الباحث القرآني

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢١٧] ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ ولا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكم حَتّى يَرُدُّوكم عَنْ دِينِكم إنِ اسْتَطاعُوا ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ . (p-٥٣٩)﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾ قالَ الرّاغِبُ: السّائِلُ عَنْ ذَلِكَ، قِيلَ: أهْلُ الشِّرْكِ قَصْدًا إلى تَعْيِيرِ المُسْلِمِينَ لِما تَجاوَزُوهُ مِنَ القَتْلِ في الشَّهْرِ الحَرامِ. وقِيلَ: هم أهْلُ الإسْلامِ. وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في " الكَبِيرِ " والبَيْهَقِيُّ في " سُنَنِهِ "، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ رَهْطًا، وبَعَثَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ، فَلَقُوا ابْنَ الحَضْرَمِيِّ فَقَتَلُوهُ ولَمْ يَدْرُوا أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ مِن رَجَبٍ أوْ مِن جُمادى. فَقالَ المُشْرِكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ: قَتَلْتُمْ في الشَّهْرِ الحَرامٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنْ لَمْ يَكُونُوا أصابُوا وِزْرًا فَلَيْسَ لَهم أجْرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٨] الآيَةَ». وأخْرَجَهُ ابْنُ مَندَهْ مِنَ الصَّحابَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ومُلَخَّصُ ما ذَكَرَهُ الإمامُ ابْنُ القَيِّمُ في " زادِ المَعادِ " وابْنُ هِشامٍ في " السِّيرَةِ " في الكَلامِ عَلى هَذِهِ السِّرِّيَّةِ ونُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ الأسَدِيَّ إلى نَخْلَةَ في رَجَبٍ عَلى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنَ الهِجْرَةِ في اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ، كُلُّ اثْنَيْنِ يَعْتَقِبانِ عَلى بَعِيرٍ، فَوَصَلُوا إلى بَطْنِ نَخْلَةَ يَرْصُدُونَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ، وفي هَذِهِ السِّرِّيَّةِ سُمِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ. وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ لَهُ كِتابًا وأمَرَهُ أنْ لا يَنْظُرَ فِيهِ حَتّى يَسِيرَ يَوْمَيْنِ ثُمَّ يَنْظُرَ فِيهِ. فَلَمّا سارَ يَوْمَيْنِ فَتَحَ الكِتابِ فَوَجَدَ فِيهِ: إذا نَظَرْتَ في كِتابِي هَذا فامْضِ حَتّى تَنْزِلَ بِنَخْلَةَ - بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ - فَتَرْصُدَ بِها عِيرًا لِقُرَيْشٍ، وتَعْلَمَ لَنا مِن أخْبارِهِمْ، فَقالَ: سَمْعًا وطاعَةً! وأخْبَرَ أصْحابَهُ بِذَلِكَ وبِأنَّهُ لا يَسْتَكْرِهُهم فَمَن (p-٥٤٠)أحَبَّ الشَّهادَةَ فَلْيَنْهَضْ، ومَن كَرِهَ المَوْتَ فَلْيَرْجِعْ، فَأمّا أنا فَناهِضٌ! فَنَهَضُوا كُلُّهُمْ، فَلَمّا كانَ في أثْناءِ الطَّرِيقِ أضَلَّ سَعْدُ بْنُ أبِي وقاصٍّ وعُتْبَةُ بْنُ غَزْوانَ بَعِيرًا لَهُما كانا يَتَعَقَّبانِهِ، فَتَخَلَّفا في طَلَبِهِ. فَبَعُدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ حَتّى نَزَلَ بِنَخْلَةَ، فَمَرَّتْ بِهِ عِيرٌ لِقُرَيْشٍ تَحْمِلُ زَبِيبًا وأُدُمًا وتِجارَةً فِيها عَمْرُو بْنُ الحَضْرَمِيِّ وعُثْمانُ ونَوْفَلٌ ابْنا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ والحَكَمُ بْنُ كَيْسانَ مَوْلى بَنِي المُغِيرَةِ، فَتَشاوَرَ المُسْلِمُونَ وقالُوا: نَحْنُ في آخِرِ يَوْمٍ مِن رَجَبٍ لَئِنْ تَرَكْتُمُ القَوْمَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ لَيَدْخُلَنَّ الحَرَمَ فَلْيَمْتَنِعَنَّ مِنكم بِهِ، ولَئِنْ قَتَلْتُمُوهم لَتَقْتُلَنَّهم في الشَّهْرِ الحَرامِ! فَتَرَدَّدَ القَوْمُ وهابُوا الإقْدامَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ شَجَّعُوا أنْفُسَهم عَلَيْهِمْ، وأجْمَعُوا عَلى مُقاتَلَتِهِمْ، فَرَمى أحَدُهم عَمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ فَقَتَلَهُ، وأسَرُوا عُثْمانَ والحَكَمَ، وأفْلَتَ نَوْفَلٌ فَأعْجَزَهُمْ، ثُمَّ أقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ وأصْحابُهُ بِالعِيرِ والأسِيرَيْنِ حَتّى قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ وقَدْ عَزَلُوا مِن ذَلِكَ الخُمُسَ - وهو أوَّلُ خُمُسٍ كانَ في الإسْلامِ، وأوَّلُ قَتِيلٍ في الإسْلامِ، وأوَّلُ أسِيرَيْنِ في الإسْلامِ - فَأنْكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما فَعَلُوهُ واشْتَدَّ تَعْيِيبُ قُرَيْشٍ وإنْكارُهم ذَلِكَ، وزَعَمُوا أنَّهم قَدْ وجَدُوا مَقالًا فَقالُوا: قَدْ أحَلَّ مُحَمَّدٌ الشَّهْرَ الحَرامَ، واشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ﴾ الآيَةَ». وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قِتالٍ فِيهِ﴾ بَدَلٌ مِنَ الشَّهْرِ، بَدَلَ الِاشْتِمالِ، لِأنَّ القِتالَ يَقَعُ في الشَّهْرِ. وقالَ الكِسائِيُّ: هو مَخْفُوضٌ عَلى التَّكْرِيرِ، يُرِيدُ أنَّ التَّقْدِيرَ: عَنْ قِتالٍ فِيهِ وهو مَعْنى قَوْلِ الفَرّاءِ: مَخْفُوضٌ بِـ " عَنْ " مُضْمَرَةٍ. وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ لا يَبْقى عَمَلُهُ بَعْدَ حَذْفِهِ في الِاخْتِيارِ...! وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ هو مَجْرُورٌ عَلى الجِوارِ. وهو أبْعَدُ مِن قَوْلِهِما، لِأنَّ الجِوارَ مِن مَواضِعِ الضَّرُورَةِ والشُّذُوذِ، ولا يُحْمَلُ عَلَيْهِ ما وُجِدَتْ عَنْهُ مَندُوحَةٌ. وفِيهِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِقِتالٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِ كَما يَتَعَلَّقُ بِقاتِلٍ. وقَدْ قُرِئَ بِالرَّفْعِ في الشّاذِّ، ووَجْهُهُ عَلى أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مَعَهُ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، تَقْدِيرُهُ: أجائِزٌ قِتالٌ فِيهِ؟ (p-٥٤١)﴿قُلْ﴾ في جَوابِهِمْ: ﴿قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ أيْ: أمْرٌ كَبِيرٌ مُسْتَنْكَرٌ، وقَدْ كانَتِ العَرَبُ لا تَسْفِكُ دَمًا ولا تُغِيرُ عَلى عَدُوٍّ في الأشْهُرِ الحُرُمِ وهِيَ: ذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمِ ورَجَبٍ. وسَنَذْكُرُ في تَنْبِيهٍ يَأْتِي التَّحْقِيقَ في كَوْنِ تَحْرِيمِ القِتالِ فِيها مُحْكَمًا أوْ مَنسُوخًا. قالَ الرّاغِبُ: إنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلِ: القِتالُ فِيهِ كَبِيرٌ، وشَرْطُ النَّكِرَةِ المَذْكُورَةِ إذا أُعِيدَ ذِكْرُها أنْ يُعادَ مُعَرَّفًا، نَحْوَ: سَألْتَنِي عَنْ رَجُلٍ والرَّجُلُ كَذا وكَذا؟ قِيلَ: في ذِكْرِهِ مُنْكَرًا تَنْبِيهٌ عَلى أنْ لَيْسَ كُلُّ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ هَذا حُكْمُهُ، فَإنَّ قِتالَ النَّبِيِّ ﷺ لِأهْلِ مَكَّةَ لَمْ يَكُنْ هَذا حُكْمَهُ، فَقَدْ قالَ: ««أُحِلَّتْ لِيَ ساعَةٌ مِن نَهارٍ ولَمْ تَكُنْ تَحُلُّ لِأحَدٍ قَبْلِي»» . ﴿وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: عَنْ دِينِهِ المُوَصِّلِ إلى رِضْوانِهِ، أوْ عَنِ البَيْتِ الحَرامِ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ: سَمّى الحَجَّ: سَبِيلَ اللَّهِ. قالَ الحَرالِيُّ: والصَّدُّ: صَرْفٌ إلى ناحِيَةٍ بِإعْراضٍ وتَكَرُّهٍ، والسَّبِيلُ: طَرِيقُ الجادَّةِ السّابِلَةِ عَلَيْهِ الظّاهِرُ لِكُلِّ سالِكٍ مَنهَجَهُ. وصَدٌّ مُبْتَدَأٌ. (p-٥٤٢)﴿وكُفْرٌ بِهِ﴾ أيْ: بِالسَّبِيلِ - أعْنِي الدِّينَ - أوْ بِاللَّهِ، عَطْفٌ عَلَيْهِ ﴿والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ عَطْفٌ عَلى: ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وعَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ. وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الهاءِ فِي: (بِهِ) أيْ: كُفْرٌ بِهِ وبِالمَسْجِدِ الحَرامِ ﴿وإخْراجُ أهْلِهِ﴾ أيْ: أهْلَ المَسْجِدِ الحَرامِ - وهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هم أوْلِياؤُهُ - وهو عَطْفٌ عَلى: صَدَّ أيْضًا: ﴿مِنهُ﴾ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ؛ وخَبَرُ الأسْماءِ الثَّلاثَةِ: ﴿أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ جُرْمًا مِمّا فَعَلَتْهُ السَّرِيَّةُ: مِن قَتْلِهِمْ إيّاهم في الشَّهْرِ الحَرامِ؛ لِأنَّ الإخْراجَ فِتْنَةٌ: ﴿والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ﴾ في الشَّهْرِ الحَرامِ، أيْ: فَقَدْ فَعَلُوا بِكم في المَسْجِدِ الحَرامِ ما هو أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ فِيهِ، وحُرْمَةُ المَسْجِدِ كَحُرْمَةِ الشَّهْرِ..! هَذا، وقِيلَ: خَبَرُ: صَدَّ و: كَفَرَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ. وأشارَ الرّازِيُّ إلى إعْرابٍ آخَرَ وهُوَ: إنَّ: صَدَّ و: كَفَرَ مَعْطُوفانِ عَلى: ﴿كَبِيرٌ﴾ أيْ: قِتالٌ فِيهِ، مَوْصُوفٌ بِهَذِهِ الصِّفاتِ. وعَلَيْهِ فَأكْبَرُ خَبَرُ إخْراجٍ فَقَطْ. وقَدْ جَنَحَ لِهَذا المَهايِمِيُّ حَيْثُ قالَ في " تَفْسِيرِهِ ": ﴿قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ مِنَ المَعاصِي الكَبائِرُ، كَيْفَ وهُوَ: ﴿وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: عَنِ التِّجارَةِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ سَبِيلَ الرِّزْقِ لِعِبادِهِ، ولَوِ اسْتُبِيحَ هَذا القَتْلُ فَهُوَ: ﴿وكُفْرٌ بِهِ﴾ وصَدٌّ عَنِ: المَسْجِدِ الحَرامِ إذا قُتِلَ الحُجّاجُ الخارِجُونَ في الشَّهْرِ الحَرامِ، فَهَذا وجْهُ تَحْرِيمِ القِتالِ في هَذا الشَّهْرِ، ولَكِنْ: {إخْراجُ أهْلِهِ } أيْ: إخْراجُهم أهْلَ المَسْجِدِ الحَرامِ وهُمُ: النَّبِيُّ والمُؤْمِنُونَ: ﴿مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِهِ، وهَذا الوَجْهُ مِنَ الإعْرابِ بَدِيعٌ، والأكْثَرُونَ عَلى الأوَّلِ. قالَ ابْنُ القِيَمِ في " زادِ المَعادِ " في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ: يَقُولُ اللَّهُ سُبْحانَهُ: هَذا الَّذِي أنْكَرْتُمُوهُ عَلَيْهِمْ - وإنْ كانَ كَبِيرًا - فَما ارْتَكَبْتُمُوهُ أنْتُمْ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ، والصَّدِّ عَنْ سَبِيلِهِ وعَنْ بَيْتِهِ، وإخْراجِ المُسْلِمِينَ - الَّذِينَ هم أهْلُهُ - مِنهُ، والشَّرَكِ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ، والفِتْنَةِ الَّتِي حَصَلَتْ (p-٥٤٣)مِنكم بِهِ؛ أكْبُرُ عِنْدَ اللَّهِ مِن قِتالِهِمْ في الشَّهْرِ الحَرامِ. ومِمّا نُسِبَ لِأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في هَذا المَعْنى هَذِهِ الأبْياتُ، ويُقالُ هي لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ: ؎تَعُدُّونَ قَتْلًا في الحَرامِ عَظِيمَةً وأعْظَمُ مِنهُ لَوَ يَرى الرُّشْدَ راشِدُ ؎صُدُودُكم عَمّا يَقُولُ مُحْمَدٌ ∗∗∗ وكَفْرٌ بِهِ، واللَّهُ راءٍ وشاهِدُ ؎وإخْراجُكم مِن مَسْجِدِ اللَّهِ أهْلَهُ ∗∗∗ لِئَلّا يُرى لِلَّهِ في البَيْتِ ساجِدُ ؎فَإنّا وإنْ عَيَّرْتُمُونا بِقَتْلِهِ ∗∗∗ وأرْجَفَ بِالإسْلامِ باغٍ وحاسِدُ ؎سَقَيْنا مِنِ ابْنِ الحَضْرَمِيِّ رِماحَنا ∗∗∗ بِنَخْلَةَ لَمّا أوْقَدَ الحَرْبَ واقْدُ ؎دَمًا، وابْنُ عَبْدِ اللَّهِ عُثْمانُ بَيْنَنا ∗∗∗ يُنازِعُهُ غُلٌّ مِنَ القِدِّ عانِدُ قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في " زادِ المَعادِ ": وأكْثَرُ السَّلَفِ فَسَّرُوا الفِتْنَةَ هُنا بِالشِّرْكِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] أيْ: لَمْ يَكُنْ مَآلُ شِرْكِهِمْ وعاقِبَتِهِ وآخِرِ أمْرِهِمْ إلّا أنْ تَبَرَّأُوا مِنهُ وأنْكَرُوهُ. وحَقِيقَتُها: أنَّهُ الشِّرْكُ الَّذِي يَدْعُو صاحِبَهُ إلَيْهِ، ويُقاتِلُ عَلَيْهِ، ويُعاقِبُ مَن لَمْ يَفْتَتِنْ بِهِ. ولِهَذا يُقالُ لَهم وقْتَ عَذابِهِمْ بِالنّارِ وفِتْنَتِهِمْ بِها: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَكْذِيبُكم. وحَقِيقَتُهُ: ذُوقُوا نِهايَةَ فِتْنَتِكم وغايَتَها ومَصِيرَ أمْرِها، كَقَوْلِهِ: ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤] وكَما فَتَنُوا عِبادَهُ عَنِ الشِّرْكِ، فُتِنُوا عَلى النّارِ وقِيلَ لَهُمْ: (p-٥٤٤)﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤] ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج: ١٠] فُسِّرَتِ الفِتْنَةُ - هُنا - بِتَعْذِيبِهِمُ المُؤْمِنِينَ وإحْراقِهِمْ إيّاهم بِالنّارِ، واللَّفْظُ أعَمُّ مِن ذَلِكَ. وحَقِيقَتُهُ، عَذَّبُوا المُؤْمِنِينَ لِيَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ. فَهَذِهِ الفِتْنَةُ المُضافَةُ إلى المُشْرِكِينَ. وأمّا الفِتْنَةُ الَّتِي يُضِيفُها اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى نَفْسِهِ ويُضِيفُها رَسُولُهُ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٥٣] وقَوْلِ مُوسى: ﴿إنْ هي إلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] فَتِلْكَ بِمَعْنًى آخَرَ، وهي بِمَعْنى الِامْتِحانِ والِاخْتِبارِ والِابْتِلاءِ مِنَ اللَّهِ لِعِبادِهِ بِالخَيْرِ والشَّرِّ، بِالنِّعَمِ والمَصائِبِ. فَهَذِهِ لَوْنٌ، وفِتْنَةُ المُشْرِكِينَ لَوْنٌ. وفِتْنَةُ المُؤْمِنِ في مالِهِ ووَلَدِهِ وجارِهِ لَوْنٌ آخَرُ. والفِتْنَةُ الَّتِي يُوقِعُها بَيْنَ أهْلِ الإسْلامِ كالفِتْنَةِ الَّتِي أوْقَعَها بَيْنَ أصْحابِ عَلِيٍّ ومُعاوِيَةَ، وبَيْنَ أهْلِ الجَمَلِ وصِفِّينَ، وبَيْنَ المُسْلِمِينَ حَتّى يَتَقاتَلُوا ويَتَهاجَرُوا - لَوْنٌ آخَرُ - وهي الفِتْنَةُ الَّتِي قالَ فِيها مُحَمَّدٌ ﷺ: ««سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، القاعِدُ فِيها خَيْرٌ مِنَ القائِمِ، والقائِمُ فِيها خَيْرٌ (p-٥٤٥)مِنَ الماشِي، والماشِي فِيها خَيْرٌ مِنَ السّاعِي....»» . وأحادِيثُ الفِتْنَةِ - الَّتِي أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيها بِاعْتِزالِ الطّائِفَتَيْنِ - هي هَذِهِ الفِتْنَةُ. وقَدْ تَأْتِي الفِتْنَةُ مُرادًا بِها المَعْصِيَةُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: ٤٩] يَقُولُهُ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ لَمّا نَدَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى تَبُوكَ، يَقُولُ: ائْذَنْ لِي في القُعُودِ ولا تَفْتِنِّي بِتَعَرُّضِي لِبَناتِ الأصْفَرِ، فَإنِّي لا أصْبِرُ (p-٥٤٦)عَنْهُنَّ..! قالَ تَعالى: ﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: ٤٩] أيْ: وقَعُوا في فِتْنَةِ النِّفاقِ وفَرُّوا إلَيْها مِن فِتْنَةِ بَناتِ الأصْفَرِ. والمَقْصُودُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ حَكَمَ بَيْنَ أوْلِيائِهِ وأعْدائِهِ بِالعَدْلِ والإنْصافِ، ولَمْ يُبْرِئْ أوْلِياءَهُ مِنِ ارْتِكابِ الإثْمِ بِالقَتْلِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، بَلْ أخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ كَبِيرٌ، وأنَّ ما عَلَيْهِ أعْداؤُهُ المُشْرِكُونَ أكْبَرُ وأعْظَمُ مِن مُجَرَّدِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، فَهم أحَقُّ بِالذَّمِّ، والعَيْبِ والعُقُوبَةِ، لا سِيَّما أوْلِياؤُهُ. كانُوا مُتَأوِّلِينَ في قِتالِهِمْ ذَلِكَ، أوْ مُقَصِّرِينَ نَوْعَ تَقْصِيرٍ يَغْفِرُهُ اللَّهُ لَهم. في جَنْبِ ما فَعَلُوهُ مِنَ التَّوْحِيدِ والطّاعاتِ والهِجْرَةِ مَعَ رَسُولِهِ وإيثارِ ما عِنْدَ اللَّهِ، فَهم كَما قِيلَ: ؎وإذا الحَبِيبُ أتى بِذَنْبٍ واحِدٍ ∗∗∗ جاءَتْ مَحاسِنُهُ بِألْفِ شَفِيعِ فَكَيْفَ يُقاسُ بِبَغِيضِ عَدُوٍّ جاءَ بِكُلِّ قَبِيحٍ ولَمْ يَأْتِ بِشَفِيعٍ واحِدٍ مِنَ المَحاسِنِ؟!. تَنْبِيهٌ: اتَّفَقَ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ: حُرْمَةُ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا أنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ هَلْ بَقِيَ أمْ نُسِخَ؟!. قالَ ابْنُ القِيَمِ في " زادِ المَعادِ " في الفَصْلِ الَّذِي عَقَدَهُ: لَمّا كانَ في غَزْوَةِ خَبِيرَ مِنَ الأحْكامِ الفِقْهِيَّةِ. ما نَصُّهُ: مِنها مُحارَبَةُ الكُفّارِ ومُقاتَلَتُهم في الأشْهُرِ الحُرُمِ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجَعَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ في ذِي الحِجَّةِ. فَمَكَثَ بِها ثُمَّ سارَ إلى خَيْبَرَ في المُحَرَّمِ كَذَلِكَ. قالَ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ مَرْوانَ والمِسْوَرِ، وكَذَلِكَ قالَ الواقِدِيُّ: خَرَجَ في أوَّلِ سَنَةِ سَبْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ. ولَكِنْ في الِاسْتِدْلالِ بِذَلِكَ نَظَرٌ. فَإنَّ خُرُوجَهُ كانَ في أواخِرِ المُحَرَّمِ لا في أوَّلِهِ، وفَتْحُها إنَّما كانَ في صَفَرٍ. وأقْوى مِن هَذا الِاسْتِدْلالِ بَيْعَةُ النَّبِيِّ ﷺ أصْحابَهُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ بَيْعَةُ الرِّضْوانِ عَلى القِتالِ وأنْ لا يَفِرُّوا. وكانَتْ في ذِي القِعْدَةِ. ولَكِنْ لا دَلِيلَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إنَّما بايَعَهم عَلى ذَلِكَ لَمّا بَلَغَهُ أنَّهم قَدْ قَتَلُوا عُثْمانَ وهم يُرِيدُونَ قِتالَهُ، فَحِينَئِذٍ بايَعَ الصَّحابَةَ. ولا خِلافَ في جَوازِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ دَفْعًا، وإنَّما الخِلافُ أنْ يُقاتَلَ فِيهِ ابْتِداءً. فالجُمْهُورُ جَوَّزُوهُ وقالُوا: تَحْرِيمُ القِتالِ فِيهِ مَنسُوخٌ، وهو مَذْهَبُ الأئِمَّةِ (p-٥٤٧)الأرْبَعَةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ. وذَهَبَ عَطاءٌ وغَيْرُهُ إلى أنَّهُ ثابِتٌ غَيْرُ مَنسُوخٍ؛ وكانَ عَطاءٌ يَحْلِفُ بِاللَّهِ ما يَحِلُّ القِتالُ في الشَّهْرِ الحَرامِ ولا نُسِخَ مِن تَحْرِيمِهِ شَيْءٌ..! وأقْوى مِن هَذَيْنِ الِاسْتِدْلالَيْنِ، الِاسْتِدْلالُ بِحِصارِ النَّبِيِّ ﷺ لِلطّائِفِ. فَإنَّهُ خَرَجَ إلَيْها في أواخِرَ شَوّالَ فَحاصَرَهم بِضْعًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَبَعْضُها كانَ في ذِي القِعْدَةِ. فَإنَّهُ فَتَحَ مَكَّةَ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِن رَمَضانَ، وأقامَ بِها بَعْدَ الفَتْحِ تِسْعَ عَشْرَةَ يَقْصُرُ الصَّلاةَ، فَخَرَجَ إلى هَوازِنَ وقَدْ بَقِيَ مِن شَوّالَ عِشْرُونَ يَوْمًا، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ هَوازِنَ وقَسَمَ غَنائِمَها. ثُمَّ ذَهَبَ مِنها إلى الطّائِفِ فَحاصَرُوهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً. وهَذا يَقْتَضِي أنَّ بَعْضَها في ذِي القِعْدَةِ بِلا شَكٍّ. وقَدْ قِيلَ: إنَّما حاصَرَهم بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً. قالَ ابْنُ حَزْمٍ: وهو الصَّحِيحُ بِلا شَكٍّ. وهَذا عَجِيبٌ مِنهُ. فَمِن أيْنَ لَهُ هَذا التَّصْحِيحُ والجَزْمُ بِهِ..؟ وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ في قِصَّةِ الطّائِفِ قالَ: فَحاصَرْناهم أرْبَعِينَ يَوْمًا فاسْتَعْصَوْا وتَمَنَّعُوا، وذَكَرَ الحَدِيثَ. فَهَذا الحِصارُ وقَعَ في ذِي القِعْدَةِ بِلا رَيْبٍ. ومَعَ هَذا، فَلا دَلِيلَ في القِصَّةِ لِأنَّ غَزْوَ الطّائِفِ كانَ في تَمامِ غَزْوَةِ هَوازِنَ. وهم بَدَأُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالقِتالِ. ولَمّا انْهَزَمُوا دَخَلَ مَلِكُهم - وهو مالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّضْرِيُّ - مَعَ ثَقِيفٍ في حِصْنِ الطّائِفِ. فَحارَبَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَكانَ غَزْوُهم مِن تَمامِ الغَزْوِ الَّتِي شُرِعَ فِيها، واللَّهُ أعْلَمُ. وقالَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ المائِدَةِ وهي مِن آخِرِ القُرْآنِ نُزُولًا ولَيْسَ فِيها مَنسُوخٌ: (p-٥٤٨)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ ولا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ﴾ [المائدة: ٢] وقالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فَهاتانِ آيَتانِ مَدَنِيَّتانِ. بَيْنَهُما في النُّزُولِ نَحْوُ ثَمانِيَةِ أعْوامٍ. ولَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ ولا سُنَّةِ رَسُولِهِ ناسِخٌ لِحُكْمِها. ولا اجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى نَسْخِهِ. ومَنِ اسْتَدَلَّ عَلى النَّسْخِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] ونَحْوِها مِنَ العُمُوماتِ، فَقَدِ اسْتَدَلَّ عَلى النَّسْخِ بِما لا يَدُلُّ. ومَنِ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ أبا عامِرٍ في سَرِيَّةٍ إلى أوْطاسَ في ذِي القِعْدَةِ، فَقَدِ اسْتَدَلَّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، لِأنَّ ذَلِكَ كانَ مِن تَمامِ الغَزْوَةِ الَّتِي بَدَأ فِيها المُشْرِكُونَ بِالقِتالِ ولَمْ يَكُنِ ابْتِداءٌ مِنهُ لِقِتالِهِمْ في الشَّهْرِ الحَرامِ. ﴿ولا يَزالُونَ﴾ - يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ -: ﴿يُقاتِلُونَكُمْ﴾ - أيُّها المُؤْمِنُونَ -: ﴿حَتّى يَرُدُّوكم عَنْ دِينِكُمْ﴾ أيْ: يُرْجِعُوكم عَنْ دِينِكُمُ الإسْلامِ إلى الكُفْرِ: ﴿إنِ اسْتَطاعُوا﴾ أيْ: قَدَرُوا عَلى رِدَّتِكم. وفِيهِ اسْتِبْعادٌ لِاسْتِطاعَتِهِمْ. فَهو كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِعَدُوِّهِ: إنْ ظَفَرْتَ بِي (p-٥٤٩)فَلا تُبْقِ عَلَيَّ. وهو واثِقٌ أنَّهُ لا يَظْفَرُ بِهِ. وجُمْلَةُ: ﴿ولا يَزالُونَ﴾ إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى: ﴿يَسْألُونَكَ﴾ أوْ مُعْتَرَضَةً. والمَقْصُودُ: تَحْذِيرُ المُؤْمِنِينَ مِنهم وعَدَمُ المُبالاةِ بِمُوافَقَتِهِمْ في بَعْضِ الأُمُورِ، لِاسْتِحْكامِ عَداوَتِهِمْ وإصْرارِهِمْ عَلى الفِتْنَةِ في الدِّينِ. وفِي الآيَةِ إشْعارٌ بِأنَّكم أحَقُّ بِأنْ لا تَزالُوا تُقاتِلُونَهُمْ، لِأنَّهم قاطِعُونَ بِأنَّكم عَلى الحَقِّ وأنَّكم مَنصُورُونَ، وأنَّهم عَلى الباطِلِ وهم مَخْذُولُونَ، ولا بُدَّ وإنْ طالَ المَدى؛ لِاعْتِمادِكم عَلى اللَّهِ واعْتِمادِهِمْ عَلى قُوَّتِهِمْ. ومَن وُكِلَ إلى نَفْسِهِ ضاعَ. فالأمْرُ الَّذِي بَيْنَكم وبَيْنَهم أشَدُّ مِنَ الكَلامِ. فَيَنْبَغِي الِاسْتِعْدادُ لَهُ بِعِدَّتِهِ، والتَّأهُّبُ لَهُ بِأُهْبَتِهِ، فَضْلًا عَنْ أنْ يُلْتَفَتَ إلى التَّأثُّرِ بِكَلامِهِمُ الَّذِي تُوحِيهِ إلَيْهِمُ الشَّياطِينُ طَعْنًا في الدِّينِ، وصَدًّا عَنِ السَّبِيلِ. أشارَ لِذَلِكَ البِقاعِيُّ. ثُمَّ حَذَّرَ تَعالى عَنِ الِارْتِدادِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ﴾ وهو الإسْلامُ. وبِناءُ صِيغَةِ الِافْتِعالِ مِنَ الرِّدَّةِ المُؤْذِنَةِ بِالتَّكَلُّفِ، إشارَةٌ إلى أنَّ مَن باشَرَ دِينَ الحَقِّ يَبْعُدُ أنْ يَرْجِعَ عَنْهُ، فَهو مُتَكَلِّفٌ في ذَلِكَ: ﴿فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ أيْ: بَطَلَتْ جَمِيعُ مَساعِيهِمُ النّافِعَةُ لَهُمْ، ورُدَّتْ: ﴿فِي الدُّنْيا﴾ - إذْ يَرْفَعُ الأمانُ عَنْ أمْوالِهِمْ وأهْلِهِمْ -: ﴿والآخِرَةِ﴾ - إذْ يَسْقُطُ ثَوابُهُمْ، فَلا يُجْزَوْنَ ثَمَّةَ بِحَسَناتِهِمْ: {و } لا يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ بَلْ: أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ أيْ: أهْلُ النّارِ: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ مُقِيمُونَ لا يَمُوتُونَ ولا يَخْرُجُونَ كَسائِرِ الكُفّارِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب