الباحث القرآني
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٤٣] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهم إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ .
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ أيْ: مِمَّنْ تَقَدَّمَكم مِنَ الأُمَمِ: ﴿مِن دِيارِهِمْ﴾ أيِ: الَّتِي ألِفُوها لِما وقَعَ فِيها مِمّا لا طاقَةَ لَهم بِهِ مِنَ المَوْتِ. ولَفْظَةُ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ قَدْ تُذْكَرُ لِمَن تَقَدَّمَ عِلْمُهُ، فَتَكُونُ لِلتَّعْجِيبِ والتَّقْرِيرِ والتَّذْكِيرِ - كالأحْبارِ وأهْلِ التّارِيخِ - وقَدْ تُذْكَرُ لِمَن لا يَكُونُ كَذَلِكَ، فَتَكُونُ لِتَعْرِيفِهِ وتَعْجِيبِهِ.
(p-٦٣٦)قالَ الرّاغِبُ: "رَأيْتُ" يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ دُونَ الجارِّ، لَكِنْ لَمّا اسْتُعِيرَ " ألَمْ تَرَ " لِمَعْنى " ألَمْ تَنْظُرْ " عُدِّيَ تَعْدِيَتَهُ بِـ " إلى " وفائِدَةُ اسْتِعارَتِهِ: أنَّ النَّظَرَ قَدْ يَتَعَدّى عَنِ الرُّؤْيَةِ، فَإذا أُرِيدَ الحَثُّ عَلى نَظَرٍ ناتِجٍ لا مَحالَةَ لِلرُّؤْيَةِ اسْتُعِيرَتْ لَهُ، وقَلَّما اسْتُعْمِلَ ذَلِكَ في غَيْرِ التَّقْرِيرِ فَلا يُقالُ: رَأيْتُ إلى كَذا.
﴿وهم أُلُوفٌ﴾ أيْ: في العَدَدِ جَمْعُ ألْفٍ، أوْ وهم مُؤْتَلِفُونَ ومُجْتَمِعُونَ جَمْعُ آلِفٌ، بِالمَدِّ - كَشاهِدٍ وشُهُودٍ - أيْ: إنَّ خُرُوجَهم لَمْ يَكُنْ عَنِ افْتِراقٍ كانَ مِنهم ولا تَباغُضٍ، ولَكِنْ: ﴿حَذَرَ المَوْتِ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ - أيْ: فِرارًا مِنهُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ مَعْناهُ: فَأماتَهُمْ، وإنَّما جِيءَ بِهِ عَلى هَذِهِ العِبارَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم ماتُوا مَيْتَةَ رَجُلٍ واحِدٍ بِأمْرِ اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ، وتِلْكَ مَشِيئَةٌ خارِجَةٌ عَنِ العادَةِ كَأنَّهم أُمِرُوا بِشَيْءٍ فامْتَثَلُوهُ امْتِثالًا مِن غَيْرِ إباءٍ ولا تَوَقُّفٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]
﴿ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ عَطْفٌ. إمّا عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ المُقامُ، أيْ: فَماتُوا ثُمَّ أحْياهم - وإنَّما حُذِفَ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِغْناءِ عَنْ ذِكْرِهِ لِاسْتِحالَةِ تَخَلُّفِ مُرادِهِ تَعالى عَنْ إرادَتِهِ، وإمّا عَلى " قالَ " لِما أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الإماتَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ قاطِبَةً. أمّا أُولَئِكَ فَقَدْ أحْياهم لِيَعْتَبِرُوا بِما جَرى عَلَيْهِمْ فَيَفُوزُوا بِالسَّعادَةِ، وأمّا الَّذِينَ سَمِعُوا قِصَّتَهم فَقَدْ هَداهم إلى مَسْلَكِ الِاعْتِبارِ والِاسْتِبْصارِ، فَقَدْ تَفَضَّلَ عَلى الجَمِيعِ لِيَشْكُرُوهُ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ أيْ: فَضْلَهُ كَما يَنْبَغِي.
تَنْبِيهٌ:
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الآيَةَ عُنِيَ بِها قَوْمٌ كَثِيرُو العَدَدِ، خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ فِرارًا مِنَ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ فَأماتَهُمُ اللَّهُ ثُمَّ أحْياهم وأمَرَهم أنْ يُجاهِدُوا عَدُوَّهُمْ، فَكَأنَّها ذُكِرَتْ مُمَهِّدَةً لِلْأمْرِ بِالقِتالِ بَعْدَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٤]
(p-٦٣٧)ومَعْلُومٌ أنَّ سُورَةَ البَقَرَةِ مِمّا نَزَلَ في المَدِينَةِ إثْرَ الهِجْرَةِ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وكانَ العَدُوُّ في مَكَّةَ وما حَوْلَها في كَثْرَةٍ وقُوَّةٍ ومَنَعَةٍ، فَأُمِرَ المُسْلِمُونَ المُهاجِرُونَ ومَن آواهم أنْ يُقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، وقَصَّ لَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ بَعْثٌ لَهم عَلى الجِهادِ وتَبْشِيرٌ لَهم بِالفَوْزِ والعاقِبَةِ، وإنْ يَكُونُوا في قِلَّةٍ وضَعْفٍ، ما دامُوا مُسْتَمْسِكِينَ بِحَبْلِ الوِفاقِ والصَّبْرِ والمُصابَرَةِ. وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الرُّواةِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ عُنِيَ بِها ما قُصَّ في التَّوْراةِ عَنْ حِزْقِيلَ - أحَدِ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ - أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ أنْ يَخْرُجَ إلى فَلاةٍ واسِعَةٍ قَدْ مُلِئَتْ عِظامًا يابِسَةً مِن مَوْتى بَنِي إسْرائِيلَ، وأنْ يُنادِيَها بِاسْمِهِ تَعالى، فَجَعَلَتْ تَتَقارَبُ ثُمَّ كُسِيَتْ لَحْمًا، ثُمَّ نادى أرْواحَها فَعادَتْ إلى أجْسامِها واسْتَوَوْا أحْياءً عَلى أقْدامِهِمْ بِأمْرِهِ تَعالى. وهم جَيْشٌ كَثِيرٌ جِدًّا. وأُوحِيَ إلى (حِزْقِيلَ) أنَّهم سَيَعُودُونَ إلى وطَنِهِمْ بَعْدَ أنْ أُجْلُوا عَنْهُ. وهَذِهِ القِصَّةُ مَبْسُوطَةٌ في تَوْراتِهِمْ في الفَصْلِ السّابِعِ والثَّلاثِينَ مِن نُبُوَّةِ (حِزْقِيلَ).
ومِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ عُنِيَ بِهَذِهِ الآيَةِ نَبَأُ (حِزْقِيلَ)، وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وأشْعَثُ بْنُ أسْلَمَ البَصْرِيُّ والحَجّاجُ بْنُ أرْطاةَ والسُّدِّيُّ وهِلالُ بْنُ يِسافٍ وغَيْرُهم. أخْرَجَهُ عَنْهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ. فَإنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوايَةُ يَكُونُ ذَلِكَ مِن مُعْجِزاتِ (حِزْقِيلَ) في إحْياءِ المَوْتى لَهُ، كَما أُحْيِيَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَيَرى قَوْمُهُ ما لا يَيْأسُونَ مَعَهُ مِن جِهادِ عَدُوِّهِمْ لِيَسْتَرْجِعُوا وطَنَهُمُ الَّذِي أجْلاهم عَنْهُ عَدُوُّهُمْ، لِأنَّ (حِزْقِيلَ) كانَ فِيمَن أُجْلِيَ إلى بابِلَ. قالُوا: ونُبُوَّتُهُ تَتَضَمَّنُ القَضاءَ المُنَزَّلَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وبُشْرى السَّلامِ الَّذِي يَعْقُبُ ذَلِكَ القَضاءَ. وقَدْ نَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّها مَثَلٌ. ولَعَلَّ مُرادَهُ: أنَّها مَثَلٌ في تَكْوِينِهِ تَعالى أُمَّةً قَوِيَّةً تَقْهَرُ وتَغْلِبُ وتَسُوسُ غَيْرَها بَعْدَ بُلُوغِها غايَةَ الضَّعْفِ والخُمُولِ، فَكانَ حَياتُها ومَوْتُها تَمْثِيلًا لِحالَتَيْها قَبْلُ وبَعْدُ. فَيَكُونُ إشْعارًا بِما سَتَصِيرُ إلَيْهِ العَرَبُ مِنَ القُوَّةِ العَظِيمَةِ والمَدَنِيَّةِ الفَخِيمَةِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ الوُصُولَ إلى ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِجِهادِ الظّالِمِينَ واتِّفاقِ المُتَّقِينَ عَلى دَحْرِ المُتَغَلِّبِينَ الباغِينَ واللَّهُ أعْلَمُ.
(p-٦٣٨)ثُمَّ إنَّهُ لا خَفاءَ في أنَّ ما قَصَّ مِن حَوادِثِ الإسْرائِيلِيِّينَ كانَ مَعْرُوفًا في الجُمْلَةِ لِمُخالَطَةِ اليَهُودِ لِلْعَرَبِ في قُرُونٍ كَثِيرَةٍ.
قالَ ولِيُّ اللَّهِ الدَّهْلَوِيُّ في " الفَوْزُ الكَبِيرُ ": واخْتارَ سُبْحانَهُ في تَنْزِيلِهِ مِن أيّامِ اللَّهِ، يَعْنِي: الوَقائِعَ الَّتِي أحْدَثَها اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: كَإنْعامِ المُطِيعِينَ وتَعْذِيبِ العُصاةِ، ما قَرَعَ سَمْعَهُمْ، وذَكَرَ لَهم إجْمالًا مِثْلَ قِصَصِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، وكانَتِ العَرَبُ تَتَلَقّاها أبًا عَنْ جَدٍّ، ومِثْلَ قِصَصِ سَيِّدِنا إبْراهِيمَ وأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ فَإنَّها كانَتْ مَأْلُوفَةً لِأسْماعِهِمْ لِمُخالَطَةِ اليَهُودِ العَرَبَ في قُرُونٍ كَثِيرَةٍ، وانْتَزَعَ مِنَ القِصَصِ المَشْهُورَةِ جُمَلًا تَنْفَعُ في تَذْكِيرِهِمْ، ولَمْ يَسْرُدِ القِصَصَ بِتَمامِها مَعَ جَمِيعِ خُصُوصِيّاتِها. والحِكْمَةُ في ذَلِكَ أنَّ العَوامَّ إذا سَمِعُوا القِصَصَ النّادِرَةَ غايَةَ النُّدْرَةِ، أوِ اسْتَقْصى بَيْنَ أيْدِيهِمْ ذِكْرُ الخُصُوصِيّاتِ، يَمِيلُونَ إلى القِصَصِ نَفْسِها ويَفُوتُهُمُ التَّذَكُّرُ الَّذِي هو الغَرَضُ الأصْلِيُّ فِيها. ونَظِيرُ هَذا الكَلامِ ما قالَهُ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّ النّاسَ لَمّا حَفِظُوا قَواعِدَ التَّجْوِيدِ شُغِلُوا عَنِ الخُشُوعِ في التِّلاوَةِ.
{"ayah":"۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِینَ خَرَجُوا۟ مِن دِیَـٰرِهِمۡ وَهُمۡ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُوا۟ ثُمَّ أَحۡیَـٰهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا یَشۡكُرُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











