الباحث القرآني
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦ - ٢٧] ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧] .
(p-٤٧٧٥)﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: خَلْقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ لِتَصَرُّفِهِ، لا يَتَأبَّوْنَ عَلَيْهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ٢٧] أيْ: بَعْدَ مَوْتِهِمْ. قالَ أبُو السُّعُودِ: وتَكْرِيرُهُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، والتَّمْهِيدِ لِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] أيْ: مِنَ البَدْءِ؛ أيْ: بِالقِياسِ إلى مَن يَقْتَضِيهِ مَعْقُولُ المُخاطَبِينَ؛ لِأنَّ مَن أعادَ مِنهم صَنْعَةَ شَيْءٍ، كانَتْ أسْهَلَ عَلَيْهِ وأهْوَنَ مِن إنْشائِها، وإلّا فَهُما عَلَيْهِ سُبْحانَهُ سَواءٌ في السُّهُولَةِ.
لَطائِفُ:
الأُولى- تَذْكِيرُ الضَّمِيرِ، مَعَ رُجُوعِهِ إلى الإعادَةِ، لِما أنَّها مُؤَوَّلَةٌ بِـ "أنْ يُعِيدَ".
الثّانِيَةُ- قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ أُخِّرَتِ الصِّلَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] وقُدِّمَتْ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٩] قُلْتُ: هُناكَ قَصْدُ الِاخْتِصاصِ، وهو مَحَزُّهُ. فَقِيلَ: "هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ"، وإنْ كانَ مُسْتَصْعَبًا عِنْدَكم أنْ يُولَدَ بَيْنَ هِمٍّ وعاقِرٍ، وأمّا هَهُنا، فَلا مَعْنى لِلِاخْتِصاصِ كَيْفَ؟ والأمْرُ مَبْنِيٌّ عَلى ما يَعْقِلُونَ، مِن أنَّ الإعادَةَ أسْهَلُ مِن الِابْتِداءِ. فَلَوْ قُدِّمَتِ الصِّلَةُ، لَتَغَيَّرَ المَعْنى.
قالَ النّاصِرُ: كَلامٌ نَفِيسٌ يَسْتَحِقُّ أنْ يُكْتَبَ بِذَوْبِ التِّبْرِ، لا بِالحِبْرِ، وإنَّما يَلْقى الِاخْتِصاصَ مِن تَقْدِيمِ ما حَقُّهُ أنْ يُؤَخَّرَ.
الثّالِثَةُ- قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ ما بالُ الإعادَةِ اسْتُعْظِمَتْ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إذا دَعاكُمْ﴾ [الروم: ٢٥] حَتّى كَأنَّها فُضِّلَتْ عَلى قِيامِ السَّماواتِ والأرْضِ بِأمْرِهِ، ثُمَّ هُوِّنَتْ بَعْدَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: الإعادَةُ في نَفْسِها عَظِيمَةٌ، لَكِنَّها هُوِّنَتْ بِالقِياسِ إلى الإنْشاءِ. انْتَهى.
قالَ النّاصِرُ: إنَّما يُلْقِي في السُّؤالِ تَعْظِيمَ الإعادَةِ مِن عَطْفِها بِـ (ثُمَّ) إيذانًا بِتَغايُرِ مَرْتَبَتِها وعُلُوِّ شَأْنِها. وقَوْلُهُ _(فِي الجَوابِ)-: إنَّها هُوِّنَتْ بِالنِّسْبَةِ إلى الإنْشاءِ، لا يَخْلُصُ. فَإنَّ الإعادَةَ ذُكِرَتْ هَهُنا عَقِيبَ قِيامِ السَّماواتِ والأرْضِ بِأمْرِهِ، وقِيامُهُما ابْتِداءً وإنْشاءً أعْظَمُ مِنَ الإعادَةِ، فَيَلْزَمُ (p-٤٧٧٦)تَعْظِيمُ الإعادَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الإنْشاءِ، ويَعُودُ الإشْكالُ، والمُخَلَّصُ، واللَّهُ أعْلَمُ، جُعِلَ: "ثُمَّ" عَلى بابِها لِتَراخِي الزَّمانِ لا لِتَراخِي المَراتِبِ، وإنْ سَلِمَ أنَّها لِتَراخِي المَراتِبِ، فَعَلى أنْ تَكُونَ مَرْتَبَةُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ العُلْيا، ومَرْتَبَةُ المَعْطُوفِ هي الدُّنْيا، وذَلِكَ نادِرٌ في مَجِيئِها لِتَراخِي المَراتِبِ، فَإنَّ المَعْطُوفَ حِينَئِذٍ في أكْثَرِ المَواضِعِ، أرْفَعُ دَرَجَةً مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى.
وفِي حَواشِي القاضِي: إنَّ: (ثُمَّ)، إمّا لِتَراخِي زَمانِ المَعْطُوفِ فَتَكُونُ عَلى حَقِيقَتِها، أوْ لِعِظَمِ ما في المَعْطُوفِ مِن إحْياءِ المَوْتى، فَتَكُونُ لِلتَّفاوُتِ في الرُّتْبَةِ لا لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ، والمُرادُ عِظَمُهُ في نَفْسِهِ، وبِالنِّسْبَةِ إلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَلا يُنافِي قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] وكَوْنُهُ أعْظَمَ مِن قِيامِ السَّماءِ والأرْضِ؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِنَ الإيجادِ والإنْشاءِ، وبِهِ اسْتِقْرارُ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ في الدَّرَجاتِ والدَّرَكاتِ، وهو المَقْصُودُ مِن خَلْقِ الأرْضِ والسَّماواتِ. فانْدَفَعَ اعْتِراضُ النّاصِرِ بِأنَّهُ، عَلى تَسْلِيمِهِ، مَرْتَبَةُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ هُنا هي العُلْيا، مَعَ أنَّ كَوْنَ المَعْطُوفِ في مِثْلِهِ أرْفَعَ دَرَجَةً، أكْثَرِيٌّ لا كُلِّيٌّ، كَما صَرَّحَ بِهِ الطِّيبِيُّ هُنا. فَلا امْتِناعَ فِيما مَنَعَهُ، وهي فائِدَةٌ نَفِيسَةٌ، ويَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى مُطْلَقِ البُعْدِ الشّامِلِ لِلزَّمانِيِّ والرُّتْبِيِّ كَما في (شَرْحِ الكَشّافِ).
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الروم: ٢٧] أيِ: الوَصْفُ الأعْلى الَّذِي لَيْسَ لِغَيْرِهِ ما يُدانِيهِ فِيهِما، كالقُدْرَةِ العامَّةِ والحِكْمَةِ التّامَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا جَعَلَ ما ذَكَرَ أهْوَنَ عَلَيْهِ عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ، عَقَّبَهُ بِهَذا، فَكَأنَّهُ قِيلَ هَذا، لِتَفْهَمَ العُقُولُ القاصِرَةُ أنَّ صِفاتِهِ عَجِيبَةٌ وقُدْرَتَهُ عامَّةٌ وحِكْمَتَهُ تامَّةٌ، فَكُلُّ شَيْءٍ بَدْءًا وإعادَةً وإيجادًا وإعْدامًا، عِنْدَهُ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، ولا مِثْلَ لَهُ ولا نِدَّ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالمِثْلِ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] فاللّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ، فَحُمِلَ المِثْلُ عَلى ظاهِرِهِ، وعَلى ما ذُكِرَ أوَّلًا، وهو مَجازٌ عَنِ الوَصْفِ العَجِيبِ، فَيَشْمَلُ القَوْلَ وغَيْرَهُ مِمّا هو جارٍ عَلى ألْسِنَةِ الدَّلائِلِ ولِسانِ كُلِّ قائِلٍ ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ [الروم: ٢٧] أيِ: الغالِبُ عَلى أمْرِهِ، الَّذِي لا يُعْجِزُهُ بَدْءٌ مُمْكِنٌ وإعادَتُهُ: ﴿الحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧] الَّذِي يُجْرِي أفْعالَهُ عَلى سُنَنِ الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ.
{"ayahs_start":26,"ayahs":["وَلَهُۥ مَن فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ كُلࣱّ لَّهُۥ قَـٰنِتُونَ","وَهُوَ ٱلَّذِی یَبۡدَؤُا۟ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ یُعِیدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَیۡهِۚ وَلَهُ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰ فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ"],"ayah":"وَهُوَ ٱلَّذِی یَبۡدَؤُا۟ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ یُعِیدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَیۡهِۚ وَلَهُ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰ فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











