الباحث القرآني
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥٦] ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى لا انْفِصامَ لَها واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: لا تُكْرِهُوا أحَدًا عَلى الدُّخُولِ في دِينِ الإسْلامِ، فَإنَّهُ بَيِّنٌ واضِحٌ جَلِيٌّ دَلائِلُهُ وبَراهِينُهُ، لا يَحْتاجُ إلى أنْ يُكْرَهَ أحَدٌ عَلى الدُّخُولِ فِيهِ، بَلْ مَن هَداهُ اللَّهُ لِلْإسْلامِ وشَرَحَ صَدْرَهُ ونَوَّرَ بَصِيرَتَهُ دَخَلَ فِيهِ عَلى بَيِّنَةٍ، ومَن عَمِيَ قَلْبُهُ فَإنَّهُ لا يُفِيدُهُ الدُّخُولُ فِيهِ مُكْرَهًا مَقْسُورًا، فالنَّفْيُ بِمَعْنى النَّهْيِ.
(p-٦٦٥)وهُوَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ في تَأْوِيلِ الآيَةِ كَثِيرٌ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْضٌ، أيْ: أنَّهُ تَعالى ما بَنى أمْرَ الإيمانِ عَلى الإجْبارِ والقَسْرِ، وإنَّما بَناهُ عَلى التَّمْكِينِ والِاخْتِيارِ. قالَ القَفّالُ - مُوَضِّحًا لَهُ - لَمّا بَيَّنَ تَعالى دَلائِلَ التَّوْحِيدِ بَيانًا شافِيًا قاطِعًا لِلْعُذْرِ، أخْبَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ إيضاحِ هَذِهِ الدَّلائِلِ لِلْكافِرِ عُذْرٌ في الإقامَةِ عَلى الكُفْرِ، إلّا أنْ يُقْسَرَ عَلى الإيمانِ ويُجْبَرَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَجُوزُ في دارِ الدُّنْيا الَّتِي هي دارُ الِابْتِلاءِ؛ إذْ في القَهْرِ والإكْراهِ عَلى الدِّينِ بُطْلانُ مَعْنى الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] ﴿إنْ نَشَأْ نُنَـزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]
تَنْبِيهٌ:
عُلِمَ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ سَيْفَ الجِهادِ المَشْرُوعِ في الإسْلامِ والَّذِي لا يُبْطِلُهُ عَدْلُ عادِلٍ ولا جَوْرُ جائِرٍ لَمْ يُسْتَعْمَلْ لِلْإكْراهِ عَلى الدُّخُولِ في الدِّينِ، ولَكِنْ لِحِمايَةِ الدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ والإذْعانِ لِسُلْطانِهِ وحُكْمِهِ العَدْلِ.
﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ﴾ أيْ: بِالشَّيْطانِ. أيْ: بِما يَدْعُو إلَيْهِ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ: ﴿ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى لا انْفِصامَ لَها﴾ أيْ: فَقَدْ تَمَسَّكَ مِنَ الدِّينِ بِأقْوى سَبَبٍ. وشَبَّهَ ذَلِكَ بِالعُرْوَةِ القَوِيَّةِ الَّتِي لا تَنْفَصِمُ. هي في نَفْسِها مُحْكَمَةٌ مُبْرَمَةٌ قَوِيَّةٌ، ورَبْطُها قَوِيٌّ (p-٦٦٦)شَدِيدٌ. وجُمْلَةُ: (لا انْفِصامَ لَها) إمّا اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها، وإمّا حالٌ مِنَ (العُرْوَةِ)، والعامِلُ (اسْتَمْسَكَ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في (الوُثْقى) وإمّا صِلَةٌ لِمَوْصُولٍ مَحْذُوفٍ أيِ: (الَّتِي). نَقَلَهُ الرّازِيُّ.
وقَدْ رَوى الشَّيْخانِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: رَأيْتُ رُؤْيا عَلى عَهْدِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، رَأيْتُ كَأنِّي في رَوْضَةٍ خَضْراءَ وسَطُها عَمُودُ حَدِيدٍ أسْفَلَهُ في الأرْضِ وأعْلاهُ في السَّماءِ، في أعْلاهُ عُرْوَةٌ، فَقِيلَ لِي: اصْعَدْ عَلَيْهِ. فَقُلْتُ: لا أسْتَطِيعُ، فَجاءَنِي مُنْصِفٌ (أيْ وصَيْفٌ) فَرَفَعَ ثِيابِي مِن خَلْفِي، فَقالَ: اصْعَدْ فَصَعِدْتُ حَتّى أخَذْتُ بِالعُرْوَةِ. فَقالَ: اسْتَمْسِكْ بِالعُرْوَةِ، فاسْتَيْقَظْتُ وإنَّها لَفي يَدِي. فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَصَصْتُها عَلَيْهِ. فَقالَ: «أمّا الرَّوْضَةُ: فَرَوْضَةُ الإسْلامِ، وأمّا العَمُودُ: فَعَمُودُ الإسْلامِ، وأمّا العُرْوَةُ: فَهي العُرْوَةُ الوُثْقى. أنْتَ عَلى الإسْلامِ حَتّى تَمُوتَ»» ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ حامِلٌ عَلى الإيمانِ، رادِعٌ عَنِ الكُفْرِ والنِّفاقِ، بِما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ.
{"ayah":"لَاۤ إِكۡرَاهَ فِی ٱلدِّینِۖ قَد تَّبَیَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَیِّۚ فَمَن یَكۡفُرۡ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَیُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِیعٌ عَلِیمٌ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











