُ حَقٌّ، لا يُوجَدُ في اَلْعِلْمِ اَلطَّبِيعِيِّ ما يُكَذِّبُها؛ لِأنَّهُ وحْيُ اَللَّهِ حَقًّا، والحَقُّ لا يُناقِضُهُ اَلْحَقُّ: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣]
وقالَ أيْضًا: يَعْتَقِدُ اَلْآنَ عُلَماءُ اَلْفَلَكِ أنَّ أكْثَرَ اَلشُّهُبِ تَنْشَأُ مِن ذَواتِ اَلْأذْنابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ بَعْضَها ناشِئٌ مِن بَعْضِ اَلشُّمُوسِ اَلْمُنْحَلَّةِ، أوِ اَلْباقِيَةِ اَلْمُلْتَهِبَةِ، أوْ مِن بَراكِينِ بَعْضِ اَلسَّيّاراتِ، أوْ مِمّا لَمْ يَنْطَفِئْ مِنَ اَلسَّيّاراتِ لِلْآنِ، ومَتى عَلِمْنا أنَّ ذَواتَ اَلْأذْنابِ والسَّيّاراتِ جَمِيعًا مُشْتَقَّةٌ مِنَ اَلشُّمُوسِ، كانَ مَصْدَرُ جَمِيعِ اَلشُّهُبِ هو اَلشُّمُوسَ، أوِ اَلنُّجُومَ.
(قالَ): وهَذا يُفْهِمُنا مَعْنى هَذِهِ اَلْآيَةِ. اهـ كَلامُهُ.
ونَظِيرُ هَذِهِ اَلْآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥] وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا وزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ﴾ [الحجر: ١٦] ﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] ﴿إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] (p-٥٠٣١)، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ إخْبارًا عَنِ اَلْجِنِّ: ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾ [الجن: ٨] ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩]
{"ayah":"إِلَّا مَنۡ خَطِفَ ٱلۡخَطۡفَةَ فَأَتۡبَعَهُۥ شِهَابࣱ ثَاقِبࣱ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











