الباحث القرآني

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٢١] ﴿وكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وأنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهم أمْرَهم فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ . ﴿وكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: كَما أنَمْناهم وبَعَثْناهم لِما في ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ، أطْلَعْنا عَلَيْهِمْ أهْلَ المَدِينَةِ حَتّى دَخَلَها مَن بَعَثُوهُ لِلطَّعامِ، وأخْرَجَ ورِقَهُمُ المُتَقادِمَةَ العَهْدِ: ﴿لِيَعْلَمُوا (p-٤٠٣٦)أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ: لِيَعْلَمَ الَّذِينَ أطْلَعْناهم عَلى حالِهِمْ، أنَّ وعْدَ اللَّهِ بِالبَعْثِ حَقٌّ. لِأنَّ حالَهم في نَوْمَتِهِمْ وانْتِباهَتِهِمْ بَعْدَها كَحالِ مَن يَمُوتُ ثُمَّ يُبْعَثُ: ﴿وأنَّ السّاعَةَ﴾ أيِ: المَوْعُودَ فِيها بِالبَعْثِ: ﴿لا رَيْبَ فِيها﴾ إذْ لا بُدَّ مِنَ الجَزاءِ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى ما كانَ مِن أمْرِهِمْ بَعْدَ وفاتِهِمْ، وعِنايَةِ قَوْمِهِمْ بِحِفْظِ أجْداثِهِمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهم أمْرَهم فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا﴾ أيْ: عَلى بابِ كَهْفِهِمْ بُنْيانًا عَظِيمًا. كالخانَقاهاتِ والمَشاهِدِ والمَزاراتِ المَبْنِيَّةِ عَلى الأنْبِياءِ وأتْباعِهِمْ، و(إذْ) عَلى ما يَظْهَرُ لِي، ظَرْفٌ لِــ (أذْكُرُ) مُقَدَّرًا. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ لِبَيانِ خَتْمِ نَبَئِهِمْ بِما جَرى بَعْدَ مَماتِهِمْ، إثْرَ ما أوْجَزَ مِن نَبَئِهِمْ بَعْدَ بَعْثِهِمْ والإعْثارِ عَلَيْهِمْ، وجَعْلُهُ ظَرْفًا لِـ: ﴿أعْثَرْنا﴾ أوْ لِغَيْرِهِ مِمّا ذَكَرُوا لَيْسَ فِيهِ قُوَّةُ ارْتِباطٍ ولا دِقَّةُ مَعْنًى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالُوا﴾ تَفْسِيرٌ لِلْمُتَنازَعِ فِيهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ. إمّا مِنَ اللَّهِ رَدًّا عَلى الخائِضِينَ في حَدِيثِهِمْ مِن أُولَئِكَ المُتَنازِعِينَ فِيهِمْ عَلى عَهْدِهِ ﷺ مِن أهْلِ الكِتابِ، أوْ هي مِن كَلامِ المُتَنازِعِينَ في عَهْدِهِمْ. كَأنَّهم تَذاكَرُوا أمْرَهُمُ العَجِيبَ وتَحاوَرُوا في أحْوالِهِمْ ومُدَّةِ لِبْثِهِمْ. فَلَمّا لَمْ يَهْتَدُوا أحالُوا حَقِيقَةَ نَبِيِّهِمْ إلَيْهِ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ المُتَنازِعِينَ، وهم أرْبابُ الغَلَبَةِ ونُفُوذِ الكَلِمَةِ: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ أيْ: نُصَلِّي فِيهِ، تَبَرُّكًا بِهِمْ وبِمَكانِهِمْ. تَنْبِيهٌ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: حُكِيَ في القائِلِينَ ذَلِكَ قَوْلانِ أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ مِنهم. والثّانِي: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ. والظّاهِرُ أنَّهم هم أصْحابُ النُّفُوذِ. ولَكِنْ هَلْ هم مَحْمُودُونَ أمْ لا؟ فِيهِ نَظَرٌ. لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ والنَّصارى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ وصالِحِيهِمْ مَساجِدَ»» يُحَذِّرُ ما فَعَلُوا. انْتَهى. (p-٤٠٣٧)وعَجِيبٌ مِن تَرَدُّدِهِ في كَوْنِهِمْ غَيْرَ مَحْمُودِينَ، مَعَ إيرادِهِ الحَدِيثَ الصَّحِيحَ بَعْدَهُ، المُسَجَّلَ بِلَعْنِ فاعِلِ ذَلِكَ. وهو أعْظَمُ ما عَنْوَنَ بِهِ عَلى الغَضَبِ الإلَهِيِّ والمَقْتِ الرَّبّانِيِّ. والسَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّ البِناءَ عَلى قَبْرِ النَّبِيِّ والوَلِيِّ مَدْعاةٌ لِلْإقْبالِ عَلَيْهِ والتَّضَرُّعِ إلَيْهِ. فَفِيهِ فَتْحٌ لِبابِ الشِّرْكِ وتَوَسُّلٌ إلَيْهِ بِأقْرَبِ وسِيلَةٍ. وهَلْ أصْلُ عِبادَةِ الأصْنامِ إلّا ذَلِكَ؟ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] قالَ: هَؤُلاءِ كانُوا قَوْمًا صالِحِينَ في قَوْمِهِمْ. فَلَمّا ماتُوا عَكَفُوا عَلى قُبُورِهِمْ، ثُمَّ صَوَّرُوا تَماثِيلَهم. فَلَمّا طالَ فِيهِمُ الأمَدُ عَبَدُوهم. فَهَؤُلاءِ لَمّا قَصَدُوا الِانْتِفاعَ بِالمَوْتى، قادَهم ذَلِكَ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ. قالَ الإمامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الهادِي عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، في كِتابِهِ (الصّارِمِ المُنَكّى) بَعْدَ إيرادِهِ ما تَقَدَّمَ: يُوَضِّحُهُ أنَّ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا في زِيارَةِ المَوْتى مِن أهْلِ الشِّرْكِ، صَرَّحُوا بِأنَّ القَصْدَ هو انْتِفاعُ الزّائِرِ بِالمَزُورِ. وقالُوا: مِن تَمامِ الزِّيارَةِ أنْ يُعَلِّقَ هِمَّتَهُ ورُوحَهُ بِالمَيِّتِ وقَبْرِهِ. فَإذا فاضَ عَلى رُوحِ المَيِّتِ مِنَ العُلْوِيّاتِ الأنْوارُ، فاضَ مِنها عَلى رُوحِ الزّائِرِ بِواسِطَةِ ذَلِكَ التَّعَلُّقِ والتَّوَجُّهِ إلى المَيِّتِ. كَما يَنْعَكِسُ النُّورُ عَلى الجِسْمِ الشَّفّافِ، بِواسِطَةِ مُقابَلَتِهِ. وهَذا المَعْنى بِعَيْنِهِ، ذَكَرَهُ عُبّادُ الأصْنامِ في زِيارَةِ القُبُورِ. وتَلَقّاهُ عَنْهم مَن تَلَقّاهُ مِمَّنْ لَمْ يُحِطْ عِلْمًا بِالشِّرْكِ وأسْبابِهِ ووَسائِلِهِ. ومِن هاهُنا يَظْهَرُ سِرُّ مَقْصُودِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَهْيِهِ عَنْ تَعْظِيمِ القُبُورِ واتِّخاذِ المَساجِدِ عَلَيْها والسُّرُجِ. ولَعْنِهِ فاعِلَ ذَلِكَ وإخْبارِهِ بِشِدَّةِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِ. ونَهْيِهِ عَنِ الصَّلاةِ إلَيْها، ونَهْيِهِ عَنِ اتِّخاذِ قَبْرِهِ عِيدًا. وسُؤالِهِ رَبَّهُ تَعالى أنْ لا يَجْعَلَ قَبْرَهُ وثَنًا يُعْبَدُ. فَهَذا نَهْيُهُ عَنْ تَعْظِيمِ القُبُورِ. وذَلِكَ تَعْلِيمُهُ وإرْشادُهُ لِلزّائِرِ أنْ يَقْصِدَ نَفْعَ المَيِّتِ والدُّعاءَ لَهُ والإحْسانَ إلَيْهِ، لا الدُّعاءَ بِهِ ولا الدُّعاءَ عِنْدَهُ. (p-٤٠٣٨)ثُمَّ قالَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: ومَن ظَنَّ أنَّ ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لَهم فَهو غالِطٌ جاهِلٌ. فَإنَّ تَعْظِيمَهم إنَّما هو بِطاعَتِهِمْ واتِّباعِ أمْرِهِمْ ومَحَبَّتِهِمْ وإجْلالِهِمْ. فَمَن عَظَّمَهم بِما هو عاصٍ لَهم بِهِ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَعْظِيمًا. بَلْ هو ضِدُّ التَّعْظِيمِ. فَإنَّهُ مُتَضَمِّنٌ مُخالَفَتَهم ومَعْصِيَتَهم. فَلَوْ سَجَدَ العَبْدُ لَهم أوْ دَعاهم مِن دُونِ اللَّهِ أوْ سَبَّحَهم أوْ طافَ بِقُبُورِهِمْ واتَّخَذَ عَلَيْها المَساجِدَ والسُّرُجَ، وأثْبَتَ لَهم خَصائِصَ الرُّبُوبِيَّةِ، ونَزَّهَهم عَنْ لَوازِمِ العُبُودِيَّةِ، وادَّعى أنَّ ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لَهم كانَ مِن أجْهَلِ النّاسِ وأضَلِّهِمْ. وهو مِن جِنْسِ تَعْظِيمِ النَّصارى لِلْمَسِيحِ حَتّى أخْرَجُوهُ مِنَ العُبُودِيَّةِ. وكُلُّ مَن عَظَّمَ مَخْلُوقًا بِما يَكْرَهُهُ ذَلِكَ المُعَظَّمُ ويُبْغِضُهُ، ويَمْقُتُ فاعِلَهُ، فَلَمْ يُعَظِّمْهُ في الحَقِيقَةِ، بَلْ عامَلَهُ بِضِدِّ تَعْظِيمِهِ. فَتَعْظِيمُ الرَّسُولِ ﷺ أنْ تُطاعَ أوامِرُهُ وتُصَدَّقَ أخْبارُهُ ولا يُقَدَّمَ عَلى ما جاءَ بِهِ غَيْرُهُ. فالتَّعْظِيمُ نَوْعانِ: أحَدُهُما ما يُحِبُّهُ المُعَظَّمُ ويَرْضاهُ ويَأْمُرُ بِهِ ويُثْنِي عَلى فاعِلِهِ، فَهَذا هو التَّعْظِيمُ في الحَقِيقَةِ. والثّانِي ما يَكْرَهُهُ ويُبْغِضُهُ ويَذُمُّ فاعِلَهُ، فَهَذا لَيْسَ بِتَعْظِيمٍ بَلْ هو غُلُوٌّ مُنافٍ لِلتَّعْظِيمِ. ولِهَذا لَمْ يَكُنِ الرّافِضَةُ مُعَظِّمِينَ لِعَلِيٍّ، بِدَعْواهُمُ الإلَهِيَّةَ والنُّبُوَّةَ أوِ العِصْمَةَ ونَحْوَ ذَلِكَ. ولَمْ يَكُنِ النَّصارى مُعَظِّمِينَ لِلْمَسِيحِ. بِدَعْواهم فِيهِ ما ادَّعَوْا. والنَّبِيُّ ﷺ. قَدْ أنْكَرَ عَلى مَن عَظَّمَهُ بِما لَمْ يَشْرَعْهُ. فَأنْكَرَ عَلى مُعاذٍ سُجُودُهُ لَهُ وهو مَحْضُ التَّعْظِيمِ. وفي المُسْنَدِ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا مُحَمَّدُ ! يا سَيِّدَنا! وابْنَ سَيِّدِنا! وخَيْرَنا! وابْنَ خَيْرِنا! فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلَيْكم بِتَقْواكُمْ، ولا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيْطانُ. أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، ما أُحِبُّ أنْ تَعْرِفُونِي فَوْقَ مَنزِلَتِي الَّتِي أنْزَلَنِي اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ»» . وقالَ ﷺ: ««لا تُطْرُونِي كَما أطْرَتِ النَّصارى عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ. فَإنَّما أنا عَبْدٌ فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ»» وكانَ يَكْرَهُ مِن أصْحابِهِ أنْ يَقُومُوا لَهُ إذا رَأوْهُ. ونَهاهم أنْ يُصَلُّوا خَلْفَهُ قِيامًا وهو مَرِيضٌ. وقالَ: ««إنْ كِدْتُمْ آنِفًا لَتَفْعَلُونَ فِعْلَ فارِسَ والرُّومِ. (p-٤٠٣٩)يَقُومُونَ عَلى مُلُوكِهِمْ»» وكُلُّ هَذا مِنَ التَّعْظِيمِ الَّذِي يُبْغِضُهُ ويَكْرَهُهُ. ولَقَدْ غَلا بَعْضُ النّاسِ في تَعْظِيمِ القُبُورِ حَتّى قالَ: إنَّ البَلاءَ يَنْدَفِعُ عَنْ أهْلِ البَلَدِ أوِ الإقْلِيمِ، بِمَن هو مَدْفُونٌ عِنْدَهم مِنَ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ. وهو غُلُوٌّ مُخالِفٌ لِدِينِ المُسْلِمِينَ، مُخالِفٌ لِلْكِتابِ والسُّنَّةِ والإجْماعِ. ولِلْبَحْثِ تَتِمَّةٌ مُهِمَّةٌ فانْظُرْهُ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب