الباحث القرآني

(p-٣٥٤٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٤٤ ] ﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا﴾ أيِ المَلَأُ لِلْمَلِكِ ﴿أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ أيْ تَخالِيطُها. جَمْعُ (ضِغْثٍ). وهو في الأصْلِ ما جُمِعَ مِن أخْلاطِ النَّباتِ وحُزِمَ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِما تَجْمَعُهُ القُوَّةُ المُتَخَيَّلَةُ مِن أحادِيثِ النَّفْسِ، ووَساوِسِ الشَّيْطانِ، وتُرِيها في المَنامِ. و(الأحْلامُ) جَمْعُ (حُلْمٍ)، وهو ما يَراهُ النّائِمُ، فَهو مُرادِفٌ لِلرُّؤْيا، إلّا أنَّها غَلَبَتْ في رُؤْيا الخَيْرِ، والشَّيْءِ الحَسَنِ، وغَلَبَ الحُلْمُ عَلى خِلافِهِ. وفي الحَدِيثِ: ««الرُّؤْيا مِنَ اللَّهِ، والحُلْمُ مِنَ الشَّيْطانِ»» . قالَ التُّورَبَشْتِيُّ: الحُلْمُ عِنْدَ العَرَبِ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ الرُّؤْيا، والتَّفْرِيقُ مِن الِاصْطِلاحاتِ الَّتِي سَنَّها الشّارِعُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، كَأنَّهُ كَرِهَ أنْ يُسَمّى ما كانَ مِنَ اللَّهِ وما كانَ مِنَ الشَّيْطانِ بِاسْمٍ واحِدٍ، فَجَعَلَ الرُّؤْيا عِبارَةً عَنِ الصّالِحِ مِنها، لِما في الرُّؤْيا مِنَ الدَّلالَةِ عَلى المُشاهَدَةِ بِالبَصَرِ أوِ البَصِيرَةِ، وجَعَلَ الحُلْمَ عِبارَةً عَمّا كانَ مِنَ الشَّيْطانِ، لِأنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ لَمْ يُسْتَعْمَلْ إلّا فِيما يُخَيَّلُ لِلْحالِمِ في مَنامِهِ مِن قَضاءِ الشَّهْوَةِ، مِمّا لا حَقِيقَةَ لَهُ. انْتَهى. والمُرادُ بِالجَمْعِ في (الأحْلامِ) ما فَوْقَ الواحِدِ، لِأنَّهُما حُلْمانِ، رَأى كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إثْرَ اسْتِيقاظِهِ مِنهُ، كَما رُوِيَ، وفَهِمَ بَعْضُهم أنَّهُ حُلْمٌ واحِدٌ، فالتَمَسَ لِلْجَمْعِ نُكْتَةً فَقالَ: إمّا المُبالَغَةُ في وصْفِهِ بِالبُطْلانِ، أوْ تَضَمُّنُهُ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً، ولا حاجَةَ إلَيْهِ، كَما بَيَّنّا. ﴿وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدُوا بِـ (الأحْلامِ) المَناماتِ الباطِلَةَ خاصَّةً. أيْ: لَيْسَ لَها تَأْوِيلٌ عِنْدَنا، وإنَّما التَّأْوِيلُ لِلرُّؤْيا الصّادِقَةِ. وأنْ يَعْتَرِفُوا بِقُصُورِ عِلْمِهِمْ، وأنَّهم لَيْسُوا في التَّعْبِيرِ بِنَحارِيرَ. قالَ النّاصِرُ: وهَذا هو الظّاهِرُ. وحَمْلُ الكَلامِ عَلى الأوَّلِ يُصَيِّرُهُ مِن وادِي: ؎عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ (p-٣٥٤٧)كَأنَّهم قالُوا: ولا تَأْوِيلَ لِلْأحْلامِ الباطِلَةِ، فَنَكُونُ بِهِ عالِمِينَ. وقَوْلُ المَلِكِ لَهم أوَّلًا: ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَكُونُوا في عِلْمِهِ عالِمِينَ بِها، لِأنَّهُ أتى بِكَلِمَةِ الشَّكِّ، وجاءَ اعْتِرافُهم بِالقُصُورِ مُطابِقًا لِشَكِّ المَلِكِ الَّذِي أخْرَجَهُ مَخْرَجَ اسْتِفْهامِهِمْ عَنْ كَوْنِهِمْ عالِمِينَ بِالرُّؤْيا أوْ لا. وقَوْلُ الفَتى: ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٤٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٦] دَلِيلٌ أيْضًا عَلى ذَلِكَ -واللَّهُ أعْلَمُ-.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب