الباحث القرآني

(p-٣٤٥٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٤٨] ﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ﴾ أيِ انْزِلْ مِنَ السَّفِينَةِ ﴿بِسَلامٍ مِنّا﴾ أيْ: سَلامَةٍ ﴿وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ أيْ في السَّفِينَةِ عَلى دِينِكَ وطَرِيقَتِكَ إلى آخِرِ الزَّمانِ ﴿وأُمَمٌ﴾ أيْ ومِنهم أُمَمٌ ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ أيْ في الحَياةِ الدُّنْيا لِاحْتِجابِهِمْ بِها ﴿ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ في الدُّنْيا، أوْ في الآخِرَةِ، أوْ فِيهِما. لَطِيفَةٌ: ذَهَبَ العُلَماءُ، في الطُّوفانِ، مَذاهِبَ شَتّى. فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ عَمَّ الأرْضَ بِأسْرِها، ومِن ذاهِبٍ إلى أنَّهُ لَمْ يَعُمَّ إلّا الأرْضَ المَأْهُولَةَ وقْتَئِذٍ بِالبَشَرِ، ومِن جانِحٍ إلى أنَّهُ لَمْ يَعُمَّها كُلَّها ولَمْ يَهْلَكِ البَشَرُ كُلُّهم. ولِكُلِّ فَرِيقٍ حُجَجٌ يُدَعِّمُ بِها مَذْهَبَهُ: قالَ تَقِيُّ الدِّينِ المَقْرِيزِيُّ في (الخُطَطِ): إنَّ جَمِيعَ أهْلِ الشَّرائِعِ، أتْباعِ الأنْبِياءِ مِنَ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ والنَّصارى قَدْ أجْمَعُوا عَلى أنَّ نُوحًا هو الأبُ الثّانِي لِلْبَشَرِ، وأنَّ العَقِبَ مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ انْحَصَرَ فِيهِ، ومِنهُ ذَرَأ اللَّهُ جَمِيعَ أوْلادِ آدَمَ، فَلَيْسَ أحَدٌ مِن بَنِي آدَمَ إلّا وهو مِن أوْلادِ نُوحٍ، وخالَفَتِ القِبْطُ والمَجُوسُ وأهْلُ الهِنْدِ والصِّينِ ذَلِكَ، فَأنْكَرُوا الطُّوفانَ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الطُّوفانَ إنَّما حَدَثَ في إقْلِيمِ بابِلَ وما وراءَهُ مِنَ البِلادِ الغَرْبِيَّةِ فَقَطْ، وأنَّ أوْلادَ (كَيُومِرْتَ) الَّذِي هو عِنْدَهُمُ (الإنْسانُ الأوَّلُ) كانُوا بِالبِلادِ الشَّرْقِيَّةِ مِن بابِلَ، فَلَمْ يَصِلِ الطُّوفانُ إلَيْهِمْ، ولا إلى الهِنْدِ والصِّينِ، والحَقُّ ما عَلَيْهِ أهْلُ الشَّرائِعِ، وأنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمّا أنْجاهُ اللَّهُ ومَن مَعَهُ بِالسَّفِينَةِ، نَزَلَ بِهِمْ، وهم ثَمانُونَ رَجُلًا سِوى أوْلادِهِ، فَماتُوا بَعْدَ ذَلِكَ، ولَمْ يُعَقِّبُوا، وصارَ العَقِبُ مِن نُوحٍ في أوْلادِهِ الثَّلاثَةِ. ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُ اللَّهِ تَعالى عَنْ نُوحٍ: ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] اهـ. (p-٣٤٥١)ونَحْوَهُ في الكامِلِ لِابْنِ الأثِيرِ. وقالَ ابْنُ خَلْدُونَ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ الطُّوفانَ الَّذِي كانَ في زَمَنِ نُوحٍ وبِدَعْوَتِهِ، ذَهَبَ بِعُمْرانِ الأرْضِ أجْمَعَ، بِما كانَ مِن خَرابِ المَعْمُورِ، وهَلَكَ الَّذِينَ رَكِبُوا مَعَهُ في السَّفِينَةِ، ولَمْ يَعْقُبُوا، فَصارَ أهْلُ الأرْضِ كُلُّهم مِن نَسْلِهِ، وعادَ أبًا ثانِيًا لِلْخَلِيقَةِ -انْتَهى. قالَ بَعْضُهم (فِي تَقْرِيرِ عُمُومِ الطُّوفانَ، مُبَرْهِنًا عَلَيْهِ) إنَّ مِياهَ الطُّوفانِ قَدْ تَرَكَتْ آثارًا عَجِيبَةً في طَبَقاتِ الأرْضِ الظّاهِرَةِ، فَيُشاهَدُ في أماكِنِ رَواسِبَ بَحْرِيَّةٍ مُمْتَزِجَةٍ بِالأصْدافِ، حَتّى في قِمَمِ الجِبالِ، ويَرى في السُّهُولِ والمَفاوِزِ بَقايا حَيَوانِيَّةً ونَباتِيَّةً مُخْتَلِطَةً بِمَوادَّ بَحْرِيَّةٍ، بَعْضُها ظاهِرٌ عَلى سَطْحِها، وبَعْضُها مَدْفُونٌ عَلى مَقْرُبَةٍ مِنهُ، واكْتُشِفَ في الكُهُوفِ عِظامٌ حَيَوانِيَّةٌ مُتَخالِفَةُ الطِّباعِ، بَعِيدَةُ الِائْتِلافِ، مَعَها بَقايا آلاتٍ صِناعِيَّةٍ، وآثارٌ بَشَرِيَّةٌ، مِمّا يُثْبِتُ أنَّ طُوفانًا قادَها إلى ذاكَ المَكانِ، وجَمَعَها قَسْرًا فَأبادَها، فَتَغَلْغَلَتْ بَيْنَ طَبَقاتِ الطِّينِ فَتَحَجَّرَتْ، وظَلَّتْ شَهادَةً عَلى ما كانَ، بِأمْرِ الخالِقِ تَعالى -انْتَهى-. وقَدْ سُئِلَ مُفْتِي مِصْرَ الإمامُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ عَبْدُهُ عَنْ تَحْقِيقِ عُمُومِ الطُّوفانِ، وعُمُومِ رِسالَةِ نُوحٍ، فَأجابَ بِما صُورَتُهُ: أمّا القُرْآنُ الكَرِيمُ فَلَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ قاطِعٌ عَلى عُمُومِ الطُّوفانِ، ولا عُمُومِ رِسالَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وما ورَدَ مِنَ الأحادِيثِ، عَلى فَرْضِ صِحَّةِ سَنَدِهِ، فَهو آحادٌ لا يُوجِبُ اليَقِينَ. والمَطْلُوبُ في تَقْرِيرِ مِثْلِ هَذِهِ الحَقائِقِ هو اليَقِينُ لا الظَّنُّ، إذا عُدَّ اعْتِقادُها مِن عَقائِدِ الدِّينِ. وأمّا المُؤَرِّخُ، ومُرِيدُ الِاطِّلاعِ، فَلَهُ أنْ يَحْصُلَ مِنَ الظَّنِّ ما تُرَجِّحُهُ عِنْدَهُ ثِقَتُهُ بِالرّاوِي أوِ المُؤَرِّخِ، أوْ صاحِبِ الرَّأْيِ. وما يَذْكُرُهُ المُؤَرِّخُونَ والمُفَسِّرُونَ في هَذِهِ المَسْألَةِ لا يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الثِّقَةِ بِالرِّوايَةِ، أوْ عَدَمِ الثِّقَةِ بِها، ولا يُتَّخَذُ دَلِيلًا قَطْعِيًّا عَلى مُعْتَقَدٍ دِينِيٍّ. أمّا مَسْألَةُ عُمُومِ الطُّوفانِ في نَفْسِها، فَهي مَوْضُوعُ نِزاعٍ بَيْنَ أهْلِ الأدْيانِ، وأهْلِ النَّظَرِ في طَبَقاتِ الأرْضِ، ومَوْضُوعُ خِلافٍ بَيْنَ مُؤَرِّخِي الأُمَمِ. فَأهْلُ الكِتابِ، وعُلَماءُ الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ؛ عَلى أنَّ الطُّوفانَ كانَ (p-٣٤٥٢)عامًّا لِكُلِّ الأرْضِ، ووافَقَهم عَلى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ النَّظَرِ، واحْتَجُّوا عَلى رَأْيِهِمْ بِوُجُودِ بَعْضِ الأصْدافِ والأسْماكِ المُتَحَجِّرَةِ في أعالِي الجِبالِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مِمّا لا يَتَكَوَّنُ إلّا في البَحْرِ، فَظُهُورُها في رُؤُوسِ الجِبالِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الماءَ صَعِدَ إلَيْها مَرَّةً مِنَ المَرّاتِ، ولَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَتّى يَكُونَ قَدْ عَمَّ الأرْضَ. ويَزْعُمُ غالِبُ أهْلِ النَّظَرِ مِنَ المُتَأخِّرِينَ أنَّ الطُّوفانَ لَمْ يَكُنْ عامًّا، ولَهم عَلى ذَلِكَ شَواهِدُ يَطُولُ شَرْحُها، غَيْرَ أنَّهُ لا يَجُوزُ لِشَخْصٍ مُسْلِمٍ أنْ يُنْكِرَ قَضِيَّةَ أنَّ الطُّوفانَ كانَ عامًّا، لِمُجَرَّدِ حِكاياتٍ عَنْ أهْلِ الصِّينِ، أوْ لِمُجَرَّدِ احْتِمالِ التَّأْوِيلِ في آياتِ الكِتابِ العَزِيزِ. بَلْ عَلى كُلِّ مَن يَعْتَقِدُ بِالدِّينِ، ألّا يَنْفِيَ شَيْئًا مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الآياتِ والأحادِيثِ الَّتِي صَحَّ سَنَدُها، ويَنْصَرِفُ عَنْها إلى التَّأْوِيلِ، إلّا بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ يَقْطَعُ بِأنَّ الظّاهِرَ غَيْرُ مُرادٍ، والوُصُولُ إلى ذَلِكَ في مِثْلِ هَذِهِ المَسْألَةِ يَحْتاجُ إلى بَحْثٍ طَوِيلٍ، وعَناءٍ شَدِيدٍ، وعِلْمٍ غَزِيرٍ في طَبَقاتِ الأرْضِ، وما تَحْتَوِي عَلَيْهِ، وذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلى عُلُومٍ شَتّى، نَقْلِيَّةٍ وعَقْلِيَّةٍ. ومَن هُدِيَ بِرَأْيِهِ بِدُونِ عِلْمٍ يَقِينِيٍّ فَهو مُجازِفٌ، ولا يُسْمَعُ لَهُ قَوْلٌ، ولا يُسْمَحُ لَهُ بِبَثِّ جَهالاتِهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ. واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم أنَّ الطُّوفانَ كانَ عامًّا، إذْ لَمْ يَكُنِ العُمْرانُ قائِمًا إلّا بِقَوْمِ نُوحٍ، فَكانَ عامًّا لَهُمْ، وإنْ كانَ مِن جِهَةٍ خاصًّا بِهِمْ؛ إذْ لَيْسَ ثَمَّ غَيْرُهُمْ، قالَ: هَبَطَ آدَمُ إلى الأرْضِ، وهو لَيْسَ بِأُمَّةٍ، إذا مَضَتْ عَلَيْها قُرُونٌ ولَدَتْ أُمَمًا، بَلْ هو واحِدٌ تَمْضِي عَلَيْهِ السُّنُونَ، بَلِ القُرُونُ، ونُمُوُّ عَشِيرَتِهِ لا يَكادُ يَكُونُ إلّا كَما يَتَقَلَّصُ الظِّلُّ قَلِيلًا قَلِيلًا مِن آدَمَ إلى نُوحٍ ثَمانِيَةُ آباءٍ، فَإنْ كانَ ثَمانِيَةُ آباءٍ يُعْطُونَ مِنَ الذُّرِّيَّةِ أضْعافًا وآلافًا، حَتّى يَطَؤُوا وجْهَ الأرْضِ بِالأقْدامِ، ويَنْشُرُوا العُمْرانَ في تِلْكَ الأيّامِ، فَتِلْكَ قَضِيَّةٌ مِن أعْظَمِ ما يَذْكُرُهُ التّارِيخُ أُعْجُوبَةً لِلْعالَمِينَ! أمّا تِلْكَ الجِبالُ الَّتِي وُجِدَتْ فَوْقَها عِظامُ الأسْماكِ، فَإنْ كانَتْ مِمّا وصَلَ إلَيْهِ الطُّوفانُ، مِنَ المَكانِ الخاصِّ الَّذِي سَبَقَ بِهِ البَيانُ؛ فَلا بُرْهانَ. وإنْ كانَتْ في غَيْرِ ذَلِكَ المَكانِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ وضَعَها إنْسانٌ، كَما وجَدَها إنْسانٌ؛ كانَ نَقْلُ الجَوارِحِ (p-٣٤٥٣)والكَواسِرِ لِتِلْكَ العِظامِ، إلى تِلْكَ الجِبالِ مِمّا يُسَوِّغُهُ الإمْكانُ. بِهَذا وبِغَيْرِهِ مِمّا لا يَغِيبُ عَنِ الأفْهامِ، تَعْلَمُ أنَّ الطُّوفانَ خاصٌّ عامٌّ: خاصٌّ بِمَكانٍ، عامٌّ سائِرَ المَكانِ -واللَّهُ أعْلَمُ-. وقَوْلُهُ تَعالى:
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب