الباحث القرآني

وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٤٣١٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [١٠٤] ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ [١٠٥] ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] [١٠٦] ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٦] [١٠٧] ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] . ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ﴾ أيِ: اذْكُرْهُ. أوْ ظَرْفٌ لِـ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] أوْ لِـ: " تَتَلَقّاهم " . والطَّيُّ ضِدُّ النَّشْرِ. وقَوْلُهُ: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ أيْ: كَما يُطْوى السِّجِلُّ وهو الكِتابُ. واللّامُ في (لِلْكُتُبِ) لامُ التَّبْيِينِ. ولِذَلِكَ قُرِئَ: (الكِتابُ) بِالإفْرادِ. أوْ بِمَعْنى (مِن) وفِيهِ قُرْبٌ مِنَ الأوَّلِ. أوِ (الكُتُبُ) بِمَعْنى المَكْتُوبِ. أيْ: كَطَيِّ الصَّحِيفَةِ عَلى مَكْتُوبِها. فاللّامُ بِمَعْنى (عَلى) وهو ما اخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. تَنْبِيهٌ: ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ السِّجِلَّ اسْمُ رَجُلٍ كانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، كَما رَواهُ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهُما، فَأثَرٌ مُنْكَرٌ لا يَصِحُّ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ صَرَّحَ بِوَضْعِهِ جَماعَةٌ مِنَ الحُفّاظِ، وإنْ كانَ في سُنَنِ أبِي داوُدَ. مِنهم شَيْخُنا الحافِظُ أبُو الحَجّاجِ المِزِّيُّ. وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ في رَدِّهِ الإمامُ ابْنُ جَرِيرٍ وقالَ: لا يُعْرَفُ في الصَّحابَةِ أحَدٌ اسْمُهُ السِّجِلُّ. (p-٤٣١٣)وكُتّابُ النَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، مَعْرُوفُونَ، ولَيْسَ فِيهِمْ أحَدٌ اسْمُهُ السِّجِلُّ. وصَدَقَ رَحِمَهُ اللَّهُ في ذَلِكَ. وهو مِن أقْوى الأدِلَّةِ عَلى نَكارَةِ هَذا الحَدِيثِ. وأمّا مَن ذَكَرَهُ في أسْماءِ الصَّحابَةِ، فَإنَّما اعْتَمَدَ عَلى هَذا الحَدِيثِ. والصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ السِّجِلَّ هي الصَّحِيفَةُ. انْتَهى. هَذِهِ الآيَةُ كَآيَةِ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] وطَيُّ السَّماءِ كِنايَةٌ عَنِ انْكِدارِ نُجُومِها، ومَحْوِ رُسُومِها، بِفَسادِ تَرْكِيبِها واخْتِلالِ نِظامِها. فَلا يَبْقى أمْرُ ما فِيها مِنَ الكَواكِبِ عَلى ما نَراهُ اليَوْمَ. فَيُخَرَّبُ العالَمُ بِأسْرِهِ: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ أيْ: مُنْجِزِينَ إيّاهُ. ثُمَّ أشارَ إلى تَحْقِيقِ مِصْداقِهِ، بِإعْزازِ المُنْبِئِ عَنْهُ، وإيراثِهِ مُلْكَ جاحِدِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] أيِ: العامِلُونَ بِطاعَتِهِ. المُنْتَهُونَ إلى أمْرِهِ ونَهْيِهِ. دُونَ العامِلِينَ مِنهم بِمَعْصِيَتِهِ، المُؤْثِرِينَ طاعَةَ الشَّيْطانِ عَلى طاعَتِهِ. و(الزَّبُورُ) عَلَمٌ عَلى كِتابِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُقالُ: المُرادُ بِهِ كُلُّ كِتابٍ مُنَزَّلٍ. والذِّكْرُ -قالُوا- التَّوْراةُ أوْ أُمُّ الكِتابِ. يَعْنِي اللَّوْحَ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ قَبْلَ الخَلْقِ، واللَّهُ أعْلَمُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٦] إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الأخْبارِ والوَعْدِ والوَعِيدِ والمَواعِظِ البالِغَةِ. أوْ إلى العِبْرَةِ في إيراثِ الأرْضِ الصّالِحِينَ ودَحْرِ المُجْرِمِينَ. و(البَلاغُ) الكِفايَةُ. وقَوْلُهُ: ﴿لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٦] أيْ: يَعْبُدُونَ اللَّهَ، بِما شَرَعَهُ وأحَبَّهُ ورَضِيَهُ. ويُؤْثِرُونَ طاعَتَهُ عَلى طاعَةِ الشَّياطِينِ وشَهَواتِ النَّفْسِ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] أيْ: وما أرْسَلْناكَ بِهَذِهِ الحَنِيفِيَّةِ والدِّينِ الفِطْرِيِّ، إلّا حالَ كَوْنِكَ رَحْمَةً لِلْخَلْقِ، فَإنَّ ما بُعِثْتَ بِهِ سَبَبٌ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ. وفي جَعْلِهِ نَفْسَ الرَّحْمَةِ مُبالَغَةٌ جَلِيَّةٌ. وجُوِّزَ كَوْنُ (رَحْمَةً) مَفْعُولًا لَهُ. أيْ: لِلرَّحْمَةِ، فَهو نَبِيُّ الرَّحْمَةِ. (p-٤٣١٤)تَنْبِيهٌ: قالَ الرّازِيُّ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ رَحْمَةً في الدِّينِ وفي الدُّنْيا. أمّا في الدِّينِ فَلِأنَّهُ بُعِثَ والنّاسُ في جاهِلِيَّةٍ وضَلالَةٍ وأهْلُ الكِتابَيْنِ كانُوا في حَيْرَةٍ مِن أمْرِ دِينِهِمْ لِطُولِ مُكْثِهِمْ وانْقِطاعِ تَواتُرِهِمْ ووُقُوعِ الِاخْتِلافِ في كُتُبِهِمْ. فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ حِينَ لَمْ يَكُنْ لِطالِبِ الحَقِّ سَبِيلٌ إلى الفَوْزِ والثَّوابِ. فَدَعاهم إلى الحَقِّ وبَيَّنَ لَهم سَبِيلَ الثَّوابِ، وشَرَعَ لَهُمُ الأحْكامَ ومَيَّزَ الحَلالَ مِنَ الحَرامِ. ثُمَّ إنَّما يَنْتَفِعُ بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ مَن كانَتْ هِمَّتُهُ طَلَبَ الحَقِّ، فَلا يَرْكَنُ إلى التَّقْلِيدِ ولا إلى العِنادِ والِاسْتِكْبارِ، وكانَ التَّوْفِيقُ قَرِينًا لَهُ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤] وأمّا في الدُّنْيا فَلِأنَّهم تَخَلَّصُوا بِسَبَبِهِ مِن كَثِيرٍ مِنَ الذُّلِّ والقِتالِ والحُرُوبِ، ونُصِرُوا بِبَرَكَةِ دِينِهِ. انْتَهى. وقَدْ أشَرْتُ إلى وجْهِ الرَّحْمَةِ في بِعْثَتِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، في (الشَّذْرَةِ) الَّتِي جَمَعَتْها في سِيرَتِهِ الزَّكِيَّةِ، في بَيانِ افْتِقارِ النّاسِ جَمِيعًا إلى رِسالَتِهِ، فَقُلْتُ: كُلُّ مَن لَحَظَ بِعَيْنِ الحِكْمَةِ والِاعْتِبارِ، ونَفَذَتْ بَصِيرَتُهُ إلى مَكْنُونِ الأسْرارِ، عَلِمَ حاجَةَ البَشَرِ كافَّةً إلى رِسالَةِ خاتَمِ النَّبِيِّينَ، وأكْبَرَ مِنَّةَ اللَّهِ بِهِ عَلى العالَمِينَ، فَقَدْ بُعِثَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ عَلى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وإخافَةٍ لِلسُّبُلِ، وانْتِشارٍ مِنَ الأهْواءِ، وتَفَرُّقٍ مِنَ المِلَلِ، ما بَيْنَ مُشَبِّهٍ لِلَّهِ بِخَلْقِهِ، ومُلْحِدٍ في اسْمِهِ، ومُشِيرٍ إلى غَيْرِهِ، كُفْرٌ بَواحٌ، وشِرْكٌ صُراحٌ، وفَسادٌ عامٌّ، وانْتِهابٌ لِلْأمْوالِ والأرْواحِ واغْتِصابٌ لِلْحُقُوقِ، وشَنٌّ لِلْغاراتِ، ووَأْدٌ لِلْبَناتِ وأكْلٌ لِلدِّماءِ والمَيْتاتِ، وقَطْعٌ لِلْأرْحامِ، وإعْلانٌ بِالسِّفاحِ، وتَحْرِيفٌ لِلْكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، واعْتِقادٌ لِأضالِيلِ المُتَكَهِّنَةِ. وتَأْلِيهٌ لِلْأحْبارِ والرُّهْبانِ، وسَيْطَرَةٌ مِن جَبابِرَةِ الجَوْرِ وزُعَماءِ الفِتَنِ وقادَةِ الغُرُورِ، ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وطامّاتٌ طَبَّقَتْ أكْنافَ الأرْضِ، اسْتَمَرَّتِ الأُمَمُ عَلى هَذِهِ الحالِ، الأجْيالَ الطِّوالَ، حَتّى دَعا داعِي الفَلاحِ، وأذِنَ اللَّهُ تَعالى بِالإصْلاحِ. فَأحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا، وجَعَلَ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا. فَإنَّ النَّوائِبَ إذا تَناهَتِ انْتَهَتْ، وإذا تَوالَتْ تَوَلَّتْ. وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَ إلى البَشَرِ رَسُولًا لِيُعْتِقَهم مِن أسْرِ الأوْثانِ، (p-٤٣١٥)ويُخْرِجَهم مِن ظُلْمَةِ الكُفْرِ وعَمى التَّقْلِيدِ إلى نُورِ الإيمانِ، ويُنْقِذَهم مِنَ النّارِ والعارِ، ويَرْفَعَ عَنْهُ الآصارَ، ويُطَهِّرَهم مِن مَساوِئِ الأخْلاقِ والأعْمالِ، ويُرْشِدَهم إلى صِراطِ الحَقِّ. قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وقالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِن أنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى:
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب