الباحث القرآني
(p-٧١٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٧٦] ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ .
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ أيْ: يُذْهِبُ رَيْعَهُ ويَمْحُو خَيْرَهُ، وإنْ كانَ زِيادَةً في الظّاهِرِ فَلا يُنْتَفَعُ بِهِ في الآخِرَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] وقالَ تَعالى: ﴿ويَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ﴾ [الأنفال: ٣٧] ﴿ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ أيْ: يُكَثِّرُها ويُنَمِّيها،إنْ كانَتْ نُقْصانًا في الشّاهِدِ.
فَوائِدُ:
الأُولى: قالَ القاشانِيُّ: لِأنَّ الزِّيادَةَ والنُّقْصانَ إنَّما يَكُونانِ بِاعْتِبارِ العاقِبَةِ والنَّفْعِ في الدّارَيْنِ، والمالُ الحاصِلُ مِنَ الرِّبا لا بَرَكَةَ لَهُ؛ لِأنَّهُ حَصَلَ مِن مُخالَفَةِ الحَقِّ، فَتَكُونُ عاقِبَتُهُ وخِيمَةً وصاحِبُهُ يَرْتَكِبُ سائِرَ المَعاصِي؛ إذْ كُلُّ طَعامٍ يُوَلِّدُ في آكِلِهِ دَواعِيَ وأفْعالًا مِن جِنْسِهِ، فَإنْ كانَ حَرامًا يَدْعُوهُ إلى أفْعالٍ مُحَرَّمَةٍ، وإنْ كانَ مَكْرُوهًا فَإلى أفْعالٍ مَكْرُوهَةٍ، وإنْ كانَ مُباحًا فَإلى مُباحَةٍ، وإنْ كانَ مِن طَعامٍ فَضْلٍ فَإلى مَندُوباتٍ، وكانَ في أفْعالِهِ مُتَبَرِّعًا مُتَفَضِّلًا، وإنْ كانَ بِقَدْرِ الواجِبِ مِنَ الحُقُوقِ فَأفْعالُهُ تَكُونُ واجِبَةً ضَرُورِيَّةً، وإنْ كانَ مِنَ الفُضُولِ والحُظُوظِ فَأفْعالُهُ تَكُونُ كَذَلِكَ، فَعَلَيْهِ إثْمُ الرِّبا وآثارُ أفْعالِهِ المُحَرَّمَةِ المُتَوَلِّدَةِ مِن أكْلِهِ، فَتَزْدادُ عُقُوباتُهُ وآثامُهُ أبَدًا، ويُتْلِفُ اللَّهُ مالَهُ في الدُّنْيا، فَلا يَنْتَفِعُ بِهِ أعْقابُهُ وأوْلادُهُ، فَيَكُونُ مِمَّنْ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ، وذَلِكَ هو المَحْقُ الكُلِّيُّ. وأمّا المُتَصَدِّقُ فَلِكَوْنِ مالِهِ مُزَكًّى يُبارِكُ اللَّهُ في تَثْمِيرِهِ مَعَ حِفْظِ الأصْلِ، وآكِلُهُ لا يَكُونُ إلّا مُطِيعًا في أفْعالِهِ، ويَبْقى مالُهُ في أعْقابِهِ وأوْلادِهِ مُنْتَفَعًا بِهِ. وذَلِكَ (p-٧١١)هُوَ الزِّيادَةُ في الحَقِيقَةِ، ولَوْ لَمْ تَكُنْ زِيادَتُهُ إلّا ما صُرِفَ في طاعَةِ اللَّهِ لَكَفى بِهِ زِيادَةً. وأيُّ زِيادَةٍ أفْضَلُ مِمّا تَبَقّى عِنْدَ اللَّهِ؟! ولَوْ لَمْ يَكُنْ نُقْصانُ الرِّبا إلّا حُصُولَهُ مِن مُخالَفَةِ اللَّهِ وارْتِكابِ نَهْيِهِ لَكَفى بِهِ نُقْصانًا. وأيُّ نُقْصانٍ أفْحَشُ مِمّا يَكُونُ سَبَبَ حِجابِ صاحِبِهِ وعَذابِهِ ونُقْصانِ حَظِّهِ عِنْدَ اللَّهِ؟!
الثّانِيَةُ: قالَ القاشانِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ قَبْلَ ذَلِكَ: آكِلُ الرِّبا أسْوَأُ حالًا مِن جَمِيعِ مُرْتَكِبِي الكَبائِرِ، فَإنَّ كُلَّ مُكْتَسِبٍ لَهُ تَوَكُّلُ ما فِيهِ كَسْبُهُ، قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، كالتّاجِرِ والزّارِعِ والمُحْتَرِفِ، إذْ لَمْ يُعَيِّنُوا أرْزاقَهم بِعُقُولِهِمْ ولَمْ تَتَعَيَّنْ لَهم قَبْلَ الِاكْتِسابِ، فَهم عَلى غَيْرِ مَعْلُومٍ في الحَقِيقَةِ، كَما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أبى اللَّهُ أنْ يَرْزُقَ المُؤْمِنَ إلّا مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُ»» . وأمّا آكِلُ الرِّبا فَقَدْ عَيَّنَ عَلى آخِذِهِ مَكْسَبَهُ ورِزْقَهُ. سَواءٌ رَبِحَ الآخِذُ أوْ خَسِرَ، فَهو مَحْجُوبٌ عَنْ رَبِّهِ بِنَفْسِهِ، وعَنْ رِزْقِهِ بِتَعْيِينِهِ. لا تَوَكُّلَ لَهُ أصْلًا، فَوَكَلَهُ اللَّهُ تَعالى إلى نَفْسِهِ وعَقْلِهِ. وأخْرَجَهُ مِن حِفْظِهِ وكِلاءَتِهِ، فاخْتَطَفَهُ الجِنُّ وخَبَلَتْهُ، فَيَقُومُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا رابِطَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ كَسائِرِ النّاسِ المُرْتَبِطِينَ بِهِ بِالتَّوَكُّلِ، فَيَكُونُ كالمَصْرُوعِ الَّذِي مَسَّهُ الشَّيْطانُ فَتَخْبَطُهُ، لا يَهْتَدِي إلى مَقْصِدٍ.
الثّالِثَةُ: قالَ بَعْضُ العُلَماءِ العُمْرانِيِّينَ: يُشْتَرَطُ لِجَوازِ التَّمَوُّلِ أنْ يَكُونَ مِن وجْهٍ مَشْرُوعٍ كَما في مُقابَلَةِ عَمَلٍ أوْ مُعاوَضَةٍ، وأنْ لا يَتَجاوَزَ المالُ قَدْرَ الحاجَةِ بِكَثِيرٍ، ولِذا حَرَّمَتِ الشَّرائِعُ السَّماوِيَّةُ كُلُّها، وكَذَلِكَ الحِكْمَةُ السِّياسِيَّةُ والأخْلاقِيَّةُ والعُمْرانِيَّةُ أكْلَ الرِّبا، قَصْدًا لِحِفْظِ التَّساوِي والتَّقارُبِ بَيْنَ النّاسِ في القُوَّةِ المالِيَّةِ، لِأنَّ الرِّبا هو كَسْبٌ بِدُونِ مُقابِلٍ مادِّيٍّ؛ فَفِيهِ مَعْنى الغَصْبِ، وبِدُونِ عَمَلٍ، فَفِيهِ الأُلْفَةُ عَلى البِطالَةِ المُفْسِدَةِ لِلْأخْلاقِ، وبِدُونِ تَعَرُّضٍ لِخَسائِرَ طَبِيعِيَّةٍ، كالتِّجارَةِ والزِّراعَةِ والأمْلاكِ، ومِنَ الشّاهِدِ: أنَّ بِالرِّبا تَرْبُو الثَّرَواتُ فَيَخْتَلُّ التَّساوِي بَيْنَ النّاسِ.
ثُمَّ قالَ: وقَدْ نَظَرَ المالِيُّونَ والِاقْتِصادِيُّونَ في أمْرِ الرِّبا فَقالُوا: إنَّ المُعْتَدِلَ مِنهُ نافِعٌ (p-٧١٢)بَلْ لا بُدَّ مِنهُ. أوَّلًا: لِأجْلِ قِيامِ المُعامَلاتِ الكَبِيرَةِ. وثانِيًا: لِأجْلِ أنَّ النُّقُودَ المَوْجُودَةَ لا تَفِي لِلتَّداوُلِ، فَكَيْفَ إذا أمْسَكَ المُكْتَنِزُونَ قِسْمًا مِنها أيْضًا؟! وثالِثًا: لِأجْلِ أنَّ الكَثِيرِينَ مِنَ المُتَمَوِّلِينَ لا يَعْرِفُونَ طَرائِقَ الِاسْتِرْباحِ، أوْ لا يَقْدِرُونَ عَلَيْها. كَما أنَّ كَثِيرًا مِنَ العارِفِينَ بِها لا يَجِدُونَ رُؤُوسَ أمْوالٍ ولا شُرَكاءَ عِنانٍ.
فَهَذا النَّظَرُ صَحِيحٌ مِن وجْهِ إنْماءِ ثَرَواتِ الأفْرادِ والأُمَمِ، أمّا السِّياسِيُّونَ والأخْلاقِيُّونَ فَيَنْظُرُونَ إلى أنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ في جُمْهُورِ الأُمَمِ أكْبَرُ مِن نَفْعِها، لِأنَّ هَذِهِ الثَّرَواتِ الأفْرادِيَّةَ تُمَكِّنُ الِاسْتِبْدادَ الدّاخِلِيَّ، فَتَجْعَلُ النّاسَ صِنْفَيْنِ: عَبِيدًا وأسْيادًا. وتُقَوِّي الِاسْتِبْدادَ الخارِجِيَّ فَتُسَهِّلَ التَّعَدِّيَ عَلى حُرِّيَّةِ واسْتِقْلالِ الأُمَمِ الضَّعِيفَةِ مالًا وعُدَّةً، وهَذِهِ مَقاصِدُ فاسِدَةٌ في نَظَرِ الحِكْمَةِ والعَدالَةِ. ولِذَلِكَ حَرَّمَتِ الأدْيانُ الرِّبا تَحْرِيمًا مُغَلَّظًا. انْتَهى.
الرّابِعَةُ: قالَ الرّازِيُّ: لَمّا بالَغَ تَعالى في الزَّجْرِ عَنِ الرِّبا، وكانَ قَدْ بالَغَ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ في الأمْرِ بِالصَّدَقاتِ، ذَكَرَ هَهُنا ما يَجْرِي مَجْرى الدّاعِي إلى تَرْكِ الصَّدَقاتِ وفِعْلِ الرِّبا، وكَشَفَ عَنْ فَسادِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الدّاعِيَ إلى فِعْلِ الرِّبا تَحْصِيلُ المَزِيدِ في الخَيْراتِ، والصّارِفُ عَنِ الصَّدَقاتِ الِاحْتِرازُ عَنْ نُقْصانِ الخَيْراتِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الرِّبا وإنْ كانَ زِيادَةً في المالِ إلّا أنَّهُ نُقْصانٌ في الحَقِيقَةِ، وإنَّ الصَّدَقَةَ وإنْ كانَتْ نُقْصانًا في الصُّورَةِ إلّا أنَّها زِيادَةٌ في المَعْنى. ولَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ اللّائِقُ بِالعاقِلِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلى ما يَقْضِي بِهِ الطَّبْعُ والحِسُّ مِنَ الدَّواعِي والصَّوارِفِ، بَلْ يُعَوِّلُ عَلى ما نَدَبَهُ الشَّرْعُ إلَيْهِ مِنهُما.
وقالَ القَفّالُ: ونَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ المَثَلُ الَّذِي ضَرَبَهُ فِيما تَقَدَّمَ بِصَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا. ونَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ المَثَلُ الَّذِي ضَرَبَهُ بِحَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ.
﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ صِيغَتا مُبالَغَةٍ مِنَ الكُفْرِ والإثْمِ، لِاسْتِمْرارِ مُسْتَحِلِّ الرِّبا وآكِلِهِ عَلَيْهِما وتَمادِيهِ في ذَلِكَ. وفي الآيَةِ تَغْلِيظٌ في أمْرِ الرِّبا وإيذانٌ بِأنَّهُ مِن فِعْلِ الكُفّارِ، لا مِن فِعْلِ المُسْلِمِينَ.
{"ayah":"یَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰا۟ وَیُرۡبِی ٱلصَّدَقَـٰتِۗ وَٱللَّهُ لَا یُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِیمٍ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











