الباحث القرآني

(p-٤٧١٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٤٧ - ٤٨] ﴿ولَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِن قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وقالُوا إنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ﴾ [القصص: ٤٨] ﴿ولَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ﴾ أيْ: عُقُوبَةٌ: ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: مِنَ الكُفْرِ والفَسادِ: ﴿فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: بِها. وجَوابُ: ﴿لَوْلا﴾ الأُولى مَحْذُوفٌ، ثِقَةً بِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ. أيْ: ما أرْسَلْناكَ. لَكِنَّ قَوْلَهم هَذا عِنْدَ عُقُوبَتِهِمْ مُحَقَّقٌ. ولِذا أرْسَلْناكَ قَطْعًا لِمَعاذِيرِهِمْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَمّا كانَتْ أكْثَرُ الأعْمالِ تُزاوَلُ بِالأيْدِي، جُعِلَ كُلُّ عَمَلٍ مُعَبَّرًا عَنْهُ بِاجْتِراحِ الأيْدِي، وتَقْدِيمِ الأيْدِي، وإنْ كانَ مِن أعْمالِ القُلُوبِ. وهَذا مِن الِاتِّساعِ في الكَلامِ، وتَصْيِيرِ الأقَلِّ تابِعًا لِلْأكْثَرِ، وتَغْلِيبِ الأكْثَرِ عَلى الأقَلِّ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ [القصص: ٤٨] أيْ: مِن قَلْبِ العَصا حَيَّةً، وفَلْقِ البَحْرِ، وغَيْرِهِما مِنَ الآياتِ. تَعَنُّتًا وعِنادًا، كَما قالُوا: ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ كَنْـزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢] وما أشْبَهَ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ [القصص: ٤٨] رَدٌّ عَلَيْهِمْ، وإظْهارٌ لِكَوْنِ ما قالُوهُ تَعَنُّتًا مَحْضًا، لا طَلَبًا لِما يُرْشِدُهم إلى الحَقِّ. أيْ: أوَ لَمْ يَكْفُرْ أبْناءُ جِنْسِهِمْ، ومَن مَذْهَبُهم مَذْهَبُهُمْ، وعِنادُهم عِنادُهم وهُمُ القِبْطُ، بِما أُوتِيَ مُوسى مِنَ الكِتابِ: ﴿قالُوا﴾ [القصص: ٤٨] أيْ: في مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿سِحْرانِ تَظاهَرا﴾ [القصص: ٤٨] أيْ: تَعاوَنا. وقُرِئَ: "سِحْرانِ" أيْ: ذَوا سِحْرَيْنِ؛ أوْ جَعَلُوهُما (p-٤٧١١)سِحْرَيْنِ مُبالَغَةً: ﴿وقالُوا إنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ﴾ [القصص: ٤٨] ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّ الآيَةَ العُظْمى لِلنَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، هي الآياتُ النَّفْسِيَّةُ العِلْمِيَّةُ، لا الكَوْنِيَّةُ الآفاقِيَّةُ الَّتِي كانَتْ لِغَيْرِهِ، جَرْيًا عَلى سُنَّةِ الِارْتِقاءِ. فَإنَّ النَّوْعَ الإنْسانِيَّ كانَ، لَمّا جاءَ الإسْلامُ قَدِ اسْتَعَدَّ إلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ بِالبُرْهانِ، والتَّمْيِيزِ بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ بِالدَّلِيلِ والحُجَّةِ. وكانَ لا بُدَّ لَهُ في هَذا الطَّوْرِ مِن مُعَلِّمٍ ومُرْشِدٍ، كَما في الأطْوارِ الأُخْرى، أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِ رَسُولًا يَهْدِيهِ إلى طُرُقِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ويَأْمُرُهُ بِأنْ يَرْفُضَ التَّقْلِيدَ البَحْتَ والتَّسْلِيمَ الأعْمى. وأنْ لا يَأْخُذَ شَيْئًا إلّا بِدَلِيلٍ وبُرْهانٍ، يُوصِلُ إلى العِلْمِ. فَكانَتْ عُمْدَتُهُ ﷺ في الِاسْتِدْلالِ عَلى نُبُوَّتِهِ ورِسالَتِهِ نَفْسَهُ الكَرِيمَةَ، وما جاءَ بِهِ مِنَ النُّورِ والهُدى، كالطَّبِيبِ الَّذِي يُسْتَدَلُّ عَلى إتْقانِهِ صِناعَةَ الطِّبِّ، بِما يُبْدِيهِ مِنَ العِلْمِ والعَمَلِ النّاجِحِ فِيها. وقَدْ بُسِطَ هَذا في مَواضِعِهِ. وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى:
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب