الباحث القرآني

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٩١ ] ﴿(إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا (p-٨٨٦)ولَوِ افْتَدى بِهِ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ وما لَهم مِن ناصِرِينَ)﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦] وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ والشَّيْخانِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««يُقالُ لِلرَّجُلِ مِن أهْلِ النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ: أرَأيْتَ لَوْ كانَ لَكَ ما عَلى الأرْضِ مِن شَيْءٍ أكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهِ ؟ قالَ: فَيَقُولُ نَعَمْ، فَيَقُولُ اللَّهُ: قَدْ أرَدْتُ مِنكَ أهْوَنَ مِن ذَلِكَ، قَدْ أخَذْتُ عَلَيْكَ في ظَهْرِ أبِيكَ آدَمَ أنْ لا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا فَأبَيْتَ إلّا أنْ تُشْرِكَ»» ! وفي رِوايَةٍ لِلْإمامِ أحْمَدَ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يُؤْتى بِالرَّجُلِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَيَقُولُ لَهُ: يا ابْنَ آدَمَ ! كَيْفَ وجَدْتَ مَنزِلَكَ ؟ فَيَقُولُ: أيْ رَبِّ ! خَيْرَ مَنزِلٍ، فَيَقُولُ: سَلْ وتَمَنَّ، فَيَقُولُ: ما أسْألُ ولا أتَمَنّى إلّا أنْ تَرُدَّنِي إلى الدُّنْيا فَأُقْتَلَ في سَبِيلِكَ عَشْرَ مَرّاتٍ - لِما يَرى مِن فَضْلِ الشَّهادَةِ - ويُؤْتى بِالرَّجُلِ مِن أهْلِ النّارِ فَيَقُولُ لَهُ: يا ابْنَ آدَمَ ! كَيْفَ وجَدْتَ مَنزِلَكَ ؟ فَيَقُولُ: أيْ رَبِّ ! شَرَّ مَنزِلٍ، فَيَقُولُ لَهُ: أتَفْتَدِي مِنهُ بِطِلاعِ الأرْضِ ذَهَبًا ؟ فَيَقُولُ: أيْ رَبِّ ! نَعَمْ. فَيَقُولُ: كَذَبْتَ ! قَدْ سَألْتُكَ أقَلَّ مِن ذَلِكَ وأيْسَرَ فَلَمْ تَفْعَلْ، فَيُرَدُّ إلى النّارِ»» . ولِهَذا قالَ: ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ أيْ: مِن مُنْقِذٍ مِن عَذابِ اللَّهِ ولا مُجِيرٍ مِن ألِيمِ عِقابِهِ. لَطِيفَةٌ: فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ قالَ صاحِبُ (الِانْتِصافِ): إنَّ هَذِهِ الواوَ المُصاحِبَةَ لِلشَّرْطِ (p-٨٨٧)تَسْتَدْعِي شَرْطًا آخَرَ، يُعْطَفُ عَلَيْهِ الشَّرْطُ المُقْتَرِنَةُ بِهِ ضَرُورَةً. والعادَةُ في مِثْلِ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ المَنطُوقُ بِهِ مُنَبِّهًا عَلى المَسْكُوتِ عَنْهُ بِطَرِيقِ الأوْلى. مِثالُهُ: قَوْلُكَ: أكْرِمْ زَيْدًا ولَوْ أساءَ، فَهَذِهِ الواوُ عَطَفَتْ المَذْكُورَ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أكْرِمْ زَيْدًا ولَوْ أساءَ، إلّا أنَّكَ نَبَّهْتَ بِإيجابِ إكْرامِهِ وإنْ أساءَ، عَلى أنَّ إكْرامَهُ إنْ أحْسَنَ بِطْرِيقِ الأوْلى. ومِنهُ: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] مَعْناهُ - واَللَّهُ أعْلَمُ -: لَوْ كانَ الحَقُّ عَلى غَيْرِكم ولَوْ كانَ عَلَيْكم، ولَكِنَّهُ ذَكَرَ ما هو أعْسَرُ عَلَيْهِمْ، فَأوْجَبَهُ تَنْبِيهًا عَلى ما هو أسْهَلُ وأوْلى بِالوُجُوبِ، فَإذا تَبَيَّنَ مُقْتَضى الواوِ في مِثْلِ هَذِهِ المَواضِعِ وجَدْتَ آيَةَ آلِ عِمْرانَ هَذِهِ مُخالَفَةً لِهَذا النَّمَطِ ظاهِرًا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ يَقْتَضِي شَرْطًا آخَرَ مَحْذُوفًا، يَكُونُ هَذا المَذْكُورُ مُنَبِّهًا عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الأوْلى. وهَذِهِ الحالُ المَذْكُورَةُ، وهي حالَةُ افْتِدائِهِمْ بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، هي حالَةٌ أجْدَرُ الحالاتِ بِقَبُولِ الفِدْيَةِ، ولَيْسَ وراءَها حالَةٌ أُخْرى تَكُونُ أوْلى بِالقَبُولِ مِنها، فَلِذَلِكَ قَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الكَلامَ بِمَعْنى: لَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدٍ مِنهم فِدْيَةٌ ولَوْ افْتَدى بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا. حَتّى تَبِينَ حالَةٌ أُخْرى يَكُونُ الِافْتِداءُ الخاصُّ بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا هو أوْلى بِالقَبُولِ مِنها، فَإذا انْتَفى حَيْثُ كانَ أوْلى فَلَأنْ يَنْتَفِيَ فِيما عَدا هَذِهِ الحالَةِ أوْلى؛ فَهَذا كُلُّهُ بَيانٌ لِلْباعِثِ لَهُ عَلى التَّقْدِيرِ المَذْكُورِ. وأمّا تَنْزِيلُ الآيَةِ عَلَيْهِ فَعَسِرٌ جِدًّا، فالأوْلى ذِكْرُ وجْهٍ يُمْكِنُ تَطْبِيقُ الآيَةِ عَلَيْهِ عَلى أسْهَلِ وجْهٍ وأقْرَبِ مَأْخَذٍ إنْ شاءَ اللَّهُ. فَنَقُولُ: قَبُولُ الفِدْيَةِ الَّتِي هي مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا يَكُونُ عَلى أحْوالٍ: مِنها: أنْ يُؤْخَذَ مِنهُ عَلى وجْهِ القَهْرِ فِدْيَةٌ عَنْ نَفْسِهِ كَما تُؤْخَذُ الدِّيَةُ قَهْرًا مِن مالِ القاتِلِ عَلى قَوْلٍ. (p-٨٨٨)ومِنها: أنْ يَقُولَ المُفْتَدِي في التَّقْدِيرِ: أفْدِي نَفْسِي بِكَذا - وقَدْ لا يَفْعَلُ - . ومِنها: أنَّ يَقُولَ هَذا القَوْلَ ويُنْجِزَ المِقْدارَ الَّذِي يَفْدِي بِهِ نَفْسَهُ ويَجْعَلَهُ حاضِرًا عَتِيدًا، وقَدْ يُسَلِّمُهُ مَثَلًا لِمَن يَأْمَنُ مِنهُ قَبُولَ فِدْيَتِهِ. وإذا تَعَدَّدَتْ الأحْوالُ فالمُرادُ في الآيَةِ أبْلَغُ الأحْوالِ وأجْدَرُها بِالقَبُولِ، وهو أنْ يَفْتَدِيَ بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا افْتِداءً مُحَقَّقًا، بِأنْ يَقْدِرَ عَلى هَذا الأمْرِ العَظِيمِ ويُسَلِّمَهُ ويُنْجِزَهُ اخْتِيارًا، ومَعَ ذَلِكَ لا يُقْبَلُ مِنهُ. فَمُجَرَّدُ قَوْلِهِ: أبْذُلُ المالَ وأقْدِرُ عَلَيْهِ، أوْ ما يَجْرِي هَذا المَجْرى بِطَرِيقِ الأوْلى، فَيَكُونُ دُخُولُ الواوِ والحالَةُ هَذِهِ عَلى بابِها تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ثَمَّ أحْوالًا أُخَرُ لا يَنْفَعُ فِيها القَبُولُ بِطَرِيقِ الأوْلى بِالنِّسْبَةِ إلى الحالَةِ المَذْكُورَةِ. وقَدْ ورَدَ هَذا المَعْنى مَكْشُوفًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦] - واَللَّهُ أعْلَمُ - وهَذا كُلُّهُ تَسْجِيلٌ بِأنَّهُ لا مَحِيصَ ولا مُخَلِّصَ لَهم مِنَ الوَعِيدِ، وإلّا فَمِنَ المَعْلُومِ أنَّهم أعْجَزُ عَنْ الفَلْسِ في ذَلِكَ اليَوْمِ. ونَظِيرُ هَذا التَّقْدِيرِ مِنَ الأمْثِلَةِ أنْ يَقُولَ القائِلُ: لا أبِيعُكَ هَذا الثَّوْبَ بِألْفِ دِينارٍ ولَوْ سَلَّمْتَها إلَيَّ في يَدِي هَذِهِ. فَتَأمَّلْ هَذا النَّظَرَ فَإنَّهُ مِنَ السَّهْلِ المُمْتَنِعِ واَللَّهُ ولِيُّ التَّوْفِيقِ - انْتَهى - . وثَمَّةَ وجْهٌ ثانٍ وهو أنَّ المُرادَ: ولَوْ افْتَدى بِمِثْلِهِ مَعَهُ كَما صَرَّحَ بِهِ في تِلْكَ الآيَةِ، فالمَعْنى لا يُقْبَلُ مِلْءُ الأرْضِ فِدْيَةً، ولَوْ زِيدَ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، والمِثْلُ يُحْذَفُ كَثِيرًا في كَلامِهِمْ، كَقَوْلِكَ: ضَرَبْتُهُ ضَرْبَ زَيْدٍ، تُرِيدُ: مِثْلَ ضَرْبِهِ. وأبُو يُوسُفَ أبُو حَنِيفَةَ، تُرِيدُ: مِثْلُهُ. وقَضِيَّةٌ ولا أبا حَسَنٍ لَها، أيْ: ولا مِثْلَ أبِي حَسَنٍ. كَما أنَّهُ يُرادُ في نَحْوِ قَوْلِهِمْ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ كَذا، تُرِيدُ: أنْتَ. وذَلِكَ أنَّ المِثْلَيْنِ يَسُدُّ أحَدُهُما مَسَدَّ الآخَرِ، فَكانا في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجْرِي الكَلامُ عَلى التَّأْوِيلِ المُتَقَدِّمِ لِأنَّهُ نَبَّهَ بِعَدَمِ قَبُولِ مِثْلَيْ مِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا عَلى عَدَمِ قَبُولِ مِلْئِها مَرَّةً واحِدَةً بِطَرِيقِ الأوْلى. (p-٨٨٩)ووَجْهٌ ثالِثٌ: وهو أنْ لا يُحْمَلَ (مِلْءُ الأرْضِ) أوَّلًا عَلى الِافْتِداءِ بَلْ عَلى التَّصَدُّقِ، ولا يَكُونُ الشَّرْطُ المَذْكُورُ مِن قَبِيلِ ما يُقْصَدُ بِهِ تَأْكِيدُ الحُكْمِ السّابِقِ، بَلْ يَكُونُ شَرْطًا مَحْذُوفَ الجَوابِ، ويَكُونُ المَعْنى: لا يُقْبَلُ مِنهُ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا تَصَدَّقَ بِهِ، ولَوْ افْتَدى بِهِ أيْضًا لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ. وضَمِيرُ بِهِ لِلْمالِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ وصْفِ التَّصَدُّقِ. ووَجْهٌ رابِعٌ: وهو أنَّ الواوَ زِيدَتْ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ. فَتَبَصَّرْ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب