الباحث القرآني
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٠ ] ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وقَدْ أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ مِن بَعْدِ أنْ نَـزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾
﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ﴾ أيْ: أجْلَسَهُما مَعَهُ عَلى سَرِيرِ مُلْكِهِ تَكْرِيمًا لَهُما ﴿وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ أيْ سَجَدَ لَهُ أبُوهُ وإخْوَتُهُ الباقُونَ، وكانُوا أحَدَ عَشَرَ، تَحِيَّةً وتَكْرِمَةً لَهُ. وكانَ السُّجُودُ عِنْدَهم لِلْكَبِيرِ يَجْرِي مَجْرى التَّحِيَّةِ عِنْدَنا.
﴿وقالَ يا أبَتِ هَذا﴾ أيِ السُّجُودُ ﴿تَأْوِيلُ﴾ أيْ تَعْبِيرُ ﴿رُؤْيايَ مِن قَبْلُ﴾ أيِ (p-٣٥٩٦)الَّتِي رَأيْتُها أيّامَ الصِّبا، وهي سُجُودُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسِ والقَمَرِ ﴿قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ أيْ: صِدْقًا مُطابِقًا لِلْواقِعِ في الحِسِّ، ﴿وقَدْ أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ أيْ نَجّانِي مِنَ العُبُودِيَّةِ، وجَعَلَ المَلِكَ مُطِيعًا لِي مُفَوِّضًا إلَيَّ خَزائِنَ الأرْضِ. وفي الِاقْتِصارِ عَلى التَّحَدُّثِ بِالخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ عَلى جَلالَةِ مُلْكِهِ، وفَخامَةِ شَأْنِهِ مِنَ التَّواضُعِ، وتَذْكُرُ ما سَلَفَ مِنَ الضَّرّاءِ، اسْتِدامَةً لِلشُّكْرِ، ما فِيهِ مِن أدَبِ النَّفْسِ الباهِرِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى النِّعْمَةِ في الِانْطِلاقِ مِنَ الحَبْسِ؛ لِأنَّهُ كَما قالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، لَمّا كانَ في حَبْسِ الرَّشِيدِ:
؎ومَحِلَّةٍ شَمِلَ المَكارِهُ أهْلَها وتَقَلَّدُوا مَشْنُوءَةَ الأسْماءِ
؎دارٌ يُهابُ بِها اللِّئامُ وتُتَّقى ∗∗∗ وتَقِلُّ فِيها هَيْبَةُ الكُرَماءِ
؎ويَقُولُ عِلْجٌ ما أرادَ ولا تَرى ∗∗∗ حَرًّا يَقُولُ بِرِقَّةٍ وحَياءِ
؎ويَرِقُّ عَنْ مَسِّ المَلاحَةِ وجْهُهُ ∗∗∗ فَيَصُونُهُ بِالصَّمْتِ والإغْضاءِ
وقالَ شاعِرٌ مِنَ المَسْجُونِينَ:
؎خَرَجْنا مِنَ الدُّنْيا ونَحْنُ مِن أهْلِها ∗∗∗ فَلَسْنا مِنَ الأحْياءِ فِيها ولا المَوْتى
؎إذا جاءَنا السَّجّانُ يَوْمًا لِحاجَةٍ ∗∗∗ عَجِبْنا وقُلْنا: جاءَ هَذا مِنَ الدُّنْيا
ويُؤْثَرُ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كَتَبَ عَلى بابِ السِّجْنِ: هَذِهِ مَنازِلُ البَلاءِ، وتَجْرِبَةُ الأصْدِقاءِ، وشَماتَةُ الأعْداءِ، وقُبُورُ الأحْياءِ.
هَذا وقَدْ حاوَلَ كَثِيرٌ مِنَ الأُدَباءِ مَدْحَ السِّجْنِ بِسِحْرِ بَيانِهِمْ، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ الجَهْمِ:
؎قالُوا حُبِسْتَ فَقُلْتُ لَيْسَ بِضائِرِي ∗∗∗ حَبْسِي وأيُّ مُهَنَّدٍ لا يُغْمَدُ؟
؎أوَ ما رَأيْتَ اللَّيْثَ يَأْلَفُ غابَهُ ∗∗∗ كِبْرًا وأوْباشُ السِّباعِ تَرَدَّدُ
؎والبَدْرُ يُدْرِكُهُ المِحاقُ فَتَنْجَلِي ∗∗∗ أيّامُهُ وكَأنَّهُ مُتَجَدِّدُ
؎ولِكُلِّ حالٍ مُعْقِبٌ ولَرُبَّما ∗∗∗ أجْلى لَكَ المَكْرُوهُ عَمّا تَحْمَدُ
؎والسِّجْنُ ما لَمْ تَغْشَهُ لِدَنِيَّةٍ ∗∗∗ شَنْعاءَ نِعْمَ المَنزِلُ المُتَوَرِّدُ
؎بَيْتٌ يُجَدِّدُ لِلْكَرِيمِ كَرامَةً ∗∗∗ فَيُزارُ فِيهِ ولا يَزُورُ ويُحْفَدُ
(p-٣٥٩٧)وأحْسَنُ ما قِيلَ في تَسْلِيَةِ المَسْجُونِينَ قَوْلُ البُحْتُرِيِّ:
؎أما في رَسُولِ اللَّهِ يُوسُفَ أُسْوَةٌ ∗∗∗ لِمِثْلِكَ مَحْبُوسًا عَلى الجَوْرِ والإفْكِ
؎أقامَ جَمِيلَ الصَّبْرِ في السِّجْنِ بُرْهَةً ∗∗∗ فَآلَ بِهِ الصَّبْرُ الجَمِيلُ إلى المُلْكِ
نَقَلَهُ الثَّعالِبِيُّ في (اللَّطائِفِ واليَواقِيتِ).
﴿وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ﴾ أيِ البادِيَةِ، وقَدْ كانُوا أصْحابَ مَواشٍ، ﴿مِن بَعْدِ أنْ نَـزَغَ﴾ أيْ أفْسَدَ ﴿الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي﴾ أيْ بِالحَسَدِ. وأسْنَدَهُ إلى الشَّيْطانِ، لِأنَّهُ بِوَسْوَسَتِهِ وإلْقائِهِ. وفِيهِ تَفادٍ عَنْ تَثْرِيبِهِمْ أيْضًا. وإنَّما ذَكَرَهُ لِأنَّ النِّعْمَةَ بَعْدَ البَلاءِ أحْسَنُ مَوْقِعًا.
﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ أيْ لَطِيفُ التَّدْبِيرِ لَهُ، والرِّفْقِ بِهِ، ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ﴾ بِوُجُوهِ المَصالِحِ، ﴿الحَكِيمُ﴾ في أفْعالِهِ وأقْضِيَتِهِ.
{"ayah":"وَرَفَعَ أَبَوَیۡهِ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدࣰاۖ وَقَالَ یَـٰۤأَبَتِ هَـٰذَا تَأۡوِیلُ رُءۡیَـٰیَ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَعَلَهَا رَبِّی حَقࣰّاۖ وَقَدۡ أَحۡسَنَ بِیۤ إِذۡ أَخۡرَجَنِی مِنَ ٱلسِّجۡنِ وَجَاۤءَ بِكُم مِّنَ ٱلۡبَدۡوِ مِنۢ بَعۡدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّیۡطَـٰنُ بَیۡنِی وَبَیۡنَ إِخۡوَتِیۤۚ إِنَّ رَبِّی لَطِیفࣱ لِّمَا یَشَاۤءُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِیمُ ٱلۡحَكِیمُ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











